شريط الأخبار

واشنطن تتخلى عن الشرعية الدولية كأساس للتفاوض ..بلال الحسن

12:48 - 19 تموز / ديسمبر 2010

واشنطن تتخلى عن الشرعية الدولية كأساس للتفاوض ..بلال الحسن

أعلنت لجنة المتابعة العربية، أنها توافق الفلسطينيين على رفض الذهاب إلى مفاوضات جديدة مع الإسرائيليين، إلا إذا تم تلقي عرض أميركي جاد بالعمل على إنهاء الصراع العربي - الإسرائيلي وفقاً لمرجعيات السلام.

 

هذه الصيغة تعني أن الفلسطينيين لن يتفاوضوا مع الإسرائيليين الآن، ولكنهم سيتفاوضون مع الأميركيين. فالاقتراح الذي حمله ديفيد ميتشل إلى الرئيس محمود عباس في رام الله، لا يدعو إلى العودة للتفاوض مع الإسرائيليين، بل يقترح عليه إجراء محادثات (وليس مفاوضات) موازية مع الإسرائيليين، ولمدة ستة أسابيع، تبدأ ببحث موضوع الأمن، ثم تنتقل على ضوء ذلك إلى البحث في موضوع الحدود. وهدف هذه المباحثات حسب ميتشل هو أن تتمكن الإدارة الأميركية من بلورة تصورها لبدء المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في الوقت المناسب.

 

وتأكيداً لهذه الصيغة الأميركية المقترحة للمحادثات، أرسلت الإدارة الأميركية كبير مستشاريها دينيس روس إلى "إسرائيل"، ليدرس حسب المصادر الإسرائيلية: تحديد ما هي الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية، ثم تحديد ما هي الخطوط الحمراء الأمنية الإسرائيلية، ثم مناقشة الترتيبات الأمنية البعيدة المدى. وسيلتقي دينيس روس من أجل إنجاز هذه المهمة مع غابي أشكنازي رئيس الأركان الإسرائيلي، ومع يوفال ديسكن رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي، ومع ضباط كبار يعملون في هيئة الاستخبارات.

 

أما بالنسبة للقضايا التي تلي ذلك، أي قضايا الحل النهائي الجوهرية، فقد قدمت الإدارة الأميركية للفلسطينيين، قبل مجيء ميتشل، ورقة حملت عنواناً (غير رسمية) من ست نقاط، تتناول هذه القضايا الجوهرية، إنما من وجهة نظر "إسرائيل". وهي تقدم بذلك دليلاً آخر على توجهها لإدارة المحادثات الأميركية مع الفلسطينيين، من منظور إسرائيلي منحاز منذ اللحظة الأولى. وأساس هذا المنظور التخلي عن قاعدة قوانين الشرعية الدولية التي تعالج قضايا الاحتلال، وهو ما تصر عليه "إسرائيل" دائماً، فقد ورد في هذه النقاط الست ما يلي:

 

أولاً حل متفاوض عليه للقدس. بينما تنص قوانين الشرعية الدولية، على أن القدس منطقة محتلة، مثلها مثل أية منطقة في الضفة الغربية، وهذا يعني ضرورة الانسحاب الكامل منها، وليس التفاوض حولها.

 

ثانياً: تقرير مستقبل المستوطنات الإسرائيلية. وهذه المستوطنات هي حسب القانون الدولي مستوطنات غير شرعية، لأنه لا يجوز للمحتل إحداث أي تغيير جغرافي أو ديمغرافي في المناطق التي يحتلها.

 

ثالثاً: إيجاد حل منصف وواقعي لقضية اللاجئين. وتتجاهل هذه الصيغة أحد أهم قرارات الشرعية الدولية، وهو القرار 194، الذي ينص على عودة اللاجئين إلى ديارهم. ولا يتحدث عن حل «منصف» أو عن «حل واقعي».

 

رابعاً: تقرير حصص المياه. وهذه أيضاً صيغة مخالفة للقانون الدولي. إذ لا حصة للمحتل في مياه المنطقة التي يحتلها، وهي بكل ثرواتها ملك لأهلها وسكانها. و"إسرائيل" تسرق حالياً 80% من مياه الضفة الغربية، وبنت جزءاً أساسياً من مستوطناتها فوق الأراضي التي توجد بها الآبار الجوفية.

 

وبهذا يتضح بشكل لا لبس فيه، أن الولايات المتحدة الأميركية تدعو الفلسطينيين للمشاركة في محادثات معها، حول جدول أعمال يتبنى مطالب "إسرائيل" بالكامل. ولذلك فإن الفلسطينيين يعتبرون العرض الأميركي غير جدي، وقد وصفه عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير (حنا عميره) بأنه دعوة للثرثرة وليس للمفاوضات، وهو يتبنى الموقف الإسرائيلي بالكامل، خاصة أنه يتجاهل أي موقف واضح بخصوص قضية مرجعية المفاوضات، وبخصوص قضية الاستيطان.

