شريط الأخبار

"اسرائيل" من اصطناع فكرة قومية الى دولة يهودية ..علي بدوان

08:35 - 20 حزيران / أكتوبر 2010

"اسرائيل" من اصطناع فكرة قومية الى دولة يهودية ..علي بدوان

يأتي التصعيد الإسرائيلي الأخير من خلال اقرار مجلس الوزراء الصهيوني لمشروع قرار «المواطنة» ورفعه للكنيست في سياقات معلومة ومعروفة، ليس أقلها مقايضة الطرف الفلسطيني بالتجميد المؤقت لعمليات التهويد والاستيطان مقابل اعترافه بـ «يهودية الدولة»،وهو اعتراف تريد الدولة العبرية الصهيونية من خلاله، اهالة التراب على حقائق الصراع، وعلى عناصره الأساسية المتعلقة بعملية الاجتثاث القومي والوطني للشعب الفلسطيني، وانهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين ورميها نحو النسيان، عدا عن التأثير على الوضع العام لما تبقى من أبناء فلسطين داخل مناطق العام 1948، عبر اقرار مبدأ تبادل السكان وتبادل الأراضي.

هرتزل ومعاكسة التاريخ وتحويل الدين إلى قومية

فحكومة نتانياهو التي ابتدعت واجترحت عبقريتها عنوان «يهودية الدولة» وقانون «المواطنة الجديد»، تريد تحقيق جملة من الأغراض تحت ستار «يهودية الدولة» و«الولاء لها»، بالرغم من ادراك الجميع بأن مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل لم يكن ليتصور بأن الدوافع الدينية يمكن لها أن تقرر المصير النهائي للدولة العبرية الصهيونية كما ينادي ويسعى وينظّر الآن أقطاب كافة الأحزاب والقوى الإسرائيلية الصهيونية بما فيهم عتاة أحزاب مايسمى بـ «اليسار الصهيوني»، فقد كان هرتزل علمانياً في قرارة نفسه، وشخصاً براغماتياً على طول الخط بالنسبة لرؤيته للعامل الديني مستنداً في فلسفته إلى تربيته الأوربية الغربية التي أعطته ومنحته جرعات من (الدينامية) العالية في تجيير واستغلال العوامل الممكنة وخصوصاً منها العامل الديني لصالح بناء النظرية وفلسفة الأيديولوجية الصهيونية وسعيه لبناء الدولة الإسرائيلية الصهيونية، حيث كان قد أشار في كتابه الشهير «دولة اليهود» قائلاً«سنعرف كيف نبقي رجال الدين في كُنسهم.. الجيش والكهنة سيلاقون احتراماً كبيراً.. ولكن ليس من حقهم التدخل في شؤون الدولة».

هرتزل لم يكن في حينها يقصد الحاخامات اليهود فقط، فخلال ارتكازه على نماذج قومية معروفة سعى إلى احداث تغيير في مكانة ما أسماه «الشعب اليهودي» وتحويله خلال تواتر عداد الزمن، من دين إلى قومية. فقد أدرك مبكراً بأن اليهودية ليست قادرة على لعب دور القاسم المشترك للدولة خلافاً للمسيحية الهيكلية، فالوجود اليهودي التقليدي المبعثر في كيانات قومية مختلفة لايمكن له أن يصفو تحت علم الديانة اليهودية إلى مقام القومية الراسخة، فاشتق طريق النظرية الصهيونية، بالرغم من أن الدولة الإسرائيلية بصيغتها الراهنة حددت للدين مكاناً مؤسساتياً وسمحت بوجود ونشاط التيارات الدينية الغارقة في رواية الخرافة اليهودية، وبالتالي ضعفت وتراجعت بنية (الدولة/الكيان) أمام البنى المجتمعية/الدينية والخطاب الخلاصي/الشوفيني الذي بات منهلاً لاينضب عند قوى اليسار الصهيوني واليمين التوراتي على حد سواء، فالقومية المدنية المزعومة داخل «كيان دولة إسرائيل» أخلت مكانها عملياً لهيكلية «يهودية»، ستزداد قوة تصادمها لاحقاً مع مشروع الحل الناجز للقضية الوطنية للشعب الفلسطيني في سياق كفاح الفلسطينيين داخل المناطق المحتلة عام 1948.

