شريط الأخبار

المصالحة الفلسطينية مؤجلة ومرتبطة بمصير المفاوضات.. هاني المصري

09:27 - 14 حزيران / نوفمبر 2010

المصالحة الفلسطينية مؤجلة ومرتبطة بمصير المفاوضات.. هاني المصري

 

تَغلب المسائل الإجرائية على الورقة المصرية للمصالحة الوطنية الفلسطينية. فهي قد تجاهلت المضمون، مثل الميثاق الوطني، والبرنامج السياسي (لمنظمة التحرير الفلسطينية وللحكومة)، الذي يجسد القواسم المشتركة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية أو وفاق وطني إبان المرحلة الانتقالية، التي من المفترض أن تبدأ من لحظة التوقيع على اتفاق المصالحة وتنتهي عند إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، وانتخابات المجلس الوطني التي اتفق على أن تعقد بالتزامن وعلى أساس التمثيل النسبي الكامل. فهل يمكن لأي اتفاق مصالحة وطنية أن يتجاهل تحديد موقف ملموس من القضايا المذكورة آنفا، بما تتضمنه من مواقف إزاء المفاوضات والمقاومة والسلطة، سواء ببقائها أو بحلها أو تعديلها، بحيث تأخذ مكانها الطبيعي في خدمة البرنامج الوطني كواحدة من أدوات منظمة التحرير؟

 

منذ أن قدمت مصر الورقة المصرية لحركتي فتح وحماس للتوقيع عليها في شهر تشرين الأول 2009، وحتى عشية عيد الفطر الماضي قبل أسابيع قليلة، تجمدت المصالحة عند عقدة رفض "حماس" التوقيع قبل إجراء تعديلات كثيرة على الورقة، لأنها تعتبر أن الورقة التي قدمت إليها تختلف عن تلك التي وافقت عليها. في المقابل، أصرت "فتح" ومصر على توقيع "حماس" على الورقة أولا، على أن تؤخذ ملاحظاتها بالحسبان بعد التوقيع وعند التطبيق، وكذبتا ادعاءات "حماس" بأن الورقة المقدمة تختلف عن الورقة الأصلية.

 

إن النقطة الجوهرية هي أن ملاحظات "حماس"، على أهميتها، تبقى إجرائية تتعلق بتشكيل اللجنة العليا للانتخابات ومحكمة الانتخابات واللجنة الأمنية العليا بالتوافق الوطني، وبدور الإطار القيادي المؤقت للمنظمة الذي اتفق على تشكيله في جلسات الحوار الوطني الشامل التي عقدت بالقاهرة، حيث تطالب "حماس" بأن تكون قراراته نافذة وغير قابلة للتعطيل. وعلى أهمية هذه الملاحظات، إلا أنها تتناسى حقيقة أن الورقة المصرية تغلب عليها المسائل الإجرائية فحسب. 

 

في هذا السياق، إذا صدّقنا أن ملاحظات "حماس" تلك هي ما يمنعها من التوقيع على الورقة المصرية فإننا نخطئ كثيراً. فالذي يمنعها هو اعتقادها بأن هدف الورقة المصرية هو اللجوء إلى الانتخابات كآلية لحسم الصراع والانقسام ومعالجة آثار الانقلاب، في وقت يعتبر فيه إجراء الانتخابات غير مناسب لحركة حماس، لأنها ستجرى في ظل الحصار والجوع والمقاطعة، وفي ظل عدم الاعتراف من معظم الدول العربية ودول العالم بحركة حماس، الأمر الذي أدى إلى عدم تمكينها من الحكم رغم فوزها بالانتخابات التشريعية، سواء عندما شكلت حكومتها منفردة بعد الانتخابات أوائل العام 2006، أو عندما ترأست حكومة الوحدة الوطنية التي شكلت بعد وثيقة الأسرى والتوقيع على اتفاق مكة.

 

إذا وافقت "حماس" على اعتبار الانتخابات الآلية الوحيدة لحسم الخلاف وإنهاء الانقسام، فإنها تعرض نفسها لاحتمال كبير بالخسارة، أي بالخروج من الحكم من البوابة التي دخلت إليه منها، وهي صناديق الاقتراع. في هذه الحالة، ستصبح "حماس" أقلية قادرة على المعارضة، ولكنها ليست قادرة على تعطيل الحكم، بحيث يكون عليها القبول بهذا الوضع أو اختيار الخروج من السلطة والعودة إلى الوضع الذي كانت فيه قبل قرارها المشاركة بالسلطة والمنظمة بعد إعلان القاهرة في آذار 2005، والذي بدأ عبر مشاركتها بالانتخابات المحلية، ثم مشاركتها بالانتخابات التشريعية وحصولها على أغلبية المقاعد.

