شريط الأخبار

إسرائيل" ولبنان أمام مأزق الحرب الإقليمية ..بلال الحسن

10:18 - 16 تشرين أول / يناير 2011

إسرائيل" ولبنان أمام مأزق الحرب الإقليمية  ..بلال الحسن

تظهر في واجهة الأحداث، الآن، أزمة خطرة بين "إسرائيل" ولبنان. عنوان الأزمة إسرائيلياً هو المحكمة الدولية وحزب الله، ومع هزة استقالة الحكومة اللبنانية انطلقت حملة تصريحات إسرائيلية فريدة من نوعها، تصورات تصور قوة حزب الله العسكرية وكأنها قوة أسطورية، قوة قادرة على تهديد "إسرائيل" التي تتباهى بأنها تعد نفسها لسيطرة حربية تمتد من تل أبيب إلى حدود باكستان وأفغانستان.

 

تقول التصريحات الإسرائيلية، التي ظهرت فجأة: إن صواريخ حزب الله قادرة على ضرب تل أبيب، وعلى إحداث دمار كبير فيها. وإن الصواريخ ستقتل العشرات، بل المئات، من الناس. وتقول التصريحات: إن هرب الناس لن يكون ممكناً؛ لأن المطار سيتعطل ويغلق أبوابه. وتقول التصريحات إنهم (ولا تحدد من) نجحوا في إحداث توازن استراتيجي مع القوة الاستراتيجية حتى من دون امتلاك قنبلة نووية. طبعاً.. لا تتحدث "إسرائيل" هنا عن القوة التدميرية التي تمتلكها هي. لا تتحدث عن التدمير الذي تستطيع أن تحدثه هي. لا تتحدث عن التدمير الذي أحدثته عام 2006 في ضاحية بيروت. وقد أخفت عن عمد تصريحاتها التي أطلقتها بكثافة قبل أشهر، بأنه إذا اندلعت حرب جديدة بين "إسرائيل" وحزب الله فإن "إسرائيل" ستعتبر «دولة لبنان» مسؤولة عن ذلك، وسيكون التدمير موجها إلى دولة لبنان كلها. اختفى الحديث عن هذه القدرة الإسرائيلية، وبرز الحديث فقط عن قدرة الآخرين ضد "إسرائيل".

 

ما تنساه "إسرائيل" هنا، وما تتجاهل الحديث عنه، هو التغيير الذي حصل عالمياً في نطاق الأسلحة والتسلح. لقد حصل هذا النوع من التغيير، ليس بسبب حزب الله، لقد حدث بسبب تغير أنواع السلاح في العالم.. فالصواريخ الجديدة فرضت على جميع جيوش العالم تغييراً في الاستراتيجيات، وأدت هذه الاستراتيجيات الجديدة إلى إلغاء نظرية الأمن الاستراتيجي السابقة، نظرية الأمن التي طبقت منذ حرب 1956 إلى حرب عام 2000 في لبنان. نظرية الأمن التي كانت تنطلق من أن الحرب الإسرائيلية ضد الآخرين هي حرب تتم خارج حدود "إسرائيل". وقد جاءت الصواريخ لتقلب المعادلة، ولتقول إن الحروب الجديدة ستدور داخل حدود دولة "إسرائيل" أيضاً.

 

وليس صحيحاً أن المشكلة الإسرائيلية مع لبنان بدأت مع حزب الله، أو بدأت مع امتلاك حزب الله لهذا النوع من الصواريخ. سابقاً ومنذ عام 1950 وحتى عام 1965 (أي: قبل بروز العمل الفدائي الفلسطيني)، تعرض لبنان، وتعرض جنوب لبنان، إلى اعتداءات إسرائيلية كثيفة، معروفة وموثقة في كتب ودراسات توزَّع، حتى الآن، في الأسواق، وهي اعتداءات تبرز عدوانية "إسرائيل" تجاه لبنان (بسبب الطمع في مياهه)، في المرحلة التي كان فيها الجيش الإسرائيلي يملك السيطرة الاستراتيجية على كل المناطق المحيطة به (لبنان وسورية والأردن ومصر). وما يحدث من توتر بين "إسرائيل" ولبنان الآن هو استمرار لعقلية إسرائيلية قديمة ومتجذرة، إنما هو يحمل الآن عناوين جديدة من نوع المحكمة الدولية وتداعيات استقالة الحكومة اللبنانية، وخطر نمو قوة حزب الله السياسية داخل لبنان، وتتجاهل هذه العناوين حق الشعوب العربية في امتلاك القوة الجديدة للدفاع عن نفسها.

