شريط الأخبار

ألم نصل بعد إلى طريق مسدود؟!... علي عقلة عرسان

09:29 - 30 تموز / أكتوبر 2010

ألم نصل بعد إلى طريق مسدود؟!...  علي عقلة عرسان

 

كدت أقع في المحظور، فأعتقد أن زيارة وزير الخارجية المصري لرام الله هي دعم لموقف السلطة الفلسطينية في وجه الأطماع والمواقف والتوجهات الإسرائيلية" الجديدة التي عرقلت مفاوضات مباشرة، حرصت عليها "مصر الحكْم"، وعملت من أجل استئنافها، بوصفها أحد الوسطاء بين الكيان الصهيوني وسلطة رام الله، ومن يتفهم أكثر من سواه مواقف نتنياهو ونواياه، حتى في حصاره الوحشي المستمر منذ نيف وأربع سنوات على غزة.؟! ولكن تبين لي، بحمد الله وهديه، وقبل فوات الأوان، أن تلك الزيارة كانت مرحلة من مراحل وساطة مصر "الحكْم" المستمرة، ليس لاستئناف المفاوضات المباشرة هذه المرة، على أساس وقف الاستيطان المستشري، وإنما في للدخول في " دوّيخة" محكمة، رتبها الكيان الصهيوني، وأطلقها باسم الحل القائم على"واقعية" مستمَدَّة من أرض الضفة الغربية التي يجثم عليها وعلى أهلها الاحتلالُ والاستيطانُ الصهيونيان منذ عام 1967.. وقد حمَلها مستشار الأمن القومي للكيان الصهيوني عوزي أراد إلى القاهرة سراً، فسارع أبو الغيط إلى الترويج لها في رام الله، ربما لينفرد بالفتح المبين.. وتلك " الدويخة" دورة جديدة من دورات العبث الصهيوني بالفلسطينيين، ولجنة المتابعة العربية، والوسطاء.. بمن فيهم الجامعة العربية، ومصر الحكْم، والغربيون، والرئيس أوباما الذي أخذ يفقد أسهمه ووهجَه ومصداقيتَه وطيبتَه، وينخرط فيما انخرط فيه أسلافُه من الرؤساء الأميركيين في خدمة الشر العنصري والجشع الوحشي اللذين يشكلان العمود الفقري لعقيدة يهودٍ وأميركيين كُثر، وجوهر نظرتهم السقيمة إلى العالم، الذي يشقى بهم وبأطماعهم، وبممارساتهم الخارجة على كل قيمة وشرع وقانون وإرادة دولية وإنسانية حرة.

ومكونات الطبخة، " الدوّيخة"، الصهيونية "الجديدة" معروفة، ومطروقة سابقاً في مشاريع وتلميحات وتصريحات شتى، وهي في الصيغة المطروحة اليوم:

1 ـ إرجاء البحث في موضوع القدس إلى أمد مفتوح، في الوقت الذي تُتخَذ فيه القرارات والإجراءات الصهيونية لاستكمال تهويدها، وطرد سكانها الأصليين منها، وجعلها "عاصمة موحدة وأبدية" للكيان الصهيوني الذي لا يتمتع بأية شرعية فيها.

2 ـ السكوت المطلق عن حق العودة الفلسطيني المكفول بالقرار 194 لعام 1948، وتشجيع شخصيات وجهات سياسية وإعلامية، ومؤسسات وهيئات دولية، على الترويج لنسيانه وتيئيس المتعلقين به " نظراً لاستحالة تطبيقه"، فهو يدخل في حيز " اللاواقعية"؟!.. وقد بدأ التبشير بذلك حيث قال أحد ممثلي هيئة الأمم المتحدة المسؤولة عن شؤون اللاجئين في عمَّان، للفلسطينيين هناك: " انسوا حق العودة".

3 ـ ضم الكتل الاستيطانية اليهودية في الضفة الغربية إلى " الكيان الصهيوني "، بكثافتها العمرانية والسكانية، لا سيما المحيط منها بالقدس.. لأن "الواقعية الجديدة" تجعل من غير الممكن ترحيل المستوطنين اليهود من تلك المستوطنات، أو تركهم تحت الحكم الفلسطيني في "الدويلة" المنتظَرَة.. وترك الحديث عن لاستيطان جانباً، لأن الاتفاق على هذا الأمر ينزع فتيل الخلاف على وقف الاستيطان الذي يعرقل استئناف المفاوضات.