 

إن المطروح على "حماس" فعلا هو الموافقة على شروط اللجنة الرباعية، إذا أرادت المشاركة في النظام السياسي الفلسطيني (السلطة والمنظمة)، والتي تتضمن ضرورة الاعتراف بحق إسرائيل بالوجود، والالتزام بالاتفاقيات الفلسطينية – الإسرائيلية الموقعة، ونبذ العنف والإرهاب (أي المقاومة).

 

إذا وافقت "حماس" على هذه الشروط، خصوصا بدون أن تحصل على شيء فيما يتعلق بإقرار الحقوق الفلسطينية، فإنها تفعل ذلك مقابل مجرد الاعتراف بها كلاعب فلسطيني أساسي، وبذلك تكون قد تخلت عن برنامجها وروحها مقابل تحقيق مصلحة ذاتية فئوية، وهذا سيدفعها إلى الانهيار من خلال انفضاض الشعب الفلسطيني عنها. وإذا لم توافق على هذه الشروط، وهي ظالمة مجحفة، فمطروح عليها القبول بأن تكون شريكا صغيرا (معارضة تمثل الأقلية) بحيث لا تؤثر على اتجاهات الحكم والقيادة الفلسطينية بصورة حاسمة. المطلوب من "حماس" إذن أن تتراجع عن انقلابها وتسلم السلطة في غزة إلى السلطة الشرعية المعترف بها عربيا ودوليا، وسقف ما يمكنها الطموح إليه هو القبول بدور الأقلية بدون أن تضمن حتى أن تكون شريكا فاعلا في الضفة والمنظمة.

 

المصالحة الفلسطينية شأن إسرائيلي

ففي الضفة لا يستطيع عاقل أن يتجاهل أن الاحتلال الإسرائيلي هو اللاعب الرئيسي، لذلك، إذا لم توافق إسرائيل على ما يتم الاتفاق عليه فلسطينيا برعاية مصرية وعربية، وتحديدا بين "فتح" و"حماس"، خصوصا فيما يتعلق بتركيبة وكيفية قيادة وتشكيل الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية، فإنها قادرة على استخدام الفيتو، إما عن طريق الضغط لمنع الاتفاق الفلسطيني – الفلسطيني، وإما عن طريق منع تطبيقه على الأرض. فالفرضية المعقولة أن اتفاق المصالحة الذي سيوقع يتضمن إعادة تشكيل الأجهزة الأمنية بالضفة وغزة، بحيث تشارك "حماس" بها وبقيادتها. ولكن مثل هذا الاتفاق لن يرى النور بسبب معارضة إسرائيل.

 

إن ما سبق، وغيره كثير جدا، يوضح أن المصالحة الوطنية الفلسطينية ليست شأنا داخليا فلسطينيا بحتا، وإنما هي شأن إسرائيلي أيضا، فإسرائيل بذرت بذور الانقسام وتسعى باستمرار لتغذيته وتعميقه، لأنه يعطيها مزايا لا تقدر بثمن، لدرجة أن شمعون بيرس، رئيس إسرائيل، اعتبر أن الانقسام أحد ثلاثة إنجازات تاريخية حققتها الحركة الصهيونية، معدداً إياها بأنها قيام إسرائيل، حرب حزيران عام 1967، الانقسام الفلسطيني.

 

وشأن عربي واقليمي ودولي أيضاً

كما أن المصالحة تتأثر جدا بعوامل عربية وإقليمية ودولية. فالانحياز الأميركي لإسرائيل جعل الإدارتين الأميركية السابقة والحالية تفرضان قبول شروط اللجنة الرباعية حتى تحصل المصالحة على ضوء أخضر دولي، وهي شروط لا تستهدف تسهيل تحقيق التسوية والمصالحة، وإنما هدفها الرئيسي عزل "حماس" والعمل على إسقاطها وإبعادها عن لعب أي دور رئيسي. كما أن انقسام العرب إلى محورين، وانحياز كل من الطرفين الفلسطينيين إلى هذا المحور أو ذاك، يجعل المصالحة بحاجة إلى قرار عربي، مثلما هي بحاجة إلى قرار دولي. كما أن دخول إيران أساسا، ثم تركيا، وغيرهما من الدول المعنية بالمنطقة والمؤثرة على القرار الدولي، في التأثير على ما يجري بخصوص المصالحة بحكم قدرتها على التأثير على هذا الطرف الفلسطيني أو ذاك، يجعل المصالحة شأنا عربيا إقليميا دوليا.

