شريط الأخبار

يهود العالم والدولة العبرية: التراجع البطيء للفكرة ..بقلم علي بدوان

01:24 - 27 كانون أول / أكتوبر 2010


يهود العالم والدولة العبرية: التراجع البطيء للفكرة ..بقلم علي بدوان

باتت مسألة تناقص أعداد اليهود في العالم تقلق مصادر القرار في الدولة العبرية الصهيونية، وفي عموم الحركة الصهيونية العالمية. وذلك انطلاقاً من وجود حالات (اندماج وتمثل) متزايدة داخل أوساط اليهود في مختلف أنحاء العالم نتيجة الزيجات المختلطة من جانب، وعزوف أعداد متزايدة من اليهود عن الارتباط بدولة إسرائيل كما كان الحال في العقود الماضية. كما انسحب الأمر ذاته على تناقص أعداد اليهود داخل إسرائيل بالرغم من الهجرات الاستيطانية المتواصلة الى فلسطين المحتلة، وان خفت وتراجعت نسبها عن سنوات سبقت. فاليهود داخل إسرائيل يشكلون (75,5%) من السكان، وكانت تلك النسبة تصل الى (79,25) في العام 1998 والى نسبة (81,7 %) في العام 1988.

أما بالنسبة لليهود في العالم، ووفق معطيات معهد تخطيط سياسة الشعب اليهودي في تل أبيب والتي نشرت قبل فترة قصيرة على صفحات الصحف الإسرائيلية، ففي الـ (27) سنة الأخيرة انخفض عدد اليهود في العالم ككل بحدود (2,3) مليون نسمة، وهو يبلغ الآن (7,76) مليون نسمة، باستثناء يهود إسرائيل، وعندها فان المجموع الكلي لليهود في العالم يبلغ (13,1) مليون يهودي.


ومن الطبيعي القول بأن من أسباب انخفاض عدد اليهود خارج إسرائيل، وبشكل رئيسي يهود دول الاتحاد السوفياتي سابقا وشرقي أوروبا، يعود للهجرة الخارجية نحو إلى فلسطين المحتلة، حيث هاجر مليون يهودي خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، بينما بقي هناك نحو (450) ألف يهودي فقط، منهم (221) ألفا في روسيا، و (79) ألفا في أوكرانيا. بينما انخفضت أعدادهم بنحو (24%) في جنوب القارة الأميركية، حيث تبقى (393) ألف يهودي، منهم (184) ألف يهودي يسكنون في الأرجنتين، و (96) ألفا في البرازيل، وفي المكسيك يوجد (40) ألف يهودي. وفي شمالي إفريقيا طرأ انخفاض كبير في عدد اليهود، ليصبح بحدود خمسة آلاف يهودي فقط مقابل (83) ألفا في العام 1970 في جنوب إفريقيا فقد بقي من أصل (124) ألف يهودي في العام (1970) ما مجموعه (72) ألف يهودي فقط. وفي دول آسيا أيضا سجل انخفاض كبير، فمن أصل (100) ألف يهودي كانوا يعيشون في القارة الآسيوية عام (1970) لم يتبقَ منهم سوى (20) ألف نسمة فقط، أغلبيتهم الساحقة في إيران.

أما في الولايات المتحدة الأميركية، فقد بقي عدد اليهود ثابتاً بشكل تقريبي، كذلك في دول أوروبا الغربية حيث يتواجد في المنطقتين مايقارب (5.6) منهم نحو (490) ألفا في فرنسا، و(295) ألفا في بريطانيا ونحو (120) ألفا في ألمانيا. أما في استراليا ونيوزيلندا فقط طرأ ارتفاع في عدد اليهود حيث بلغ وفق إحصاءات الوكالة اليهودية المنشورة مؤخراً نحو (111) ألفا مقابل (70) ألفا في العام (1970). ومقابل الانخفاض في عدد اليهود الذين يعيشون في العالم، تضاعف عدد السكان اليهود في إسرائيل منذ العام 1970، التي باتت تضم نحو (40%) من إجمالي السكان اليهود في العالم. وحسب رئيس الوكالة اليهودية، زئيف بايلسكي.