وهذا يشكل عملياً قضم ما يقرب من 40% من أرض الضفة الغربية التي لا تساوي هي وغزة أكثر من 22% من مساحة فلسطين التاريخية.

4 ـ تأجير منطقة الغور، الواقعة على الضفة الغربية لنهر الأردن، سهلها ومائها وموقعها لاستراتيجي، إلى الكيان الصهيوني لمدة زمنية طويلة غير محددة.. وبذلك يكفل الكيان الصهيوني "شرعية" أن يسيطر على الحدود الشرقية لفلسطين ومنع أي تواصل لا يقره، بين "الدويلة الفلسطينية" التي يجري الحديث عن إنشائها، وبين المملكة الأردنية.. شأن هذه الحدود شأن الحدود الجنوبية لفلسطين، " أي بين غزة ومصر"، حيث يسيطر الصهاينةُ على القسم الأكبر من تلك الحدود، وما تحكمه مصر منها يحكُمه تنسيق أمني بين الطرفين، بموجب المعاهدة المصرية مع الكيان الصهيوني، وملحقاتها السرية، وهي المعروفة بمعاهدة كامب ديفيد.. حيث لا يحلِّق الحلُمُ الفلسطيني في أية جمجمة ـ وليس الطائر الفلسطيني ـ في الفضاء الواقع إلى الجنوب من رفح إلا بموافقة " الكيان الصهيوني " على ذلك، وهو أمر محسوم في المعاهدة المشار إليها وفي ملاحقها السرية، وقد أثبت العدوان الصهيوني المتجدد، والأحداث الدامية، والحصار القتال، خلال السنوات الثلاثين العجاف الماضيات، قوة العزم على تنفيذ ما اتفق عليه الطرفان، حتى لو كان في ذلك فناء الفلسطينيين وحقوقهم، وضعف الأمة العربية وهزال مواقفها، وتآكل حقوقها وحضورها.

5 ـ اعتبار جدار الفصل العنصري هو الحدود التي يقبل بها الكيان الصهيوني الآن، ولا تراجع عنها في المستقبل لصالح الفلسطينيين.

6 ـ استمرار الشروط السابقة المطروحة في إطار مواصفات "الدولة" الفلسطينية التي ستقوم في رام الله، حيث تكون: منزوعة السلاح، مفتوحة أرضها وسماؤها أمام جيش الكيان الصهيوني، قواه الأمنية، تدخل وتخرج متى تشاء، تفعل ما تشاء من خلال تنسيق أمني كذلك القائم الآن بفضل الجنرال " كيت دايتون" وما زرعه من عقيدة قتالية في القوات التي دربها ووظفها وكلفها بخدمة " إسرائيل" وأمنها، على حساب المقاومة الفلسطينية، وإرادة الشعب الفلسطيني وهويته ونضاله المشروع ضد الاحتلال ومن أجل الحرية لاستقلال..

ويا لها من حالة مستقبلية، ويا له من حل واقعي، ويا له من "تدبير حكيم"؟! يشارك فيه عربٌ ضد عرب، وفلسطينيون ضد فلسطينيين.. من أجل الكيان الصهيوني، العدو التاريخي للأمتين العربية والإسلامية..؟! فيا من رأى أو سمع أو قرأ في تاريخ الشعوب.. عن شعب تخدم شرطتُه، أو قواته المسلحة، عدوَّه الذي يحتل أرضه، ويلاحق مواطنيه، وينتهك مقدساته، وكل ما يتصل بمصالحه وشخصيته وهويته ووجوده ومستقبل أجياله.؟!        

إذن كانت زيارة الوزير إلى رام الله للترويج " لحل واقعي" تفتقت عنه العبقرية الصهيونية، أو للإقناع بذلك الحل، وربما كانت لاستطلاع الرأي حوله في أحسن التقديرات والظنون.. وهو " حل" عند التفكير في معطياته للوهلة الأولى، يتعارض كلياً مع أبسط الحقوق الفلسطينية، والمواقف التاريخية للشعب لمصري، ولمصر لتي قدمت ما لا يحصى ولا يقدر لقضية فلسطين.. فلماذا لم يرفض هذا الطلب من جهة تمثل "مصر الحكْم" المؤتمنة على مصر وتاريخها، وبينها وبين الكيان الصهيوني معاهدة تضمنت أصلاً موقفاً أكثر إيجابية من موقف الحكْم اليوم تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، ومعاناته الطويلة، وأحواله وأوضاعه المؤلمة التي نتابعها في القدس والجليل والخليل، حتى لا نذكر غزة التي " يُستفَز" بعض الأشخاص عند ذكرها.!؟   