 

فالانقسام والحصار يؤديان إلى اعتماد "حماس" أكثر على الدعم الإيراني والسوري والقطري، ولا يمكن أن يكون هذا الدعم، شأنه شأن أي دعم تقدمه دول العالم، مجرد عمل خيري وإنما عمل سياسي له أهداف سياسية، وبالتالي لا تتم المصالحة إذا لم ترض عنها سوريا وقطر وإيران. ولا ترضى هذه الدول إلا إذا حصلت على ما تريد فيما يتعلق بأهدافها ومصالحها الخاصة. كما أن الانقسام أدى إلى تبعية وارتهان السلطة إلى الدعم العربي والدولي المقدم لها، بحيث تخشى من وقف الدعم إذا وافقت على مصالحة بدون اعتماد شروط اللجنة الرباعية الدولية. تأسيسا على ما سبق، فإن وقوع الانقسام حدث لأسباب وعوامل محلية وإسرائيلية وعربية وإقليمية ودولية، وإنهاء الانقسام بحاجة إلى توفر موافقة أو توافق وإرادة محلية وإسرائيلية وعربية وإقليمية ودولية.

 

 إضافة لذلك، فإن المصالحة مرتبطة بمصير الضفة، ومصير عملية التسوية الجاري محاولة التوصل إليها منذ عقود، بدون النجاح في توقيع معاهدة سلام فلسطينية - إسرائيلية، وإسرائيلية -سورية، وإسرائيلية - لبنانية. فلا مصالحة من دون أن تُعرف نتائج المفاوضات وهل ستنتهي إلى تسوية أم لا، وهل تجسد الحل الإسرائيلي، كما هو مرجح، أم أنها تسوية متوازنة ؟

 

دوافع ومحركات "حماس"

لو توفرت الإرادة للمصالحة لدى الأطراف الفلسطينية المتصارعة، بمبادرة ذاتية منها أو جراء ضغوط سياسية وشعبية (القوى والفعاليات المختلفة)، لأمكن تخيل تحقق المصالحة بدون موافقة كل الأطراف الخارجية المعنية. لكن غياب الإرادة الذاتية عند الأطراف الفلسطينية، ولأننا "لو زرعنا، لو حصدنا، يا ريت"، ولأن التطورات الحادثة لم تحمل معها حتى الآن نشوء تيار سياسي شعبي ثالث قادرة على ممارسة ضغوط على الطرفين المتنازعين تتجاوز، بل وحتى توازي الضغوط الممارسة عليهما من حلفائهما ومن إسرائيل، فإن المصالحة مؤجلة حتى إشعار آخر.

 

 ولأن كل فريق فلسطيني يريد المصالحة وفق شروطه، لذلك لم تتحقق المصالحة.

 

أشير إلى أن حركة حماس نشأت من خارج منظمة التحرير وقدمت نفسها بديلا عنها وسعت إلى تشكيل إطار يختلف مع المنظمة من حيث الأيديولوجيا والبرنامج والأهداف والتحالفات. إلا أن "حماس" تمثل حالة مزدوجة، فهي جزء من الحركة الفلسطينية، وهي امتداد لحركة الإخوان المسلمين العالمية.  لذلك، هناك تناقض في "حماس" بين دورها الوطني ودورها "الإسلامي"، وإذا لم تحسم نفسها كحركة فلسطينية أولا وأساسا، وعربيا ثانيا، بحيث تسعى لتحقيق البرنامج الفلسطيني، فلن تكون قادرة على تأكيد شرعيتها التي تسعى إليها. وعندما اختارت "حماس" المشاركة بالمنظمة والسلطة، فإنها فعلت ذلك لأنها اصطدمت بقرار عربي ودولي يمنع تشكيل منظمة تحرير فلسطينية ثانية، بديلة أو موازية، فاختارت دخول المنظمة والعمل على السيطرة عليها وقيادتها من الداخل، بعد ان كانت تعمل من خارجها و تسعى لتشكيل منظمة بديله او موازية لها و ذلك بعد موافقتها على إعلان القاهرة في عام 2005 والذي حدد الخطوات و المراحل اللازمة للمشاركة في السلطة من خلال إجراء الانتخابات التشريعية والمحلية ولإعادة تشكيل منظمة التحرير، بحيث تضم مختلف الأطياف الفلسطينية، ولكن هذا الإعلان لم يستكمل تطبيقه فيما يتعلق بالمنظمة، حيث لم تتم دعوة الإطار القيادي المؤقت المنصوص عليه في إعلان القاهرة والمطلوب منه إصلاح وتفعيل وإعادة تشكيل المنظمة، واكدت "حماس" استعدادها لدخول المنظمة في موافقتها على وثيقة الوفاق الوطني التي أكدت وحدانية تمثيل المنظمة.

