كيف تتواصل الأمعاء مع الدماغ لتقليل الشهية أثناء المرض؟

الساعة 10:44 ص|29 مارس 2026

فلسطين اليوم

عند الإصابة بمرض معوي حاد، غالبًا ما يلاحظ المصاب تراجعًا واضحًا في الشهية، وقد يستمر هذا الشعور حتى بعد زوال الأعراض وتحسن الحالة الصحية. وتُعد هذه الظاهرة مألوفة أيضًا لدى ملايين الأشخاص حول العالم الذين يعانون من عدوى الديدان الطفيلية المزمنة، غير أن تفسيرها العلمي ظل غامضًا لفترة طويلة.

 

وفي هذا السياق، توصل فريق بحثي من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو إلى اكتشاف جديد يوضح الكيفية التي تربط بها الأمعاء جهاز المناعة بالدماغ أثناء العدوى، ما يؤدي إلى قمع الشهية بطريقة منظمة ومدروسة داخل الجسم.

 

وأوضح الباحثون أن الجهاز المناعي لا يكتفي بمحاربة الطفيليات داخل الأمعاء، بل يتعاون أيضًا مع الجهاز العصبي لإحداث تغييرات سلوكية لدى الإنسان، من أبرزها فقدان الرغبة في تناول الطعام.

وقال العالم ديفيد يوليوس، الحائز على جائزة نوبل وأحد المشاركين في الدراسة، إن الباحثين لم يركزوا فقط على كيفية مواجهة الجسم للطفيليات، بل سعوا أيضًا لفهم الطريقة التي يستخدم بها الجهاز المناعي الجهاز العصبي للتأثير على سلوك الإنسان، مؤكدًا أن النتائج كشفت عن وجود آلية جزيئية دقيقة تقف خلف هذه الاستجابة.

ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature العلمية، حيث كشفت عن شكل جديد من التواصل بين نوعين نادرين من الخلايا الموجودة في الأمعاء، وهو ما قد يسهم مستقبلًا في فهم بعض الحالات الصحية مثل عدم تحمل الطعام ومتلازمة القولون العصبي.

وركزت الدراسة على نوعين أساسيين من الخلايا. النوع الأول هو خلايا الخصل، وهي خلايا نادرة توجد في بطانة الأمعاء وتعمل كأجهزة استشعار تكتشف وجود الطفيليات وتطلق الإنذار المناعي. أما النوع الثاني فهو الخلايا المعوية أليفة الكروم، وهي خلايا مسؤولة عن إرسال إشارات كيميائية إلى الأعصاب المرتبطة بالدماغ، وتلعب دورًا في الإحساس بالغثيان والألم.

وكان السؤال الرئيسي الذي حاول العلماء الإجابة عنه هو ما إذا كان هناك تواصل مباشر بين هذين النوعين من الخلايا. وأظهرت النتائج أن الإجابة هي نعم، لكن بطريقة غير متوقعة.

فقد صمم الباحثون تجربة مخبرية خاصة أظهرت أن خلايا الخصل تُطلق مادة الأسيتيل كولين عند تعرضها لمواد كيميائية تفرزها الديدان الطفيلية. وتُعد هذه المادة من أبرز الوسائط الكيميائية التي تستخدمها الخلايا العصبية عادة في التواصل.

وعندما أضاف العلماء هذه المادة إلى أنسجة معوية تحتوي على الخلايا المعوية أليفة الكروم، استجابت الأخيرة بإفراز السيروتونين، وهو ما أدى إلى تنشيط العصب المبهم المسؤول عن نقل الإشارات من الأمعاء إلى الدماغ.

وبيّنت الدراسة أن خلايا الخصل تؤدي دورًا مشابهًا للخلايا العصبية، لكنها تقوم بذلك بطريقة مختلفة تمامًا، إذ تستخدم نفس مادة الاتصال العصبي من دون الاعتماد على البنية التقليدية للخلايا العصبية.

ومن بين النتائج المهمة التي توصل إليها الباحثون، أن خلايا الخصل لا ترسل إشاراتها دفعة واحدة، بل على مرحلتين، وهو ما يفسر سبب عدم فقدان الشهية مباشرة مع بداية العدوى.

ففي المرحلة الأولى، تُطلق هذه الخلايا كمية محدودة وقصيرة الأمد من الأسيتيل كولين، أما في المرحلة الثانية، وبعد تنشيط الجهاز المناعي بشكل كامل، يزداد عدد هذه الخلايا وتبدأ بإرسال إشارات أقوى وأكثر استمرارية، ما يدفع الدماغ إلى تقليل الشهية بوضوح.

وأشار الباحثون إلى أن هذا الاكتشاف يفسر سبب شعور الإنسان بأنه في حالة جيدة نسبيًا في بداية الإصابة، قبل أن تبدأ الأعراض المرتبطة بالتعب وفقدان الشهية بالظهور مع استمرار العدوى، حيث تنتظر الأمعاء التأكد من أن التهديد حقيقي ومستمر قبل أن تطلب من الدماغ تعديل السلوك الغذائي.

وللتأكد من تأثير هذه الآلية على السلوك الفعلي، أجرى العلماء تجارب على فئران مصابة بالديدان الطفيلية. وأظهرت النتائج أن الفئران الطبيعية بدأت في تناول كميات أقل من الطعام مع تطور العدوى، بينما واصلت الفئران المعدلة وراثيًا — التي فقدت فيها خلايا الخصل القدرة على إنتاج الأسيتيل كولين — الأكل بشكل طبيعي.

وأكدت هذه النتيجة أن المسار المكتشف مسؤول بشكل مباشر عن فقدان الشهية أثناء العدوى.

ولا يقتصر أهمية هذا الاكتشاف على تفسير تراجع الشهية فحسب، بل قد يفتح الباب أمام تطوير علاجات جديدة للأعراض المرتبطة بالعدوى الطفيلية، خصوصًا أن خلايا الخصل لا توجد في الأمعاء فقط، بل تنتشر أيضًا في الشعب الهوائية والمرارة والجهاز التناسلي.

ويرى الباحثون أن هذا المسار العصبي المكتشف حديثًا قد يكون له دور مهم أيضًا في تفسير حالات مرضية أخرى، مثل متلازمة القولون العصبي، وعدم تحمل بعض الأطعمة، وآلام البطن المزمنة، ما يمنح هذا الاكتشاف أهمية طبية تتجاوز العدوى الطفيلية وحدها.