وقبل ذلك، ذهب فيلسوف «الدولة اليهودية» تيودور هرتزل في تصديره لرؤيته إلى الارتكاز على نماذج قومية معروفة، سعى من خلالها إلى احداث تغيير في مكانة الدين اليهودي، ساعياً لتحويله من «دين محدود الانتشار في أوربا وبلدان الشرق الأوسط إلى قومية متجددة»، وباعتبار أن اليهودية عاجزة عن لعب دور القاسم المشترك في بناء الدولة، وفق مفهومها الحديث والمعاصر.

لقد أدرك هرتزل مبكراً، بأن الوجود اليهودي التقليدي بتنوعه القومي المبعثر في كيانات ومنظومات دول مختلفة بين آسيا وأوربا الشرقية والغربية، وقسم من القارة الأميركية في الشمال (الولايات المتحدة، كندا..) وفي الجنوب (الأرجنتين، البرازيل..) لايمكن تجميعه وصهره في بوتقة واحدة دون ابتداع أشكال من اصطناع «النظريات المفتعلة». وعليه نجحت صهيونية تيودور هرتزل في لحظة تاريخية ومناخ مناسب لها، فكانت وليد طفرة جانحة كرستها في العرف الدولي الراهن كقومية متحررة من الهيكلية المبعثرة.

 

لكن صيرورة الأشياء، والنشأة الطافرة للدولة الإسرائيلية الصهيونية تطلب بالضرورة ادامة الارتكاز الصهيوني على فكرة (الدين) والتغذي من وعاء الميثولوجيا التوراتية، لتصبح الصهيونية عقيدة سياسية تجسّدت في ممارسة تاريخية ذات أهداف محدّدة تمثّلت في انشاء دولة إسرائيل على أسس دينية عنصرية استعمارية استيطانية اجلائية، فليس من السهل تشبيه الصهيونية، كعقيدة سياسية، بسائر العقائد السياسية كالشيوعية والرأسمالية. ومن هنا فقد واجهت إسرائيل اشكالية واضحة بالنسبة لهوية الدولة، فشهدت توترات وصراعات لعبت دوراً في خلق هذه الاشكالية، بسبب التنوع الثقافي والعرقي فيها، وزيادة حدة الاستقطاب بين الدينيين والعلمانيين.

في الخريطة الدولية في العالم المعاصر

تقف الدولة العبرية الصهيونية باعتبارها الدولة الوحيدة التي تعرّف نفسها كدولة (ديمقراطية) و(دينية) في الوقت ذاته بالرغم من التنوع السكاني القومي والديني في تكوينها العملي (السكان الأصليون من المواطنين العرب الفلسطينيين، وقوميات أوروبية وآسيوية من يهود العالم قاطبة، فضلاً عن الأقليات القومية التي كانت في فلسطين قبل انشاء الدولة الإسرائيلية الصهيونية مثل الشركس والأرمن والبوشناق..). فإسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي تأسست على خلفية «رواية ميثولوجية» مسنودة بقرار دولي، هو القرار 181 (قرار التقسيم) الذي جاء في لحظة نادرة لخصت الفترة الحرجة أثناء وقوع التحولات الكبرى في المنظومة الدولية، كحاصل تفاهم والتقاء وتوافق للمصالح الاستعمارية الكبرى مع انقشاع سحب الحرب الكونية الثانية (1938ـ 1945).

وعليه، فالدولة الإسرائيلية حددت للدين مكاناً مؤسساتياً، وعملت على تغلغل التيارات الدينية في التعليم، وبالمقابل ضعفت وتراجعت أمام البنى (المجتمعية/الدينية) مكونات (الخطاب الخلاصي/الشوفيني) الذي دأب على ترديده آباء الصهيونية على حساب القومية المدنية بحدودها الدنيا، الأمر الذي خلق حالة الازدواجية والانفصام في دولة يدعي مؤسسوها بأنها ديمقراطية وفي الوقت ذاته دينية وعنصرية بل وفاشية.