 

راهنت "حماس" على فشل اتفاق أوسلو وطريق المفاوضات وعملية السلام في تحقيق الأهداف الوطنية، كما راهنت على تأثير النموذج السيئ والفاسد الذي قدمته السلطة، وعلى غياب ياسر عرفات، القائد التاريخي لحركة فتح وللحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، بكل صفاته القيادية وقدراته الكبيرة، وراهنت أيضا على الخلافات ما بين أجنحة حركة فتح والتي أدت إلى إضعافها، بما يسمح لحركة حماس قيادة السلطة والمنظمة بسرعة.

 

إن "حماس" في صراع داخلي، ليس بين كونها حركة فلسطينية وبين كونها امتدادا لحركة الإخوان المسلمين فحسب، وإنما بين أن تكون حركة أقرب إلى الاعتدال والعلمانية، وبين أن تكون حركة متطرفة سلفية متعصبة تؤمن أنها ربانية هي وحكومتها، بحيث لا تعترف بالتعددية، وتداول السلطة، وليست الديمقراطية بالنسبة لها سوى عرس لمرة واحدة هي المرة التي تمكنها من السيطرة على السلطة عن طريق الانتخاب.

 

"حماس" مترددة ما بين أن تكون مثل تركيا أردوغان، أو مثل أفغانستان طالبان. وما لم تحسم هذا التردد، فستبقى هي والوضع الفلسطيني في امتحان عسير.

 

فمن جهة، نجد أن "حماس" اقتربت كثيرا من قبول البرنامج السياسي للمنظمة؛ برنامج الدولة على حدود 1967، وأخذت بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة (أواخر العام 2008 وبداية العام 2009)، بفرض تهدئة مع إسرائيل بدون توقيع، لتثبت أنها باتت تركز على حماية السلطة في غزة أكثر من أي شيء آخر، وتحاول أن تبرهن للولايات المتحدة الأميركية والعالم، أنها طرف يمكن الاعتماد عليه، وأعلنت استعدادها للعودة لتفويض الرئيس أبو مازن بالتفاوض مع إسرائيل باسم الفلسطينيين كجزء من أي اتفاق فلسطيني جديد، كما جاء في وثيقة الأسرى، على أن يعرض ما يتم الاتفاق عليه على استفتاء شعبي، وسعت "حماس" لإظهار جدارتها لطرح مواقف ديمقراطية تجسدت في برنامج حكومتها المنفردة، ثم في برنامج حكومة الوحدة الوطنية. ولكن من جهة أخرى، انفردت "حماس" بالسلطة في غزة بدون مشاركة حتى قوى وأطراف متحالفة معها وتعتبر في نطاق الإسلام السياسي، مثل حركة الجهاد الإسلامي. كما اتخذت "حماس" خطوات عديدة باتجاه أسلمة المجتمع مثل فرض الحجاب على الطالبات في المدارس، وعلى المحاميات، ومنع النساء من تدخين النرجيلة، ومنع الحفلات المختلطة على أساس أنها تعبر عن انحلال أخلاقي، لدرجة اللجوء مباشرة أو غير مباشرة، إلى حرق أو إغلاق بعض الأماكن التي تشهد الحفلات والمعارض والمخيمات الصيفية، والمضي قدما بإصدار قوانين من قبل أعضاء "حماس" بالمجلس التشريعي، رغم أن هذا العمل غير شرعي أو قانوني بصورة لا تقبل اللبس، لأن المجلس التشريعي لا يكون انعقاده شرعيا إلا بدعوة  وبحضور مباشر من أغلبية أعضائه.