تراجع الفكرة

وبالطبع فان أحد أسباب انخفاض عدد يهود في العالم يعود للهجرة التوسعية الاستيطانية إلى فلسطين المحتلة، ولكن هناك أسباباً قطعية جديدة بدأت تتحدد بالنسبة ليهود أوروبا والولايات المتحدة مع تراجع الفكرة الصهيونية، وتراجع سطوتها وحضورها داخل أوساط اليهود في العالم (حتى ولو بشكل بطيء لكنه متواصل) الذين لم يعد يروا بأن إسرائيل نقطة اجتذاب لهم، كذلك باقي يهود العالم، حيث برز على السطح وبقوة عامل (التمثل والاندماج)، فقد بلغ معدل التمثل في الولايات المتحدة نحو (50%)، وفي غربي أوروبا نحو (45%). ازدياد ميل اليهود للاندماج في مجتمعاتهم الأصلية وفي المحيط الذي يعيشون فيه. ومن هنا فان (50%) من يهود الولايات المتحدة متزوجون زواجا مختلطاً، كما تشير المعطيات بأن (50%) من الشباب اليهودي في الولايات المتحدة لا يهمهم مصير إسرائيل، بينما نجد أن نسبة (20%) فقط من يهود دول الاتحاد السوفياتي السابق يحافظون على المضامين اليهودية، كما يشير الاستطلاع الى أن نصف يهود الولايات المتحدة اندمجوا وباتوا يوجدون في مراحل متقدمة من الاندماج. ولا سيما في ضوء الميل الشديد للزواج المختلط تراجع الشعور بالانتماء والأهمية بالنسبة «لإسرائيل» خصوصاً لدى الأجيال الشابة الأمر الذي اعتبره البعض مؤشراً على اضمحلال الجمهور اليهودي المؤيد والداعم لإسرائيل في الولايات المتحدة الأميركية، ومؤشراً على نجاح الاندماج والتماثل اليهودي في المجتمع الأميركي الذي زادت نسبة الزواج المختلط فيه بين اليهود والديانات الأخرى إلى أكثر من (50%) الأمر الذي يفسر تراجع مستوى الشعور بالانتماء، بما يعنيه من تراجع نسبة التأييد والدعم لدولة إسرائيل ورؤية أهمية وجودها وبقائها، فقد تبددت قوة جذب إسرائيل معظم الهجرات اليهودية تمت بفعل سيل الدعاوى الصهيونية وتجاوب معها قطاعات من يهود العالم بسبب تكرار الدوافع التي رفعتها الحركة الصهيونية (اضطهادات، مظاهر اللاسامية، الوضع الاقتصادي الصعب، قوة جذب اقتصادية إلى فلسطين).

التمثل والميل للزواج المختلط

وتوالدت مع ظاهرة (التمثل) لدى يهود العالم، ازدياد الميل للزواج المختلط عند يهود إسرائيل ذاتهم مع توالد ظاهرة الإسرائيليين المهاجرين من إسرائيل للإقامة في الخارج، حيث تشير المعطيات الإسرائيلية ذاتها التي نشرت مؤخراً إلا أن عدد الاسرائيلين في الخارج في ازدياد مستمر ومتواصل وفقا لتقدير مجلس الاستيعاب الإسرائيلي يعيش في أرجاء العالم اليوم (700) ألف إسرائيلي سابق مع أولادهم. الذين باتوا يبتعدون عن الحفاظ على هويتهم الإسرائيلية لصالح تبني الهوية المحلية حيث يقيمون، والابتعاد بصورة ملموسة عن الثقافة الإسرائيلية والصهيونية، وكلما كانت فترة وجودهم في الخارج أطول ضعفت صلتهم بإسرائيل. كما أن إجادتهم للغة العبرية اقل درجة، كما أن الأغلبية منهم يحملون الجنسية الأميركية». وعليه فان بعض علماء الاجتماع الإسرائيليين يرجعون ذلك إلى أن الإسرائيليين في الخارج ربما لا يعود لديهم عندما ينتقلون للخارج «عدو حقيقي» يواجهونه لذلك تبدأ هويتهم في الاختفاء، حيث يتوزعون جغرافياً في الشرق الأقصى نحو (2214) إسرائيليا، وفي أوربا (101.575) وفي أميركا الشمالية (538700) وفي إفريقيا (16360) وفي استراليا (20,000) وفي أميركا الوسطى والجنوبية (12643) ليصبح المجموع في أرجاء العالم (691492) إسرائيليا.

