هل الجرعات العالية من فيتامين "سي" تحمي من نزلات البرد؟

الساعة 02:03 م|22 أغسطس 2026

فلسطين اليوم

لطالما ارتبط فصل الشتاء بنصيحة شائعة مفادها أن تناول جرعات كبيرة من فيتامين "سي" يمكن أن يساعد على الوقاية من نزلات البرد، وهو اعتقاد لا يزال منتشرا على نطاق واسع حتى اليوم. لكن ماذا تقول الأدلة العلمية؟ وهل يحتاج الإنسان فعلا إلى جرعات مرتفعة من هذا الفيتامين خلال موسم البرد؟

كيف بدأت فكرة الجرعات العالية من فيتامين "سي"؟

ارتبط انتشار هذه الفكرة بالعالم الأمريكي لينوس باولينغ، الحائز على جائزتي نوبل في الكيمياء والسلام.

وفي عام 1970، نشر باولينغ كتابا تناول فيه فوائد فيتامين "سي" وعلاقته بنزلات البرد، ودعا إلى استهلاك ما بين 1000 و2000 ملغ يوميا للحفاظ على الصحة، مع جرعات أكبر بهدف الوقاية من نزلات البرد.

ورغم أن باولينغ لم يكن طبيبا أو متخصصا في التغذية أو الأمراض المعدية، ساهمت أفكاره وكتابه في زيادة شعبية مكملات فيتامين "سي"، وترسيخ الاعتقاد بأن تناول كميات كبيرة منه يمكن أن يحمي الجسم من نزلات البرد.

لكن استنتاجاته تعرضت لاحقا لانتقادات علمية، خصوصا بسبب مشكلات في تحليل نتائج بعض الدراسات التي استند إليها، إلى جانب محدودية جودة عدد من التجارب التي اعتمد عليها.

ماذا تقول الدراسات العلمية عن فيتامين "سي" ونزلات البرد؟

تشير الأدلة العلمية المتراكمة إلى أن تأثير فيتامين "سي" على نزلات البرد محدود، وأنه لا توجد أدلة قوية على قدرته على منع الإصابة بالمرض لدى عامة الناس.

وأظهر تحليل تجميعي نُشر عام 2023 وشمل 10 تجارب شارك فيها 2736 شخصا من البالغين والأطفال والرياضيين، كانوا يتناولون ما لا يقل عن 1000 ملغ من فيتامين "سي" يوميا بصورة منتظمة، أن المكمل ارتبط بانخفاض شدة أعراض نزلات البرد بنحو 15%.

في المقابل، كان تأثيره على مدة الأعراض محدودا، ما يشير إلى أن تناول جرعات مرتفعة من الفيتامين لا يمثل وسيلة فعالة لمنع نزلات البرد.

كما أظهر تحليل تلوي نُشر عام 2013 أن تناول نحو 200 ملغ من فيتامين "سي" يوميا لا يقلل عدد نزلات البرد لدى عامة الناس، مع وجود فائدة أكبر لدى بعض الفئات التي تتعرض لمجهود بدني شديد، مثل الرياضيين والعسكريين.

وبشكل عام، تشير النتائج إلى أن تناول فيتامين "سي" بصورة منتظمة قد يساعد بدرجة محدودة في تخفيف شدة أعراض نزلات البرد لدى بعض الأشخاص، لكنه لا يمنع الإصابة بها. كما أن البدء بتناول المكمل بعد ظهور الأعراض لا يبدو أنه يقدم فائدة كبيرة.

هل تناول الجرعات العالية من فيتامين "سي" آمن؟

يحتاج معظم الأشخاص إلى كميات محدودة نسبيا من فيتامين "سي"، ويمكن الحصول على الاحتياجات اليومية بسهولة من خلال النظام الغذائي، خصوصا الفواكه والخضروات.

وفي أستراليا، تبلغ الكمية اليومية الموصى بها للبالغين نحو 45 ملغ، وهي كمية يمكن الحصول عليها من مصادر غذائية بسيطة، مثل نصف برتقالة أو كمية صغيرة من البروكلي أو عصير البرتقال.

أما تناول أكثر من 1000 ملغ يوميا بصورة مستمرة، فقد يؤدي لدى بعض الأشخاص إلى آثار جانبية، من بينها الإسهال والغثيان وتقلصات المعدة والانتفاخ.

وقد يرتبط الإفراط في تناول فيتامين "سي" أيضا بزيادة خطر تكوّن حصى الكلى لدى بعض الأشخاص، كما يمكن أن يؤدي إلى زيادة امتصاص الحديد لدى المصابين بداء ترسب الأصبغة الدموية.

كذلك، قد يتداخل تناول جرعات مرتفعة من المكملات مع بعض الأدوية والعلاجات، لذلك لا يُنصح باستخدامها بصورة عشوائية، خصوصا لدى الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة أو يتناولون أدوية بشكل منتظم.

هل نحتاج إلى تخزين مكملات فيتامين "سي" لفصل الشتاء؟

تشير الأدلة المتاحة إلى أن الاعتقاد بأن الجرعات العالية من فيتامين "سي" تمنع نزلات البرد غير مدعوم بشكل كافٍ من الدراسات العلمية.

وقد يوفر تناول الفيتامين بصورة منتظمة فائدة محدودة في تخفيف شدة الأعراض أو تقصير مدة نزلات البرد لدى بعض الأشخاص، لكن تناول جرعات كبيرة بعد ظهور الأعراض لا يبدو ذا فائدة تُذكر.

وبالنسبة لمعظم الأشخاص، لا توجد حاجة إلى تناول جرعات مرتفعة من مكملات فيتامين "سي" استعدادا لفصل الشتاء، إذ يمكن الحصول على الكمية التي يحتاجها الجسم من خلال نظام غذائي متوازن غني بالفواكه والخضروات.

أما الأشخاص الذين يفكرون في تناول جرعات مرتفعة من المكملات، فمن الأفضل استشارة الطبيب أولا، خاصة في حال وجود أمراض مزمنة أو استخدام أدوية بصورة منتظمة.

الخلاصة: فيتامين "سي" عنصر غذائي مهم لصحة الجسم، لكن زيادة الجرعة لا تعني بالضرورة زيادة الحماية من نزلات البرد. فالأدلة العلمية لا تدعم استخدام الجرعات العالية كوسيلة للوقاية، بينما قد يقدم تناوله بصورة منتظمة فائدة محدودة في تخفيف الأعراض لدى بعض الأشخاص.