لقد صرح الرئيس عباس بأنه يتمسك بالمفاوضات بعد وقف الاستيطان، ويعلق أهمية على الموقف الأميركي، ومن ثم على المؤسسات الدولية.. ولكنه لن يقفز إلى أية مرحلة ألا بعد أن يستنفد كل ما يتصل بالمرحلة السابقة عليا في سلم الأولويات.. وسلم الأولويات لا يتضمن المقاومة، فتلك محذوفة من قاموس بعض السياسيين الفلسطينيين، وقد أيده في ذلك الوزير أبو الغيط الذي أكد أن الانتقال إلى مرحلة جديدة يتم عندما نصل إلى طريق مسدود..؟! ومن عجب أن يتم التأكيد على أننا، في هذا الشأن التفاوضي مع الكيان الصهيوني على الخصوص، لم نصل بعد إلى طريق مسدود، على الرغم من أن تصريحات أمين جامعتنا العربية وسواه من حكام ومسؤولين فلسطينيين ومن الوطن العربي، شبه مُجمَع عليها عربياً، أكدت أكثر من مرة أننا وصلنا إلى الطريق المسدود مع لكيان الصهيوني.. فما هي الاعتبارات التي بُنى عليها الموقف، في محادثات رام الله الأخيرة بين الرئيس عباس والوزير أبو الغيط، ومن ثم تقرر أننا ما زلنا في المرحلة الأولى من المراحل السبع المختارة من سلطة رام الله، بينما الاستيطان مستمر، والموقف في القدس يتأزم، وسكانها العرب يهددون ويرحلون من بيوتهم، ويتعرضون لأشكال لا حصر لها من المعاناة.؟ 

إن الاعتبار الوحيد الذي يسجل حضوره الطاغي عملياً، نتيجة لذلك المسلسل البائس من الوساطة والتنازلات والمناورات التي يشارك فيها أو يسكت عليها أكثر من طرف عربي، هو إعطاء الكيان الصهيوني الفرصة تلو الفرصة، والوقت بعد الوقت، والذريعة بعد الذريعة، لتنفيذ مخططاته واستراتيجياته الرامية إلى جعل الفلسطيني يفقد الأمل والثقة بساسته وبأمته ومؤسساتها شيئاً فشيئاً، ويستسلم للعدو الصهيوني وللمصير المحتوم الذي يقرره له.

ومن أسف يتم ذلك بمشاركة بعض الفلسطينيين والعرب، إن لم نقل بما هو أكثر من المشاركة، في ظل تهافت عربي مريع.. وتلك أشد درجات البؤس التي وصلت إليها الأمة العربية، نتيجة تمزقها، وتناحر أقطارها وحكامها، وخضوع أطراف منها للآخرين، ليحافظ حاكمٌ على موقعه، وقطر على مصلحته، وفريق من الناس على مكاسبهم وهيمنتم على آخرين وسياسات ومواقع وواقف.. بينما يخسر الجميع أمام العدو وأمام العالم عملياً.!!

ومن أسف أن السياسي العربي ـ ولا أعمم ـ  وقد وصلت أمته إلى هذا الدرك من التواكل والتآكل والتهافت، ما زال على استعداد لأن يغرس السكين في ظهر أخيه، ويتواطأ مع عدو الأمة ضد قضاياها ومصالحها، ويتفنن في خلق الأزمات والفتن، وإضعاف الثقة وتدمير جسور التواصل بين الأقطار، ويجعل عدو الأمة، عملياً، يكسب من صراعات بعض أقطارها وحكامها وأبنائها، أو من عدم اتفاقهم على موقف وقضية ورأي.

ربما كنت أحلم في عودة المثلث السياسي الذهبي الذي كان قائماً بين مصر وسورية والسعودية إلى العمل، فأنا أرى في ذلك بعض الخير، فقد يحكم مواقف وسياسات، وقد يخفف نسبياً من شدة الأزمات والخلافات والاستقطاب الضيق، وعبث البعض بالأمن والناس، وربما يعفينا ذلك من صدامات صغيرة هنا وهناك، ومن كلام لا يليق يصدر من هذه الجهة أو تلك، ومن وضع أموال وطاقات وإمكانيات في خدمة من يعيشون على الخلافات وينمونها لخدمة أغراضهم ومصالحهم الصغيرة.. وربما يساهم في تخفيف وطأة الأوضاع الداخلية في بعض الأقطار، لا سيما السياسية منها، وربما يكون في خدمة الأمة العربية وأقطارها.

