لماذا يُهاجم السكري من النوع الثاني الشباب اليوم؟

الساعة 12:40 م|09 أغسطس 2026

فلسطين اليوم

تشير دارسات إلى أن مرض السكري من النوع الثاني لم يعد يقتصر على كبار السن، إذ كشفت دراسة بريطانية ارتفاعا مقلقا في الإصابة بين النساء دون الأربعين.

في السابق، كان من السهل أو من الأوضح التمييز بين مرض السكري من النوع الأول والنوع الثاني، وبعيدا عن تعقيدات المصطلحات الطبية، يمكن تبسيط الأمر بالقول إن النوع الأول من السكري يُعد مرضا مناعيا ذاتيا ذا طابع وراثي ويظهر عادة لدى صغار السن.

أما النوع الثاني من السكري، فهو مرض يصيب غالبا كبار السن نتيجة أنماط حياة غير صحية. بيد أن هذا الفارق لم يعد صالحا في الوقت الحالي؛ إذ كشفت دراسات عن تزايد أعداد الشباب الذين يُصابون بالنوع الثاني من السكري.

ففي المملكة المتحدة، جرى تسجيل أكبر زيادة في حالات التشخيص الجديدة بين الشابات. وفي هذا السياق، قام فريق بحثي من "إمبريال كوليدج لندن" بتقييم بيانات وفرها "المسح الوطني للسكري" في إنجلترا خلال الفترة ما بين عامي 2011 و2024.

ووجد الباحثون أنه في حين تنخفض معدلات الإصابة بالنوع الثاني من السكري بين البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 60 و79 عاما، فإنها تشهد ارتفاعا بين من هم دون سن الأربعين.

وكشفت النتائج، التي نشرتها مجلة "ذا لانسيت"، أن نصيب الأسد من هذه الزيادة كان بين النساء من المجموعات العرقية البيضاء والآسيوية والسوداء في العشرينيات من العمر.

لماذا يرتفع السكري بين الشباب؟

وقالت شيفاني ميسرا، المؤلفة الرئيسية للدراسة وأستاذة السكري في "إمبريال كوليدج لندن"، إن معظم النقاشات "ركزت على تزايد حالات الإصابة بالنوع الثاني من السكري بين الشباب من مختلف الخلفيات العرقية".

وأضافت أن هذا الأمر يشير إلى أن "هذا التحدي الصحي العام يمتد ليشمل مختلف فئات الجيل".

ويقول بابتيست غالويتز، أخصائي الغدد الصماء في ألمانيا، إن الوضع مشابه في بلاده. وأضاف غالويتز، المتحدث باسم "الجمعية الألمانية للسكري"، في مقابلة مع DW، أن ثمة ارتفاعا في معدلات الإصابة بالنوع الثاني من السكري في العديد من البلدان، لافتا إلى أنه يمكن وصف الأمر بأنه أشبه بـ"وباء عالمي".

وأضاف أنه يمكن في ألمانيا رصد زيادة في أعداد الأطفال والمراهقين الذين يجري تشخيص إصابتهم بهذا المرض.

وتشير الجمعية الألمانية للسكري إلى أنه خلال الفترة ما بين عامي 2014 و2023، جرى تسجيل زيادة سنوية بنسبة 5.8% في حالات الإصابة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و17 عاما.

والجدير بالذكر أن النوع الثاني من السكري يتسبب في انخفاض إنتاج الإنسولين أو ضعف استجابة الجسم له، مما ينجم عنه ارتفاع مستويات السكر في الدم. أما داء السكري من النوع الأول، فينتج عن الفقدان الكامل للخلايا المنتجة للإنسولين، مما يؤدي إلى نقص شديد في هذا الهرمون.

ورغم أن الاستعداد الوراثي قد يلعب دورا في الإصابة بالسكري من النوع الثاني، فإن نمط الحياة يُعد العامل الأبرز.

وفي هذا الصدد، قال غالويتز إن نمط الحياة الحالي يتسم بقلة الحركة، مضيفا أن الأنظمة الغذائية الحالية "تحتوي على كميات مفرطة من السكر والسعرات الحرارية، وهو ما يؤدي إلى زيادة معدلات السمنة بين الشباب، مما يرفع بدوره بشكل كبير خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني".

