نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرا للصحفية دانا سميث، قالت فيه إن خزانة الأدوية لأي شخص قد تحتوي على أدوية جيدة وأخرى سيئة عندما يتعلق الأمر بصحة الدماغ.
يبدو أن بعض الأدوية الشائعة، مثل الستاتينات أو أدوية علاج ارتفاع ضغط الدم، تساعد في تقليل خطر الإصابة بالخرف. لكن أدوية أخرى، بما في ذلك بعض الأدوية التي تُباع بدون وصفة طبية، قد تزيد من هذا الخطر.
معظم الأبحاث التي أُجريت كانت قائمة على الملاحظة، لذا من المحتمل أن عوامل أخرى غير الأدوية قد تفسر العلاقة مع الخرف. (يجب ملاحظة أن الارتباط لا يعني بالضرورة السببية). ولكن هناك بعض الأدوية التي يعتقد الخبراء أنها قد تؤثر سلبا على صحة الدماغ بشكل مباشر.
مضادات الهيستامين
تُعرف فئة الأدوية التي ربما تكون لديها أقوى الأدلة على زيادة خطر الإصابة بالخرف باسم مضادات الكولين. تعمل هذه الأدوية عن طريق تثبيط نشاط مادة الأستيل كولين الكيميائية العصبية، وهي مادة مهمة للانتباه والذاكرة.
تُعدّ مضادات الهيستامين، المستخدمة كأدوية للحساسية والأدوية التي تساعد على النوم والتي تُصرف بدون وصفة طبية، من أكثر أنواع الأدوية شيوعا. وتُوصف أنواع أخرى منها لعلاج الاكتئاب ومشاكل المثانة، وغيرها.
على المدى القصير، قد تُسبب مضادات الكولين النعاس وضعف الذاكرة. وعلى المدى الطويل، تُشير العديد من الدراسات إلى أنها قد تزيد من خطر الإصابة بالخرف بنسبة 50 بالمئة تقريبا.
وكما أوضحت شيلي غراي، الأستاذة في كلية الصيدلة بجامعة واشنطن، فإنّ الخطر الأكبر يكمن في الأشخاص الذين يتناولون هذا النوع من الأدوية يوميا لسنوات عديدة، وأضافت "من غير المرجح أن يزيد استخدام بينادريل من حين لآخر من خطر الإصابة بالخرف".
ومع ذلك، أشارت إلى أن الجمعية الأمريكية لطب الشيخوخة تُوصي كبار السن بتجنب مضادات الهيستامين لأنها قد تُسبب السقوط أيضا. ونتيجة لذلك، نصحت بالبحث عن بدائل كلما أمكن ذلك.
وأوضحت الدكتورة غراي أن مضادات الهيستامين من الجيل الثاني، مثل كلاريتين وزيرتيك، لا تمتلك نشاطا مضادا للكولين، لذا فهي تُعد خيارا أكثر أمانا للحساسية الموسمية.
وإذا كنت تعاني من الأرق، فاستشر طبيبك بشأن العلاج السلوكي المعرفي للأرق (CBT-I) أو علاجات أخرى بديلة لأدوية مثل ززكويل أو يونيسوم.
الأدوية المضادة للذهان
فيما يتعلق بأدوية الصحة النفسية والخرف، يطرح سؤالٌ جوهري: هل تزيد الأدوية نفسها من خطر الإصابة بالخرف، أم أن الحالات التي تُوصف لها هذه الأدوية، كالاكتئاب أو الذهان، هي التي تزيد هذا الخطر؟ أم أن هذه الحالات قد تكون علامات مبكرة للمرض؟.
أشارت بعض الدراسات إلى أن مضادات الذهان مرتبطة بزيادة خطر الإصابة بالخرف. كما توجد أبحاث تربط هذه الأدوية بالضعف الإدراكي لدى مستخدميها في منتصف العمر.
ويواجه مرضى الخرف الذين وُصفت لهم مضادات الذهان للمساعدة في السيطرة على الأعراض النفسية خطرا متزايدا للوفاة، تشير هذه النتائج مجتمعة إلى أن هذه الأدوية قد يكون لها تأثير سلبي مباشر على الدماغ.
يقول ديفيد لولين، أستاذ علم الأوبئة السريرية والصحة الرقمية في كلية الطب بجامعة إكستر في إنجلترا، إنه إذا وُصفت هذه الأدوية للمرضى لعلاج حالة مثل الفصام، فعليهم بالتأكيد تناولها، لأن الحاجة المُلحة للعلاج تفوق المخاطر المحتملة على المدى الطويل.
لكنه أشار إلى وجود "جهود حثيثة للحد من وصف مضادات الذهان بهدف السيطرة على السلوك" لدى مرضى الخرف.
البنزوديازيبينات
هذه الأدوية النفسية، التي تعمل على ناقل عصبي محدد لكبح نشاط الدماغ، ارتبطت أيضا بالخرف، وتوصي الجمعية الأمريكية لطب الشيخوخة كبار السن بتجنب البنزوديازيبينات لأنها قد تزيد من خطر الإصابة بالضعف الإدراكي والهذيان والسقوط.
مع ذلك، فإن مشاكل النوم والقلق - وهما من أكثر الأسباب شيوعا لوصف البنزوديازيبينات - قد يزيدان من خطر الإصابة بالضعف الإدراكي أو يكونان من العلامات المبكرة للخرف.
في الواقع، تشير بعض الدراسات الحديثة إلى أن المشكلات الصحية الكامنة، وليس الدواء نفسه، قد تكون السبب وراء هذا الارتباط.
وفي محاولة لفصل السبب والنتيجة، أجرى جيفري جويس، أستاذ اقتصاديات الأدوية والصحة في جامعة جنوب كاليفورنيا، تحليلا اقتصر على دراسة الأشخاص الذين وُصفت لهم البنزوديازيبينات لعلاج آلام الظهر، وهي حالة لا ترتبط بالخرف. لم يجد أي علاقة بين وصف هذا الدواء وتشخيص الخرف.
قال الدكتور جويس إن هذا لا يثبت بشكل قاطع أن البنزوديازيبينات لا تزيد من خطر الإصابة بالخرف، ولكنه "خفف من حدة" المخاوف. وأضاف: "كل ما يمكننا استنتاجه هو: لا نرى ذلك. الأمر يحتاج إلى مزيد من الدراسة".
مثبطات مضخة البروتون
كما وردت أدلة متضاربة حول مثبطات مضخة البروتون، والتي تُستخدم غالبا لعلاج ارتجاع المريء. فقد وجدت بعض الدراسات أنها تزيد من خطر الإصابة بالخرف، بينما لم تجد دراسات أخرى ذلك.
ولا يزال سبب تأثير الأدوية التي تؤثر على حموضة المعدة على الدماغ غير واضح. إحدى النظريات المطروحة هي أنها قد تسبب نقصا في فيتامين ب12، المرتبط بالضعف الإدراكي.
من المحتمل أيضا أن يكون هذا الارتباط ناتجا عن بيانات غير مكتملة. بعض مثبطات مضخة البروتون، مثل بريلوسيك، تُباع بدون وصفة طبية، مما يجعل تتبع استخدامها وتحليله أكثر صعوبة من الأدوية الموصوفة.
إحدى التجارب السريرية القليلة التي تناولت الخرف واستخدام مثبطات مضخة البروتون، والتي قارنت بين دواء بانتوبرازول ودواء وهمي لدى كبار السن، لم تُظهر زيادة في خطر الإصابة بالخرف على مدار ثلاث سنوات.