هل ينهي الذكاء الاصطناعي الانتظار قبل تشخيص سرطان الثدي ؟

الساعة 01:14 م|28 يوليو 2026

فلسطين اليوم

قد لا يكون أصعب ما تواجهه المرأة بعد إجراء تصوير الثدي بالأشعة (الماموغرام) هو احتمال اكتشاف سرطان الثدي، بل الأيام أو الأسابيع التي تعيشها في انتظار النتيجة. ففي تلك الفترة تختلط المخاوف بالأسئلة، ويتحول كل يوم إلى عبء نفسي قد

واليوم تشير دراسة أميركية حديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يغيّر هذه المعادلة. فبدلاً من أن يقتصر دوره على تحسين دقة اكتشاف الأورام، أصبح قادراً على إعادة تنظيم رحلة المريضة داخل النظام الصحي، بحيث تُمنح النساء الأكثر عرضة للإصابة أولوية التقييم التشخيصي في اليوم نفسه، بدلاً من الانتظار أياماً، أو أسابيع. وهكذا لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على اكتشاف السرطان، بل قد يسهم في تقليص واحدة من أكثر مراحل رحلة المريضة قسوة: انتظار اليقين.

من التشخيص إلى إدارة رحلة المريضة

شهدت الأعوام الأخيرة تطوراً متسارعاً في توظيف الذكاء الاصطناعي لتحليل صور الماموغرام، وتركزت معظم الأبحاث على سؤال واحد: هل تستطيع الخوارزميات اكتشاف سرطان الثدي بدقة تضاهي دقة استشاري الأشعة أو تتفوق عليهم؟

لكن الدراسة الجديدة، التي أجراها باحثون من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو (UCSF)، انطلقت من سؤال مختلف تماماً: ماذا لو استُخدم الذكاء الاصطناعي ليس لاكتشاف السرطان فحسب، بل لتحديد النساء الأكثر عرضة للإصابة فور انتهاء الفحص، بحيث يحصلن على التقييم التشخيصي في اليوم نفسه، بدلاً من الانضمام إلى قوائم الانتظار التقليدية؟

إنه انتقال من استخدام الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لتفسير الصور الطبية، إلى توظيفه في إدارة رحلة المريضة داخل النظام الصحي. فالغاية لم تعد تحسين دقة التشخيص وحدها، بل تسريع الوصول إلى التشخيص، وتقليل زمن الانتظار، وتحسين تجربة المريضة منذ اللحظة الأولى.

خوارزمية تتنبأ بمن يحتاج إلى الأولوية

اعتمد الباحثون على نظام ذكاء اصطناعي يحمل اسم «ميراي» (Mirai)، وهو نموذج طُوِّر لتقدير خطر الإصابة بسرطان الثدي من خلال تحليل صور الماموغرام، وليس لاكتشاف الورم الظاهر فيها فقط. وحلّل النظام أكثر من 4100 صورة لنساء خضعن للفحص في مستشفى زوكربيرغ سان فرانسيسكو العام.

واعتمد «ميراي» على تحليل الأنماط الدقيقة في الصور الشعاعية لتقدير احتمال إصابة كل امرأة بسرطان الثدي، ثم صنّف المشاركات بحسب مستوى الخطورة، بما يتيح تحديد من يحتجن إلى تقييم تشخيصي عاجل. وبعد تحليل النتائج، حدّد النظام 525 امرأة بوصفهن الأكثر عرضة للإصابة، أي نحو 12.7 في المائة من جميع المشاركات، فجرى تحويلهن مباشرة إلى الفحوص التشخيصية في اليوم نفسه، بدلاً من إدراجهن في قوائم الانتظار المعتادة.

ساعة بدلاً من أسابيع

كانت النتائج لافتة. فقد انخفض متوسط الزمن الفاصل بين الفحص الأولي والتقييم التشخيصي لدى النساء اللواتي صنفتهن الخوارزمية ضمن الفئة الأعلى خطورة من عدة أسابيع، وفق المسار التقليدي، إلى نحو ساعة واحدة فقط. وبذلك أصبحت المريضة قادرة على استكمال التقييم التشخيصي في اليوم نفسه، بدلاً من بدء رحلة انتظار طويلة، ومليئة بالقلق.

ولم يقتصر أثر ذلك على الخطوة الأولى من التشخيص، إذ أظهرت الدراسة أن متوسط فترة الانتظار لإجراء الخزعة لدى النساء اللواتي ثبتت إصابتهن بسرطان الثدي انخفض من أكثر من شهرين إلى أقل من عشرة أيام. ويُعد هذا الفارق مهماً، لأنه يسرّع تأكيد التشخيص، وبدء العلاج، ويخفف في الوقت نفسه العبء النفسي الذي يرافق فترة الانتظار.

وتؤكد هذه النتائج أن قيمة الذكاء الاصطناعي لا تكمن في تسريع تحليل الصور فحسب، بل في تسريع وصول المريضة إلى الرعاية المناسبة، ففي سرطان الثدي قد يكون اختصار الوقت جزءاً من العلاج نفسه.

الذكاء الاصطناعي يعيد ترتيب الأولويات

تكشف هذه النتائج عن دور جديد للذكاء الاصطناعي في الطب. فبدلاً من أن يكون مجرد أداة لتحليل الصور الطبية، أصبح وسيلة تساعد على إدارة الموارد الصحية، وتحديد أولويات الرعاية. فليس من الضروري أن ينتظر جميع المرضى المدة نفسها. وعندما تستطيع الخوارزمية تحديد الحالات الأكثر عرضة للإصابة بدقة، يمكن للأنظمة الصحية منحها أولوية التقييم، والفحوص التشخيصية، بينما تستمر متابعة الحالات الأقل خطورة وفق المسار المعتاد. وهكذا لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تحسين التشخيص، بل يمتد إلى تنظيم رحلة المريضة، وتقليل فترات الانتظار، وتحسين كفاءة استخدام الموارد الصحية.