كيف نوقف زحف السكري؟

ودق خبراء الصحة ناقوس الخطر إزاء تزايد الإصابة بالنوع الثاني من السكري بين الشباب، وذلك لأن تطور المرض لدى المرضى الأصغر سنا قد يكون أكثر خطورة مقارنة بالمرضى الأكبر سنا.

وفي هذا السياق، قالت هيلين كيران، الباحثة المتخصصة في أمراض السكري بالمملكة المتحدة، إن "أي تشخيص للإصابة بالسكري من النوع الثاني يُعد أمرا خطيرا، لكن المرض قد يتخذ مسارا أكثر حدة لدى الشباب، مما يزيد خطر حدوث مضاعفات خطيرة ويُقصر العمر المتوقع".

ولذلك يشدد الخبراء على أن التدخل المبكر يُعد أمرا بالغ الأهمية. وفي هذا الإطار، رحب غالويتز بفرض ضريبة على المشروبات الغازية المحلاة بالسكر في ألمانيا، لكنه أكد أن هذه الخطوة وحدها غير كافية.

ودعت "الجمعية الألمانية للسكري" إلى تطبيق نظام ضريبي متدرج ينص على بيع الفواكه والخضروات الطازجة دون ضريبة، بينما ترتفع نسبة الضريبة كلما زادت محتويات المنتج من الدهون المشبعة والسكريات.

وليس هذا فحسب، بل تطالب الجمعية أيضا بتوفير أغذية صحية في رياض الأطفال ومقاصف المدارس، وإدراج ساعة يومية إلزامية من النشاط البدني ضمن الحصص المدرسية.

الكشف المبكر... مفتاح النجاة

من جانبها، قالت ألكسندرا كاوتسكي-ويلر، رئيسة قسم الغدد الصماء والتمثيل الغذائي في المستشفى الجامعي التابع للجامعة الطبية في فيينا، إن المطالبة بمزيد من التمارين الرياضية خلال اليوم الدراسي أمر مهم، لكن لا بد أيضا من تحسين الظروف البيئية العامة للحد من تزايد الإصابة بالنوع الثاني من السكري بين الطلاب والطالبات.

وفي مقابلة مع DW، أشارت كاوتسكي-ويلر إلى أن "الحركة والنشاط البدني أمران مهمان، لذا علينا ضمان توافر ظروف تتيح للنساء ممارسة النشاط البدني بأمان".

ويرى خبراء أن بعض النساء قد يترددن في ممارسة الرياضةخوفا من السخرية بسبب الوزن أو من التعرض للمضايقات في الأماكن العامة.

كما يرجح الخبراء أن عدد النساء المصابات بالنوع الثاني من السكري قد يكون أعلى مما تشير إليه البيانات الحالية. وفي هذا الصدد، ذكرت دراسة ألمانية نُشرت العام الماضي أن هذا المرض غالبا ما لا يُشخّص بصورة كافية لدى النساء.

وقالت الدراسة إن "الرجال عادة ما يُشخصون بالإصابة بالنوع الثاني من السكري في سن أصغر، بينما ترتفع نسبة النساء اللاتي يعانين من السمنةوارتفاع ضغط الدم، كما أنهن يكتسبن وزنا أكبر مقارنة بالرجال".

ويقول خبراء الصحة إنه من أجل خفض معدلات الإصابة بالنوع الثاني من السكري بين الشباب، يتعين معرفة الوقت الذي تقترب فيه مؤشرات الدم من الحد الفاصل للإصابة بالمرض، وهي المرحلة التي يطلق عليها الأطباء اسم "ما قبل السكري".

ويؤكد الأطباء أن اكتشاف المرض في هذه المرحلة المبكرة يساهم في تدارك الوضع، إذ يمكن من خلال تعديل نمط الحياة والنظام الغذائي وقف تطور المرض في بعض الحالات، مما يجنب الشباب مضاعفات صحية خطيرة ناجمة عن السكري.