 

صحيح أن هناك خلافات داخل "حماس"، وبينها وبين حكومتها، وداخل الحكومة، حول أسلمة المجتمع أو حول التوقيت المناسب لذلك، إلا أن هذا يعكس اشتداد الصراع الذي دخلت فيه "حماس"، والذي يتمحور حول هويتها، بعد دخولها في النظام السياسي الفلسطيني.

 

تأسيسا على ما سبق، فإن "حماس" ليست متحمسة كثيرا للمصالحة بدون أن تضمن أنها قادرة على استخدامها كمنصة للانطلاق لقيادة الشعب الفلسطيني، لذلك هي تتصرف وفق ما صرح به أكثر من قيادي منها: "غزة في اليد خير من عشرة عصافير على الشجرة في الضفة". ولذلك فهي رحبت بتشكيل لجنة اتفاق فصائلية (فتحاوية حمساوية أساسا) تتولى إدارة الانقسام في الفترة الانتقالية من لحظة توقيع اتفاق المصالحة إلى حين إجراء الانتخابات.

 

اللجنة الفصائلية: تعايش مع الانقسام

إن فكرة اللجنة الفصائلية المشتركة، الواردة في الورقة المصرية، ظهرت بعد تعذر الاتفاق في حوار القاهرة على تشكيل حكومة وحدة وطنية على خلفية الخلاف على برنامجها السياسي، بين من يريد الالتزام بالاتفاقات المعقودة مع إسرائيل، وبين من يرفض ذلك ويوافق على إيراد كلمة احترام هذه الاتفاقيات بدون الالتزام بها. 

 

في هذا السياق، تعتبر اللجنة الفصائلية نوعا من الاعتراف والتعايش مع الانقسام، والبدء بالسعي لإدارته لا إنهائه. ولا أظن نفسي أجانب الصواب، لو قلت إن "حماس" كانت ستوقع على الورقة المصرية، أو هي ستوقع عليها الآن، إذا تم تجنب تحديد موعد قريب لإجراء الانتخابات.  فهي بحاجة إلى وقت كاف حتى تعيد ترتيب أوراقها وتنظيم صفوفها واستعادة شعبيتها وفك الحصار عن غزة وإعادة إعمارها، وإتمام صفقة تبادل الأسرى، والحصول على اعتراف عربي ودولي بها كلاعب رئيسي.

 

بدون الاعتراف بحركة حماس كلاعب رئيس، حتى لو جرت الانتخابات وفازت بها مرة أخرى، وهذا مستبعد ولكنه ليس مستحيلا، سنعود إلى النقطة نفسها التي علقنا بها بعد فوزها بالانتخابات السابقة.  فحركة حماس تريد أن تضمن احترام نتائج الانتخابات قبل المشاركة بها. ومن يستطيع أن يضمن لها ذلك، ليس الجانب الفلسطيني فقط على أهمية الضمانات الفلسطينية، بل المجتمع الدولي بضغط من العرب، وهو الجهة التي بإمكانها أن تفرض على إسرائيل تمكين الفلسطينيين من إجراء انتخابات حرة ونزيهة واحترام نتائجها، وليس العودة إلى الحصار والمقاطعة واعتقال النواب والوزراء، إن فازت "حماس" مرة أخرى.

 

لقد بدأت "حماس" بقبول فكرة إيجاد تفاهمات فلسطينية – فلسطينية في شهر شباط 2010، أثناء زيارة وفد من المستقلين برئاسة منيب المصري، وقت ذروة أزمة التوقيع على الورقة المصرية، لكنها أصرت على اعتبار هذه التفاهمات جزءا من، وملحقا للورقة المصرية، ويجب أن تضمنها مصر والجامعة العربية. هذا ما طالبت به "حماس" أيضا في الورقة التي توصل إليها عمرو موسى أثناء زيارته إلى غزة في شهر حزيران الماضي، والتي تضمنت كذلك موافقة "حماس" على تشكيل حكومة تكنوقراط يشارك بها الجميع. ثم تطور موقف "حماس" بعد أن طرح الوفد الرئاسي المشكل في 5 حزيران الماضي من قبل الرئيس أبو مازن، وكان برئاسة منيب المصري وبمشاركة عدد من ممثلي فصائل منظمة التحرير، و5 من أعضاء اللجنة التنفيذية، وعدد من الشخصيات الوطنية المستقلة، فكرة التوصل إلى تفاهمات فلسطينية – فلسطينية تضمن من قبل الفلسطينيين فقط، من خلال التعهد بالالتزام بها عند التطبيق بدون اعتبارها ملحقا للورقة المصرية وبدون توقيع مصر أو الجامعة العربية عليها.

