شريط الأخبار

قانون الاستفتاء الإسرائيلي.. دلالات وتداعيات / صالح النعامي

03:33 - 01 تموز / ديسمبر 2010

قانون الاستفتاء الإسرائيلي.. دلالات وتداعيات / صالح النعامي

يُدركُ كل من يعرف رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو أنه شخص يتسم بالبرود العاطفي بشكلٍ لافت للنظر، لكن من شاهد نتنياهو وهو يعانق بحرارة يريميا ليفين -عضو الكنيست عن حزب الليكود الذي يتزعمه- في قاعة الكنيست قد لا يصدق أن نتنياهو على هذا الحدّ من البرود العاطفي.

 

لكن إذا عُرف السبب فإنه لا يبقى هناك مسوِّغات للاستهجان، فقد كان ليفين هو صاحب مشروع القانون الذي أُجيز في الكنيست بالقراءة الثالثة والنهائيَّة، والذي يشترط إجراء استفتاء عام على أي اتفاقيَّة تسوية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية بشأن القدس، وبين إسرائيل وسورية بشأن هضبة الجولان، وذلك بعد أن تحوز هذه الاتفاقيات على تأييد أغلبية أعضاء الكنيست المطلقة، ويشكل حماس نتنياهو منقطع النظير لسنّ هذا القانون في الواقع صفعة مدوِّية على وجه كل أولئك الذين يراهنون على مسار التسوية السياسيَّة مع إسرائيل، لا سيَّما في الوقت الذي ينشغل فيه رئيس السلطة محمود عباس في إجراء مشاورات مع بعض الزعامات العربيَّة بشأن مستقبل المفاوضات المباشرة.

 

المؤسف أن عباس قد سمع نصائح ضارَّة وكارثيَّة من بعض قادة الأنظمة العربيَّة بشأن التعاطي مع المفاوضات المباشرة، فالرئيس المصري حسني مبارك وفي ختام زيارته للبحرين قال أن التوقف عن المفاوضات يعني أن يبتلع الاستيطان في كل الأراضي المحتلَّة، وقد لا يعرف الرئيس مبارك أن الاستيطان اليهودي تعاظَمَ بعد التوقيع على اتفاقيَّة أوسلو وفي ذروة المفاوضات المباشرة بين إسرائيل وممثلي منظمة التحرير والسلطة الفلسطينيَّة بنسبة 60%، كما قال في حينه نائب وزير الحرب الصهيوني الأسبق إفرايم سنيه، مع العلم أن الرئيس مبارك لم يكن الزعيم العربي الوحيد الذي نصح عباس بهذه النصيحة.

 

ولم يكد الفلسطينيون والعرب يلتقطون أنفاسهم حتى أخذ الكنيست يعد العدة لسن قانون أخطر بكثير من قانون الاستفتاء، وهو قانون يعتبر أن القدس "عاصمة للشعب اليهودي" وتدل كل المؤشرات على أن هذا القانون سيحظى بدعم أغلبية أعضاء الكنيست، ومن نافلة القول أن سنّ هذا القانون يعني أن البت في مصير القدس المحتلة سيكون مستحيلًا، على اعتبار أن الحكومة الصهيونيَّة ستكون ملزمة بالعودة للإطار الوهمي وغير الحقيقي المعروف بـ "الشعب اليهودي" وهذه وصفة مستحيلة أخرى من إنتاج التطرف الصهيوني.

 

وفي ظلّ إعصار التطرف الذي يجتاح الصهاينة في إسرائيل فإن الذهنية اليهوديَّة ستتفتق عن المزيد من القوانين التي تجعل من مجرد الحديث عن تسوية سياسيَّة للصراع ترف لا لزوم له، لكن بالعودة لقانون الاستئناف الذي سنّ وأُجيز بالفعل، فإن هناك العديد من الدلالات والتداعيات اللافتة، فهناك العديد من التداعيات الهامة والخطيرة لهذه الخطوة المدروسة جيدًا من قبل النخبة السياسيَّة الإسرائيليَّة الحاكمة، مع العلم بأن هذا القانون حظي بتأييد نوَّاب من حزب العمل الإسرائيلي الذي ما زال الكثير من العرب يعتبرونه ممثلًا لـ "معسكر السلام" الإسرائيلي، ونحن هنا سنتعرض لبعض هذه التداعيات:

 

أولًا: ينسف القانون الإسرائيلي بشكلٍ جذري أي مرجعيَّة دوليَّة للمفاوضات بين إسرائيل وكل من السلطة وسوريا، فمن خلال سنّ القانون تريد إسرائيل أن توصل رسالة للعرب وللعالم مفادها أن قرارات مجلس الأمن المتعلِّقة بالصراع العربي الإسرائيلي ليست ذات صلة، وأن الشارع الإسرائيلي هو صاحب الكلمة الفصل في تقرير ما يتم انجازه من تسويات سياسيَّة، بحيث أن الناخب الإسرائيلي وليس قرارات الشرعيَّة الدوليَّة هو الذي سيُملي الشكل النهائي للتسويات السياسيَّة.