   إن نزعة العدوان والشر والتوسع الهيمنة، مستحكمة في نفوس أعدائنا، وتحتاج منا إلى القوة التي تكمن في الوحدة، وحدة الهدف والرؤية والموقف على الأقل.. إن الصهيوني والأميركي متحالفان ضد الفلسطينيين خاصة والعرب والمسلمين عامة، وكل ما يقوم به الكيان الصهيوني من مناورات وألاعيب، قديمة وحديثة، يتصل باستراتيجيته العدوانية المستحكمة في نفوس متورمة جراء استفحال أمراض عنصرية، وأكاذيب وادعاءات وافتراءات وأوهام، تجعلها الخلافات العربية تتجذَّر وتكبر وتؤثر في بيئتنا، وتتأثر بمؤامراتها حين تأخذ بمناوراتها التي هي حالات من التعبير عن العداء المطلق، تقوم على الغطرسة والادعاء والتوسع والهيمنة، وترمي إلى قضم أكبر قدر ممكن من أرض الشعب الفلسطيني، والقضاء على حقوقه وإرادته، ومن ثم إبادته إبادة بطيئة، معنوياً ومادياً، إن أمكن ذلك.. وإبقاء الأمة قيد التخلف والاستنزاف.. من خلال اللعب على تناقضات حكامها وأطماعهم وأحلامهم الصغيرة وتطلعاتهم الضيقة، وشخصياتهم التي توظف كل شيء في خدمة القاصر من الرؤى والآراء والأحكام والمواقف والنزوات، وتحول هواجسها وطموحاتها الشخصية إلى سياسات واستراتيجيات، تزج الشعب العربي كله في أتونها، وتوظفه لأدائها.. فيحترق بنار هو حطبها وضحيتها ومادتها.

        إنني أتطلع إلى سياسة عربية رشيدة، الحاكم في إنسان محكوم بالمنطق والحكمة والنزاهة، وبحقيقة أنه يخطئ ويصيب، وأنه في خدمة الوطن والشعب وليس فوق الوطن ومالكاً للشعب، وأن المواطن الذي رفعه إلى سدة الحكم لم يتنزل له عن حريته وشخصيته وكرامته، ولا يحتاج إلى مواطن آخر يراقبه وينمّ عليه، فهو أهل للثقة ما دام لم يثبت العكس، وهو مساوٍ له في الحقوق وليس ضحية لمن يقرِّبهم إليه أو يتقربون منه..

أتطلع إلى سياسة تميز بين عدو الوطن والأمة والعقيدة.. وبين الشريك في القضية والمصلحة والمصير، بين أعداء الخارج وشركاء الداخل على المستويين القطري والقومي، بين صاحب الرؤية المختلفة الذي يعمل تحت سقف الوطن والمواطَنَة والقانون وذلك الذي باع نفسه للعدو أو من يشارك العدو في استهداف الأمة وإضعافها ونهب خيراتها.. سياسة تضع طاقات الأمة كلها في خدمة قضاياها ونضالها وتقدمها وتستثمر طاقات كل فرد ومعرفته وإبداعه، وتحترم الإنسان فيها وحرياته وحقوقه وخصوصياته، ولا تستبيح المخالف لها في الرأي والرؤية مدعية احتكار الحقيقة والوطنية وسلامة التفكير والتدبير، بل تشعر بالحاجة إلى الآخر الشريك، وتستفيد من طاقة كل إنسان وإمكانياته ما دام يضعها في خدمة الوطن والحقيقة، في خدمة المعرفة والقيم والعلم، بعيداً عن التوظيف الخارجي والمعارضة العشوائية، والادعاء الفارغ، والجهل المتعملق.. ربما كنت حالماً حين أتطلع إلى ذلك في ظل استشراء أمراض يقف وراءها الانتهازيون وقصار النظر وتجار المبادئ والمواقف، ومن يجعل منهم التعصب الأعمى أو الجهل المقيم والادعاء بعصمويات من شتى الأنواع، أعداء لأنفسهم من حيث لا يشعرون، حيث بذلك يعادون أمتهم وقضاياها ومصالحها، ويخدمون أعداءها من حيث يدرون أو لا يدرون، ويرتمون في أحضانهم ليحموهم من عدالة الشعب أو من مناوئيهم الذين قد لا يختلفون عنهم في التكوين والغايات والأسلحة والأدوات، حيث البيئة المريضة تضاعف المرض ويتكاثر فيها المرضى.

دمشق في 28/10/2010

                                                           

 

انشر عبر