من هنا، ان من الواضح بأن إحدى المشاكل الصعبة التي تؤثر على العلاقة بين يهود أميركا وإسرائيل تتمثل في ولادة ظاهرة التماثل عند يهود الولايات المتحدة، وما تعنيه من زواج مختلط، حيث تبلغ نسبة الزواج بين اليهود وغير اليهود في العالم إلى (50%) واحياناً إلى (80%) في بعض المدن الأميركية وفق العديد من المصادر التي استقت معلوماتها من مراكز البحث المتخصصة في الولايات المتحدة. فالزواج المختلط والذوبان في المجتمعات الأصلية المحلية بات عاملاً مؤثراً جداً في تناقص أعداد اليهود في العالم، وهو ما أدى الى تزايد انصهار اليهود في موطنهم الأصلي داخل في المجتمع الأميركي، وبالتالي تراجع أعداد اليهود في الولايات المتحدة وفي العالم بشكل عام، وتراجع درجة التصاقهم بإسرائيل، خصوصاً مع صورتها التي بانت واضحة لقطاعات من اليهود في العالم بعد العدوان على قطاع غزة العام الماضي، إضافة الى انخفاض عدد الشبان المشاركين في مؤتمر المنظمات اليهودية في أميركا الشمالية، بسبب انخفاض الميزانية لهذا العام.

نضوب الخزان

لقد تآكلت قوة الجذب أكثر فأكثر، فتراجعت الولايات المتحدة عن كونها خزاناً للطاقة الكامنة للهجرة اليهودية إلى فلسطين، فقد جاء منها في العام (2007) على سبيل المثال نحو (2,600) يهودي فقط، كذلك بدأ المستودع الروسي بالنضوب، فيهود الاتحاد السوفياتي سابقا، والذين اعتبروا كمصدر كامن كبير لتعزيز الانقلاب والتحول الديمغرافي على أرض فلسطين التاريخية، كفوا عن الهجرة، ليصل من هذا المصدر نحو (6,600) يهودي فقط إلى إسرائيل عام (2007)، حيث يرى رئيس الوكالة اليهودية، زئيف بيلسكي، في الحياة المريحة التي يعيشها غالبية اليهود في الخارج دافعاً لهذه المواقف حيث أن (90%) من اليهود في العالم يعيشون في بلاد مستواهم المعيشي فيها أعلى من المستوى المعيشي في إسرائيل، مثل الولايات المتحدة ومن ثم فرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية. بل وأضحت إسرائيل من وجهة نظر بعض القطاعات اليهودية الثرية في العالم، دولة من الخطر العيش فيها ووجودها موضع شك، بينما يعتبرها البعض الأخر من اليهود، بلاد لجوء لحين الضائقة، فزالت عند قطاعات من اليهود الصفة التي كانت ترى إسرائيل نفسها فيها، وتستند إليها في تحشيد اليهود وراءها كموطن السلامة اليهودية. ومن المعروف أنه في موجة الهجرة اليهودية السوفياتية الكبيرة إلى إسرائيل في التسعينيات من القرن الماضي، وصل إلى الدولة العبرية حوالي «17» ألف عالم وخبير كما تشير العديد من المصادر، وهي هجرة انفتحت بأوسع أبوابها قبيل وبعيد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، حيث وصل الى فلسطين المحتلة بحدود مليون يهودي من دول الاتحاد السوفياتي السابق، وهي اكبر موجات الهجرة الاستيطانية التهويدية في تاريخ إسرائيل قبل وبعد نشوئها على أنقاض الشعب الفلسطيني وأرضه الوطنية. حيث تراكمت وفاضت أرقام هجرة اليهود الروس باتجاه فلسطين المحتلة، فوصل خلال الفترة (1990 - 2000) نحو مليون يهودي، بينما كان المتوسط القياسي خلال سنوات ثمانينيات القرن الماضي «15» ألفا سنوياً وفي السبعينيات «70» ألفا سنوياً. حيث كانت الهجرة الاستيطانية الكبرى ليهود الاتحاد السوفياتي خلال الفترة التي تلت تفكك الاتحاد قد ساهمت بأكثر من (67 %) من إجمالي الزيادة السكانية اليهودية على أرض فلسطين التاريخية خلال الفترة المذكورة. بينما تراجعت بعد ذلك ليسود الحديث عن تدني منسوب الهجرة الاستعمارية الصهيونية إلى فلسطين خلال السنوات العشر الأخيرة، مفتوحاً وبلا نهاية داخل إسرائيل، حيث تحتل عملياً رأس سلم أولويات مراكز القرار، التي تدعو (ليل نهار) كل يهود العالم إلى الهجرة والقدوم نحو الدولة العبرية والاستيطان فيها في مناطق القدس والضفة الغربية وعموم فلسطين المحتلة عام 1948 على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية.

 

انشر عبر