 

وإن كانت السلطة الفلسطينيَّة قد حرصت دومًا على المطالبة بتحديد مرجعيَّات للتفاوض قبل الشروع فيها، فإن سن القانون يشكل ردًّا نهائيًّا على هذه المطالبة.

 

ثانيًا: تفويض الرأي العام الإسرائيلي بالبتّ في قضايا الحلّ الدائم يعني بشكل واضح أن أي حكومة إسرائيليَّة ستحرص على أن يكون أي اتفاق تسوية يراعي الخطوط الحمراء الذي يؤمن بها الجمهور الإسرائيلي، على اعتبار أن كلّ حكومة إسرائيل ستحرص على أن تعرض على الشارع الإسرائيلي اتفاقيَّة تسوية تعتقد أن خطوطها العامة تلقى قبولًا لديه، وإذا أدركنا أن الرأي العام الإسرائيلي يتجه بقوة وبثبات نحو التطرف، فإن بإمكان المرء أن يتوقع طابع التسوية السياسيَّة التي يمكن أن تقبل بها الحكومات الإسرائيليَّة المتعاقبة بشأن القدس والجولان.

 

وهذا يعني أن السلطة الفلسطينيَّة ستكون مطالبةً بتقديم تنازلات هائلة وكبيرة من أجل إقناع الرأي العام الإسرائيلي بتأييد التسوية.

 

ثالثًا: يمثِّل قانون الاستفتاء أداة لإعفاء صناع القرار السياسي في الكيان الصهيوني من المسئوليَّة أمام المجتمع الدولي وأمام الأطراف العربيَّة التي تفاوضها في حال تم رفض الاتفاقيات التي يتمُّ التوصُّل إليها بشأن مستقبل الأراضي العربية المحتلة؛ ففي حال رفض الإسرائيليون في استفتاء عام هذه الاتفاقيات فإن النخب الحاكمة تفترض أن يتفهم العالم هذه النتيجة ويحترمها، على اعتبار أن الحديث يدور عن حسم "ديمقراطي" مع العلم أن الإسرائيليين يمثِّلون قوة احتلال، وبالتالي فإن من أبجديات القانون الدولي ألا يتمَّ منحهم الحق في تقرير مصير الأراضي المحتلَّة، ومن الواضح أن مشروع القانون ينطوي على دلالات عنصرية مقيتة، فالعالم مطالب باحترام توجهات الرأي العام الإسرائيلي، لكن لا أحد يتحدث عن احترام مواقف الرأي العام الفلسطيني والعربي.

 

رابعًا: يتوجَّب على الأنظمة العربيَّة وعلى السلطة الفلسطينيَّة أن تشعر بالصدمة من الموقف الأمريكي من سنّ قانون الاستفتاء، فالأمريكيون اعتبروا أن هذا القانون شأن داخلي إسرائيلي ولن يتدخلوا فيه، وهذا يمثل استغفالًا واضحًا لفهم العرب ووعيهم، فما الفائدة من الوساطة الأمريكيَّة والضغوط التي تمارس من قبل الإدارات الأمريكيَّة المتعاقبة على الفلسطينيين والعرب لكي يقدموا تنازلات في مشاريع التسوية السياسيَّة للصراع في حال أن الشارع الإسرائيلي هو الذي سيحسم مصير هذه المشاريع.

 

من الواضح أن مسلسل التنازلات الفلسطينيَّة المغطى عربيًّا هو الذي فجَّر شهيَّة الصهاينة لمزيد من التنازلات، وبالتالي فإن الإسرائيليين باتوا معنيين بتعرية سلطة رام الله والأنظمة العربيَّة التي تدعمها وتحاول منحها الغطاء لمواصلة مسلسل التنازلات، وإن كان من نصيحة يمكن أن تقبلها سلطة رام الله قبل فوات الأوان، فعليها أن تصرَّ على إلغاء هذا القانون، وإلا فإن كل طرف عربي أو فلسطيني يخطو ولو خطوة واحدة في مسار التسوية حاليًا فإنه يخطو عن سبق إصرار وترصد نحو الانتحار.

انشر عبر