وفي أساس الوضع المتفجر تبرز العبارة الموجودة فيما يسمى وثيقة الاستقلال التي أعلنها ديفيد بن غوريون ليلة(14/5/1948) وفيها أن إسرائيل تعتبر نفسها دولة يهودية وديمقراطية، وهذه هوية لا تخلو من التناقض الداخلي «دولة ترى في نفسها تجسيدا للنهوض والانبعاث القومي للشعب اليهودي ليس بامكانها أن تنظر بتساهل ولامبالاة إلى أبناء البلد الأصليين» لذلك فان الممارسات العنصرية الصهيونية داخل كيان الدولة العبرية تدفعها للقيام باتخاذ التدابير والوسائل غير الديمقراطية من اجل حماية لبابها وروايتها التوراتية الميثولوجية.

فكل الأحزاب الإسرائيلية الصهيونية مازالت تصرعلى المبدأ الأساسي الرئيس، وهو ضمان الهوية اليهودية للدولة العبرية، وهي فجوة كبيرة غير قابلة للجسر أو الترقيع داخل كيان الدولة الإسرائيلية بين المواطنين الفلسطينيين العرب أصحاب الوطن الأصليين وبين جموع المجتمع الاستيطاني اليهودي على أرض فلسطين التاريخية، وهي فجوة تبشر حال استمرارها بتكريس الشرخ اليهودي/العربي القائم في داخل حدود دولة إسرائيل، وذلك بالرغم من محاولة البعض من الجيل الثالث من قيادات الصف الإسرائيلي كما حال تسيبي لفني التي تابعت موقفها على المنوال الذي سعت اليه إسرائيل في «أسرلة ودمج وتذويب الهوية الوطنية لفلسطينيي الداخل المحتل عام 1948» حاولت التخفيف من حدة الموضوع والقول بأن «اقامة الدولة الفلسطينية قد تُلبي احتياجات عرب إسرائيل القومية من خلال افساح المجال للتضامن والتماثل معهم»، بينما تنحو بعض الأوساط البراغماتية الإسرائيلية المحسوبة على تيارات اليسار الصهيوني ومن داخل حزب العمل وكتلة «ميرتس» تحديداً للقول «من الأفضل التركيز على توفير حلول عملية للضائقة التي يعاني منها الوسط العربي بدلا من التمحور حول القضايا الأيديولوجية المبدئية» بينما يقول يوسي بيلين من قيادة كتلة ميرتس المحسوبة ايضاً على تيارات «اليسار الصهيوني» بلغة مليئة بالديماغوجيا بأن «إسرائيل تستطيع أن تكون دولة يهودية، وفي نفس الوقت دولة لكل مواطنيها»، بينما يقول زعيم حزب «شاس» اليميني التوراتي ايلي يشاي «أنه لا يوجد تناقض على المستوى الديمقراطي بين ضمان طابع الدولة اليهودي وبين وجود الأقلية العربية»، وعند الاتجاهات الأكثر يمينية نجد اليهودي الروسي المستوطن على أرض فلسطين وزعيم حزب «إسرائيل بيتنا» افيغدور ليبرمان الذي لا يؤمن بالتعايش ويعتقد أن كون إسرائيل يهودية أهم من كونها ديمقراطية، ومن هنا تصبح التفرقة ضد المواطنين الأصليين من أبناء البلد من الفلسطينيين العرب فيها مسألة مبررة مع تواصل النظر اليهم كتهديد اذا لم يكن أمنياً فديمغرافياً. وفي كل الحالات، ان الوقائع الدامغة أثبتت أن المواطنين العرب داخل فلسطين المحتلة عام 1948 مع تقبلهم «الانصياع لقوانين الدولة العبرية رغما عنهم مع تسليمهم بوجودها في ظل تناسب القوى بين الطرفين»، الا أنهم لم ولن يكونوا مستعدين للتماثل معها وتنمية مشاعر الولاء تجاهها، وعليه فان مبادرات ملحوظة تتأتى في سياق البرنامج الكفاحي لأبناء الوسط العربي الفلسطيني داخل حدود العام 1948 لفضح وتعرية طبيعة دولة إسرائيل والنزعة العنصرية التي تحكم بناءها، عبر الدعوة إلى استبدال الدولة الصهيونية بـ «دولة لكل مواطنيها» والمطالبة بحقوق العرب أبناء البلد الأصليين بما في ذلك تغيير الرموز مثل العَلَم والنشيد.

 

انشر عبر