شريط الأخبار

بيض فلسطيني في سلّة مثقوبة ..سعد محيو

10:24 - 25 تموز / يناير 2011

بيض فلسطيني في سلّة مثقوبة ..سعد محيو

الوثيقة السرية التي كشفت عن الكم الهائل من التنازلات التي أبدى المفاوض الفلسطيني الاستعداد لتقديمها في مسائل القدس والاستيطان واللاجئين، ستثير بالطبع زوبعة عاصفة في الداخل الفلسطيني. وهي لن تكون على الأرجح زوبعة في فنجان.

 

المستفيد الأول من هذه الزوبعة سيكون حركة حماس، رغم أنه سيكون في وسع صائب عريقات أن يُحاجج بأنه "لم يتم الاتفاق على شيء، إلا حين الاتفاق على كل شيء". كما أن المفاوض الفلسطيني نفسه سيحمل هذه الوثيقة التي تدينه، ليدور بها حول العالم قائلاً إن ما هو مفقود ليس شريك سلام فلسطينياً، بل شريك سلام "إسرائيلياً".

 

بيد أن هذا الجدل الفلسطيني- الفلسطيني لن يوصل إلى أي نتيجة مفيدة، ما لم يتم وضع الأصبع على جرح يكاد يكون حتى أكبر من جرح قبول تهويد معظم القدس الشرقية ونسف حق عودة اللاجئين، وهو الموقف الأمريكي في المفاوضات.

 

إذ كشفت الوثيقة أن الولايات المتحدة لم تكن في يوم ما وسيطاً عادلاً ونزيهاً، بل كانت في الواقع، ولا تزال، مجرد ساعي بريد يحمل الشروط من "الإسرائيليين" إلى الفلسطينيين، مُسهّلة بذلك تمدد الاستيطان اليهودي والتوسع "الإسرائيلي". وهذا يُفسّر لنا، تاريخياً، كيف تمكّنت "تل أبيب" من رفض عشرات المبادرات الأمريكية، حتى حين كان بعضها لا يدعو إلى انسحاب كامل من الأراضي المحتلة و/أو إلى السيادة الفلسطينية.

 

الضحية الأولى هنا كانت مبادرة روجرز، تلاها إحباط "إسرائيل" لمهمة الحاكم سكرانتون التي قام بها بتكليف من الرئيس نيكسون (1970)، ورفض اقتراح أنور السادات بمقايضة الأرض بالسلام والاعتراف المتبادل (1971)، ورفض دعوة الرئيس كارتر إلى مؤتمر جنيف الدولي في عام 1977، وخطة ريغان عام 1982، وخطة شولتز عام 1988، وخط بيكر عام 1989، والخطة الناجحة لعرقلة ربط ضمانات القروض بقضية المستوطنات اليهودية في القدس وضواحيها (1990).

 

ويعتقد الباحث نصير عروري، وعن حق، أن نظرية وممارسة "عملية السلام"، التي أُسندت إلى الفرضية بأن السلام في الشرق الأوسط لا ينبع سوى من واشنطن، قوّضتا عملياً كل الجهود الجدّية لتحقيق التسوية. وهكذا، حُرِم الفلسطينيون من كل أشكال الدعم الدولي ضد التنظيف العرقي "الإسرائيلي" المُتواصل، ومصادرة الملكيات، وتفتيت الأراضي المحتلة. وهكذا أيضاً كانت "إسرائيل" قادرة على التملّص من الراقبة الدولية.

 

وقد تم تنفيذ الحملات بقيادة الولايات المتحدة ضد النهج متعدد الأطراف بشكل صاخب وفعّال إلى درجة أن أي ذكر للقانون الدولي، وحق عودة اللاجئين، وحتى قرارات الأمم المتحدة، بات يُعتبر في الولايات المتحدة و"إسرائيل" وبعض دوائر الدول الأوروبية أمراً هداماً ومُعوّقا، إن لم يكن إرهابياً!

 

لقد تمكّنت الولايات المتحدة و"إسرائيل" في الفترة بين توقيع أوسلو عام 1993 وبين 2008، وبفعالية، من إزاحة الفلسطينيين من أي شكل من أشكال المفاوضات الجدّية. وفي عام 2004 (نيسان/إبريل) أعلن جورج دبليو بوش المتسوطنات "حقائق على الأرض"، مكرساً بذلك تهويد معظم فلسطين.

 

هذه الحقائق التاريخية، مضافاً إليها ما كشفته الوثيقة الجديدة عن الانحياز الأمريكي شبه الكامل، هي ما يجب أن يكون موضع تفكّر الفلسطينيين في المرحلة الحالية. وهو تفكّر يجب أن يكون في اتجاه يتيم: إدراك الخطورة الكبرى الكامنة في وضع كل البيض الفلسطيني في سلّة مثقوبة تحمل اسم الوساطة الأمريكية.

 

صحيفة الخليج الإماراتية

 

انشر عبر