 

التقلب المصري

مصر كانت تعارض التوصل إلى هذه التفاهمات قبل توقيع "حماس" على الورقة المصرية. ولكن هذا الموقف تغير مع اللقاء الذي عقد في مكة عشية عيد الفطر بين الوزير عمر سليمان وخالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، والذي انتهى إلى الاتفاق على أن يقوم سليمان بالاتصال بالرئيس أبو مازن لإقناعه بإرسال وفد من "فتح" إلى دمشق للالتقاء بوفد من "حماس"، من أجل التوصل إلى تفاهمات فلسطينية – فلسطينية، بعد زوال التحفظ المصري على ذلك. وهذا ما حصل فعلا، حيث تم عقد اجتماع بين وفدي الحركتين في دمشق، صدر عنه بيان مشترك أكد على الاتفاق على عدد من النقاط، وعلى استكمال الحوار باجتماع لاحق، على أن يعتبر ما يتم الاتفاق عليه ملزما عند توقيع الورقة المصرية.

 

ما السبب الذي أدى إلى تغير الموقف المصري؟ وهل يعود إلى حاجة مصرية فقط، مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في مصر في ظل التنافس على من سيخلف الرئيس مبارك أو على ترشحه لمرة أخرى؟ أم أن التغير حدث جراء اتفاق مصري – سعودي، وربما بموافقة أميركية، من أجل مساعدة الرئيس أبو مازن في المفاوضات مع إسرائيل التي تواجه معارضة فلسطينية كبيرة، حتى داخل "فتح" والمنظمة، بسبب تعنت حكومة نتنياهو.

 

إن إحياء ملف المصالحة يساعد أبو مازن بإظهاره كمن يملك خيارات أخرى، وقادر على المصالحة، وهذا يساعد على سحب الذريعة الإسرائيلية التي تتحدث عن ضعف الرئيس الفلسطيني لكونه لا يمثل جميع الفلسطينيين ولا يسيطر على قطاع غزة. هل المسألة تكتيكية تستهدف تحسين شروط التفاوض فقط، بينما سيتضح مصير المصالحة قبل أو بعد نشر هذه الورقة، حين سيعلن عن مصير المفاوضات وآفاق المصالحة الوطنية؟ فبعد  شهر على قمة سرت العربية الأخيرة، سيتضح ما إذا كانت المفاوضات تسير إلى الانهيار أو أنه يمكن استئنافها على أساس تجميد الاستيطان بشكل جزئي أو مؤقت. كل الاحتمالات مفتوحة، مع ترجيح استئناف المفاوضات وتعثر جهود المصالحة.

 

أما حركة "فتح" فهي كانت منذ البداية إيجابية بالنسبة للتوصل إلى التفاهمات الفلسطينية، ولكنها لا تريد إغضاب مصر التي كانت تعارض ذلك لظنها أنه يمس بدور وهيبة ومكانة مصر التي  بذلت وقتا وجهدا كبيرين للتوصل إلى الورقة المقترحة، ولم تنجح بتحقيق المصالحة، ولا تريد وضع تلك الورقة أمام مشرحة التعديل والملاحظات، الأمر الذي يفتح الباب أمام الخوض في ملاحظات لا تنتهي على الورقة المصرية.

 

لقد باتت مهمة تذليل العقبات التي تحول دون توقيع وتطبيق الورقة المصرية ضرورية من أجل استئناف الحوار. ولكن توقيع تلك الورقة، حتى وإن حدث بعد الاتفاق على تحقيق التفاهمات الداخلية الفلسطينية – الفلسطينية الملزمة عند التطبيق، لا يعني أن الطريق ستصبح سالكة أمام المصالحة. فالتطبيق للورقة المصرية سيكون ربما أصعب من التوقيع عليها.