 

وعلى الرغم من هذا الانحياز الأميركي المطلق لوجهة النظر الإسرائيلية، فقد يكون من الصعب على الرئيس محمود عباس أن يرفض دعوة أميركية للتباحث. ويبدو أن المسؤولين العرب يشاركون أيضاً في مثل هذا التوجه، فقد أعلن وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط عشية اجتماع لجنة المتابعة العربية أنه «لا توجد مصلحة لأي طرف في إفشال الجهود الأميركية، بل على العكس يجب أن نرغب في دور أميركي فاعل وقادر». وقد أضاف أبو الغيط «نوايا» مصرية إلى هذا الموقف، فقال: «هناك حاجة للمزيد من الدعم الدولي، وبالذات من جانب اللجنة الرباعية الدولية، لتعزيز هذا الدور الأميركي»، ثم زاد على ذلك «نوايا» أخرى تتعلق بحدود 1967، وبالقدس الشرقية التي لا بد أن تكون فلسطينية، ولكنها كلها «نوايا» لا تقترن بأي ضغط عربي على الإدارة الأميركية.

 

الضغط العربي الوحيد الذي تمت الإشارة إليه، هو أن العرب، وفي حال عدم نجاح المحادثات الأميركية - الفلسطينية، سيتوجهون إلى مجلس الأمن حتى لو كانت الولايات المتحدة ستستخدم حق النقض (الفيتو) ضد أي قرار يمكن أن يصدر عن المجلس، ومن أجل تحقيق الاعتراف بالدولة الفلسطينية ضمن حدود 1967 وعاصمتها القدس، حسب ما أعلن الشيخ حمد بن جاسم وزير خارجية قطر. وقد سئل الشيخ حمد في المؤتمر الصحافي الذي تلا لجنة المتابعة: هل هذا هو كل ما لديكم؟ فرد مؤكداً: وماذا نستطيع أن نفعل؟ نحن نرد على الدبلوماسية بتحرك دبلوماسي آخر.

 

والآن، ما هي الاحتمالات النظرية والمنطقية أمام مسار من هذا النوع؟

 

الاحتمال الأول: أن يذهب الفلسطينيون إلى (محادثات) مع الأميركيين، تصوغ اقتراحات تنطلق من المنهج التفاوضي الذي ترغب فيه "إسرائيل". والذي يحقق بالضرورة مصالح "إسرائيل". وينشأ عن ذلك في النهاية كيان فلسطيني ما، مؤقت، ويخضع للهيمنة الإسرائيلية: الأمنية والاستراتيجية والاقتصادية، وذلك لأن ما يسمى بالأمن الإسرائيلي يتضمن وجوداً عسكرياً إسرائيلياً في غور الأردن، وبعمق خمسة عشر كيلومتراً، كما أعلن ذلك نتنياهو نفسه. كما يتضمن قاعدتين عسكريتين للإنذار المبكر تكونان طبعاً تحت السيطرة الإسرائيلية، وكذلك الطرق الموصلة إليهما. وكل هذا يلغي نظرية الانسحاب الإسرائيلي من أراضي 1967.

 

الاحتمال الثاني: أن يرفض الفلسطينيون صيغة التفاهم التي تقترحها الإدارة الأميركية، ويذهبون مع العرب إلى مجلس الأمن، طالبين الاعتراف بدولة فلسطينية في حدود 1967. وهنا تقوم الولايات المتحدة باستعمال الفيتو ضد قرار من هذا النوع، تماماً كما يتوقع العرب، وتنهي بذلك فعالية مثل هذا التحرك.

 

الاحتمالان إذن ينطويان على فشل محتم. أو خنوع وتبعية للاحتلال الإسرائيلي، وبرعاية أميركية.

 

كل هذا لأن العرب لا يفكرون باستعمال أوراقهم الضاغطة على الولايات المتحدة الأميركية، لدفعها نحو اتخاذ مواقف تراعي مصالح العرب، وتحفظ للعالم الإسلامي مكانة القدس. وفي النهاية يتحول الفشل العربي إلى نظرية سياسية تحميها قرارات لجنة المتابعة العربية.

 

أما إذا واصل العرب التمسك بهذا الفشل، فسيسود منطقهم لزمن، ولكن سيبرز في وجه ذلك بالضرورة، المنهج الذي يخشونه ويهربون منه، منهج مقاومة الاحتلال والتصدي له، وسيصبح هو النظرية السياسية السائدة.

 

 

انشر عبر