 

إن "إسرائيل" تتحدث الآن بكثافة عن الخطر النووي الإيراني، ونحن لا ندري إن كان هناك خطر نووي إيراني أم لا.. ما نعرفه حتى الآن أن إيران تسعى إلى امتلاك (المعرفة) النووية، وتسعى إلى استعمال هذه (المعرفة) في الإطار السلمي المسموح به دولياً (الكهرباء - الطب - الصناعة... إلخ)، لكن امتلاك هذه المعرفة هو ما لا تقبله "إسرائيل"، فالمعرفة يمكن أن تتطور إلى شيء آخر، ومن هنا هذه الحرب ضد (المعرفة).

 

هذه الحرب لم تبدأ مع إيران.. في الستينيات كانت هناك حرب إسرائيلية خفية وأحياناً علنية ضد مصر، كانت مصر تسعى، دفاعاً عن نفسها، إلى امتلاك صواريخ تقليدية، لا بد لإنتاجها من العلم ومن خبراء في الفيزياء والكيمياء (المعرفة). وقد شنت "إسرائيل" حرباً سرية شرسة ضد تلك المحاولات، ولجأت إلى استعمال وسائل القتل المباشر، فبعثت بالرسائل المفخخة إلى علماء الصواريخ في مصر، وقُتل بعضهم بتلك الرسائل التي استعملت في المنطقة لأول مرة، وكان من بين القتلى بعض العلماء الألمان الذين جاءوا للعمل في مصر.

 

وفي السبعينيات فكر العراق بامتلاك معرفة نووية، فبنى مفاعلاً، وأعد مجموعة من العلماء العراقيين، ونقل هؤلاء العلماء العراق من حال إلى حال؛ إذ تطورت الجامعات، وتطور الطب والعلاج، واتسع بناء المصانع، لكن "إسرائيل" لم تحتمل ذلك كله؛ فأرسلت طائراتها ودمرت المفاعل. وليس صدفة أن "إسرائيل" أرسلت إلى العراق بعد الاحتلال الأميركي له جواسيسها لقتل علماء العراق، وقتل (المعرفة) في العراق.

 

وفي الثمانينات تم تدمير مصانع «الشفاء» في السودان، ظناً من الفاعلين أنه ليس مصنعاً للدواء بل لشيء آخر، ولم يحاسَب أحد حتى الآن على تلك الجريمة.

 

الآن يحدث مع إيران نفس ما حدث مع مصر والعراق والسودان، وتعد "إسرائيل" نفسها لتدمير بدايات المعرفة العلمية النووية في إيران، بغارات جوية محتملة على المصانع ومراكز البحث، وبقتل علماء الفيزياء في الشوارع، وبالحرب الإلكترونية التي تسعى إلى تعطيل عمل أجهزة الكومبيوتر الإيرانية.

 

لكن تغيراً كبيراً حدث في المشهد الإقليمي بدأ يقلق "إسرائيل"، وبدأ يبرز أكثر وأكثر روحها العدوانية، ودورها العدواني في المنطقة. فمنذ أن تأسست "إسرائيل" كان لها حليفان استراتيجيان في المنطقة: إيران وتركيا. كانت إيران دولة الشاه المتحالفة مع الولايات المتحدة الأميركية، وكانت استراتيجية أميركا (ولا تزال) السيطرة الكاملة على المنطقة العربية من أجل النفط، وهنا أسندت أميركا لكل من إيران و"إسرائيل" دور السيطرة الاستراتيجية على المنطقة العربية. إيران تسيطر استراتيجياً على منطقة الخليج، و"إسرائيل" تسيطر استراتيجياً على منطقة المشرق. وقد سقطت هذه الاستراتيجية يوم سقط نظام الشاه في إيران. أما تركيا، المتحالفة مع أميركا أيضا، والعضو في الحلف الأطلسي، فقد أسند لها أيضا دور التحالف مع إسرائيل لتشكلا معاً دور الكماشة التي تطبق على المنطقة، وهنا شكلت تركيا عمقا جغرافيا استراتيجيا ل"إسرائيل"، يمكنها من التدرب في أرض شاسعة لا تملك هي مثيلاً لها (تدريب الطيران). لكن هذه العلاقة التركية - الإسرائيلية تلاشت حين تغيرت تركيا من داخلها، وحين برزت سياسة تركية جديدة، سياسة تعتبر نفسها من المنطقة العربية - الإسلامية، وليس حارساً أميركياً لها. وخرجت تركيا بذلك من عباءة السياسة الأميركية.

 

وهنا أصبحت "إسرائيل" وحيدة في المنطقة، ونشأ وضع أصبحت فيه كل حرب إسرائيلية مؤهلة لأن تصبح حرباً إقليمية، ونشأ وضع تعتمد فيه أميركا أكثر فأكثر على "إسرائيل"؛ بحيث يستحيل عليها أن تتبنى سياسة عربية يقبلها أهل المنطقة.

 

صحيفة الشرق الأوسط

 

انشر عبر