 

فالورقة المصرية، كما أشرنا سابقا، تجنبت الخوض في  مسألة البرنامج السياسي للحكومة وللمنظمة ومسألة تشكيل حكومة وحدة وطنية أو وفاق وطني أثناء المرحلة الانتقالية، ما يجعل إمكانية حصول مصالحة حقيقية مشكوكا بها كثيرا، فأي مصالحة يمكن أن تتم من بدون كل ذلك؟ مثل هذه المصالحة، إن تحققت، ستكون مجرد هدنة مؤقتة جديدة، سرعان ما تنهار، أو تكون غطاء لحالة تعايش مع استمرار الانقسام وإدارته بدلا من معالجته وإنهائه.

 

شروط تحقق المصالحة الوطنية

حتى تتحقق المصالحة الوطنية، ثمة حاجة إلى الاتفاق على رزمة واحدة متكاملة مشكّلة من العناصر التالية:

 

أولا: الاتفاق على ميثاق وطني جديد يتضمن الحقوق والأهداف الوطنية الأساسية وأشكال النضال الرئيسية الكفيلة بتحقيقها، والقواعد التي تحدد العمل المشترك في إطار النظام السياسي، على أن يكون هذا الميثاق بمثابة الحد الأدنى الوطني الذي لا يمكن التنازل عنه، ويقدم صيغة تمكن من إعادة توحيد الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه، وحفظ حقوقه.

 

ثانيا: الاتفاق على برنامج سياسي للحكومة القادمة سواء خلال المرحلة الانتقالية أو بعد الانتخابات، يحفظ الحقوق والمصالح الوطنية، ويتضمن حق تقرير المصير والعودة والحرية والاستقلال، ويكون مقبولا دوليا، لأن السلطة جاءت ثمرة اتفاق فلسطيني – إسرائيلي حظي بدعم عربي ودولي، وتتلقى مساعدات عربية ودولية كبيرة، بحيث لا تستطيع الاستمرار بدون أن تكون حكومتها حكومة مقبولة دوليا. وليس شرطا على الإطلاق أن يكون ذلك من خلال الموافقة على شروط اللجنة الرباعية الدولية، وإنما يمكن أن يكون من خلال إقرار القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، والإصرار على تفعيل مبدأ التبادلية في القانون الدولي، الذي يجيز لطرف متعاقد مع طرف آخر أن يكون حرا من التزاماته الواردة في الاتفاقيات الموقعة بينهما إذا لم يلتزم الطرف الآخر بها.

 

ثالثا: المحافظة على الأساس الديمقراطي للنظام السياسي الفلسطيني وتعميقه وتعزيزه، بما يضمن تحقيق شراكة سياسية حقيقية، وتعميق التعددية بكل أشكالها، وتحقيق مبدأ التداول السلمي للسلطة، مع ضرورة مراعاة توفير حد أدنى من التوافق الوطني المتناسب مع كون فلسطين تحت الاحتلال وتمر بمرحلة تحرر وطني ديمقراطي، وضمان الحقوق والحريات العامة للإنسان وسيادة القانون ومبدأ تداول السلطة، واعتماد الانتخابات بشكل دوري على كافة المستويات وفي جميع القطاعات المحلية والعامة.

 

فبدون التوافق الوطني  القادر على تجسيد وحدة الشعب و القضية و الكيان و القيادة، والمستند إلى برنامج وطني متفق عليه يجسد القواسم المشتركة، لا يمكن أن يكون هناك أي درجة من الديمقراطية أو الحرية أو سيادة القانون أو الإصلاح الحقيقي.

 

إن أي مصالحة، حتى تنجح وتستمر، فلا بد أن تجمع ما بين تجسيد ركائز المصلحة الوطنية العليا عبر ميثاق وطني جديد، وبين البرنامج الوطني والشراكة السياسية والأساس الديمقراطي، بحيث تستند إلى ما تم التوصل إليه أثناء جولات الحوار منذ  إعلان القاهرة في آذار عام 2005، مروراً بوثيقة الوفاق الوطني عام 2006، واتفاق مكة، وبرنامج حكومة الوحدة عام 2007، إلى الورقة المصرية عام 2009، بحيث تسعى إلى تطوير عناصر الاتفاق الوطني استجابة للخبرات والتطورات والمستجدات، وبما يكفل تذليل الأسباب والعقبات والعوائق التي حالت دون إنجاز المصالحة الوطنية حتى الآن.  

 

*هاني المصري مدير مركز بدائل للإعلام و الأبحاث و الدراسات

انشر عبر