شريط الأخبار

تغييرات في فهم التهديد التركي..معاني إستراتيجية لإسرائيل..نظرة عليا

03:16 - 05 تموز / نوفمبر 2010

بقلم: غاليا ليندنشتراوس

وثيقة مجلس الامن القومي التركي، "الكتاب الاحمر" للعام 2010، والتي ترسم خريطة التهديدات المتوقعة لتركيا في السنوات القريبة القادمة، تتضمن عدة بنود اشكالية جدا من ناحية اسرائيل. وتصنف الوثيقة نفسها كسرية وعليه فان هناك فوارق في الرواية بالنسبة لمضمونها. ومع ذلك، وحسب ما نشر، فان سابقة ادخال اسرائيل الى "الكتاب الاحمر" وبشكل خاص الادعاء بان سياسة اسرائيل تهز الاستقرار الاقليمي هي دليل آخر على الوضع الصعب الذي تعيشه العلاقات الاسرائيلية – التركية. ومع أنه لم يزعم في الوثيقة بانه ستقع مواجهة مباشرة بين الدولتين، الا أن مجرد ذكر اسرائيل في الوثيقة سيؤدي الى تعاظم الشكوك المتبادلة بين تركيا واسرائيل.

          بالقياس الى وثائق سابقة من هذا النوع، يدور الحديث عن وثيقة ثورية. اخراج سوريا من "الكتاب الاحمر" وكذا ذكر البرنامج النووي لايران بشكل غير مباشر وليس كتهديد صريح يعبر عن سياسة "صفر مشاكل" تركيا مع جيرانها. حسب هذه السياسة، التي يدفعها الى الامام وزير الخارجية التركي، احمد داوداوغلو فان تركيا يجب عليها ويمكنها أن تحل النزاعات مع جيرانها. وذلك خلافا للمفهوم التركي التقليدي، والذي يقضي بان الدولة تقف امام تهديد مستمر على حدودها. حقيقة أن "الكتاب الاحمر" يعكس سياسة "صفر مشاكل" تنبع أيضا من التغييرات التي طرأت على تركيبة مجلس الامن القومي منذ العام 2003. في اطار الاصلاحات المرتبطة بمحاولة تركيا الدخول الى الاتحاد الاوروبي اصبحت هذه الهيئة ذات أغلبية مدنية – وذلك خلافا للماضي، حين كان رجال الجيش يسيطرون على المجلس وتعكس اساسا مواقف الجيش التركي. لهذا السبب، فان نجاح داوداوغلو في أن يجعل افعاله الحديثة خطا يوجه سياسة الخارجية والامن التركية، كما تنعكس في "الكتاب الاحمر"، ليس مفاجئا. وبينما تعبر الوثيقة بقدر كبير عن التغييرات التي سبق أن وقعت في العلاقات بين تركيا وجيرانها، فان تطورا مستقبليا يمكنه أن يؤثر على اسرائيل يتعلق بالجيش التركي. فهناك فارق بين حجم الجيش التركي، الثاني في حجمه في الناتو، وبين مفهوم التهديد التركي. حسب مفهوم التهديد هذا، كما ينعكس في "الكتاب الاحمر"، فان التهديدات المباشرة على تركيا معدودة فقط. منذ الان تنطلق في تركيا أصوات ضد استمرار التجنيد الالزامي في الدولة وتطرح دعوات لجعل الجيش التركي جيشا مهنيا بحجم أضيق. مثل هذا التغيير، اذا ما حصل، فسيكون تدريجيا. ومع ذلك، فان حدوثه سيحث مسيرة سبق أن بدأت، واساسها الضعف الواضح للجيش التركي كلاعب في السياسة التركية.

          ضعف الجيش، المرتبط بالصراع بين النخبة العلمانية القديمة والنخبة الدينية الصاعدة، مستمر منذ زمن. هذا الميل تسارع في السنتين الاخيرتين، ووجدت تعبيره ضمن امور اخرى في اتهام رجال كبار من الجيش من المتقاعدين بشبهة محاولة العمل على اسقاط الحكومة برئاسة حزب العدالة والتنمية. عملية ضعف الجيش التركي مقلقة من ناحية اسرائيل لسببين. الاول، الجيش وجهاز الامن التركيين، هما اللذان كان لهما دور مركزي في دفع العلاقات الاسرائيلية – التركية الى الامام في الماضي. فضلا عن ذلك، فان غياب التهديدات المباشرة على تركيا يقلص ظاهرا الحاجة الى شراء منظومات سلاح متطورة والتعلق التركي بشراء مثل هذه المنظومات من الغرب.

          مصدر قلق آخر من ناحية اسرائيل هو امكانية ان تؤثر تغييرات في حجم الجيش التركي ايضا على مكانة تركيا في حلف الناتو. قوة الجيش التركي كانت عاملا حاسما في الاهمية التي عزيت لتركيا في الحلف في زمن الحرب الباردة، وبعدها ايضا. استمرار عضوية تركيا في الناتو، وكذا كونها لاعبا هاما في هذا الحلف، يشكلان مصلحة اسرائيلية لانهما يقلصان التخوفات من نشوء محور امني تركي – سوري – ايراني. منذ الان يمكن أن نرى صداما بين التغييرات في مفهوم التهديد التركي وبين مفهوم التهديد لدى معظم اعضاء الناتو. تركيا تعارض مثلا وصف منظومة الدفاع ضد الصواريخ، التي أغلب الظن سينصبها حلف الناتو في اراضيها، كمنظومة معدة للدفاع ضد هجوم محتمل من سوريا، ايران أو روسيا. هذه المعارضة تعلل بحجة أن هؤلاء الجيران، ليس فقط لا يشكلون تهديدا عليها بل ولا يشكلون ايضا تهديدا على باقي اعضاء الحلف. ومع ذلك، فان مجرد الجهود من جانب تركيا للوصول الى صيغة حل وسط حول نصب منظومة الدفاع توضح بان تركيا ايضا لا ترى عضويتها في الناتو كمحور مركزي في مفهوم الامن التركي.

          التغيير الكبير في مفهوم التهديد التركي، كما ينبع من سياسة "صفر مشاكل" ويفهم من "الكتاب الاحمر"، يتعلق كما أسلفنا بعلاقات تركيا مع جيرانها. ومع ذلك، فان هذه العلاقات لا يمكنها أن تدار على نحو منقطع عن التطورات في المنظومة الاقليمية والدولية. وعليه يبدو أن ثمة تناقضا ما بين رغبة تركيا في استقرار الساحة الاقليمية وبين سياستها التي تشكل عمليا تأييدا لمحافل مثل ايران، والتي هذا هو هدفها. ومع أن الاتراك يدعون بان فقط سياسة الحوار ستؤدي الى حل الخلافات مع ايران حول مسألة بناء قدراتها النووية، الا ان ايران عمليا تواصل دفع برنامجها النووي الى الامام. في ضوء ذلك فان نظرة شاملة وانتقادية الى "الكتاب الاحمر" تظهر بأن النشاط التركي، وان كان بشكل غير مباشر، يشكل بذاته عامل ضعضعة للاستقرار في الساحة الاقليمية.

* نشرة الكترونية تصدر عن مركز بحوث الامن القومي.

انشر عبر