شريط الأخبار

مخنوقون- معاريف

12:10 - 17 تموز / أكتوبر 2010

مخنوقون- معاريف

بقلم: أفيف لفي

(المضمون:  قصة قرية الولجة المأساوية جنوبي القدس - المصدر).

 أمسكت الجرافات بأحمد برغوث غير جاهز. ذات صباح، قبل نصف سنة، ظهرت خلف التلة وبدأت تجتث كرم الزيتون الجميل الذي يمتد على مدى السفح أسفل بيته. 88 شجرة زيتون كانت له اقتلعت لاخلاء السبيل لجدار الفصل، شجر مثمر اقتلع. مشهد عتيق – الاف سني الزراعة، الشرفات، الحدائق العتيقة – تحول دفعة واحدة الى موقع عمل مغبر، تكثر فيه الآليات الضخمة.

        القصة عن سور الخنق الذي يبنى هذه الايام أمام نوافذ سكان الولجة، قرية فلسطينية صغيرة تقع امام جبل غيلو في الاطراف الجنوبية للقدس الموسعة، ليست قصة اخرى عن فلسطينيين يحتجون على جدار الفصل. هذه قصة تحالف مميز، من الحائط الى الحائط، حكومة وحدة ثنائية القومية حقيقية، تبذل كل ما في وسعها لتمنع بناء الجدار. في قائمة المعترضين يوجد الواحد الى جانب الاخر فلسطينيون، مستوطنون، بلدية القدس، شركة حماية الطبيعة بل ووزارة حماية البيئة، الوزير الذي يقف على رأسها كما هو معروف ليس مشبوها باليسروية الزائدة. لهذا الجدار يوجد مشتكون من كل صوب محتمل، ولكن مؤيد واحد فقط: وزارة الدفاع. غير أن وزارة الدفاع هي التي تقرر.

        في آخر شارع سايفن في القدس، على أطراف تلة مسوءا، توجد نقطة رقابة رائعة. ابراهام شكيد، رجل القدس من شركة حماية الطبيعة، يطل على سهل ناحل رفائيم الذي يمتد على مدى البصر ويتأوه. فهو يعرف على نحو حميم كل المدرجات الصخرية في المنطقة، كل نبع. وهو يقول: "هذه المشاهد يمكن أن نراها في كل جبال يهودا. ولكن هنا لا تزال تعيش. يقومون اليوم بالزراعة على الشرفات التي بني بعضها منذ عهد الهيكل الاول. كل التراث الثقافي والتاريخي لشعب اسرائيل وللشعوب في المنطقة يتركز هنا".

        المرج جميل، ولكنه جريح. مع ظهور اتفاقات اوسلو شق فيه طريق، قبل بضع سنوات نظمت لنفسها قوات الامن درب ترابي آخر. ولكن كل هذا يتقزم مقابل الجرح الهائل الذي يفتح فاه الان على السفوح الخضراء. ويفحص شكيد الاليات التي تمهد التربة على شرف الجدار فيقول: "حين رأيت المسار المخطط أظلمت عيناي. يأخذون كيانا مشهدي، طبيعي وثقافي واحد ويقطعونه بحاجز مأطوم. من ناحية بيئية هذه مصيبة. في ضوء الوضع الخطير في العالم، فقد اعلنت الامم المتحدة عن العام 2010 كعامل الحفاظ على تنوع الاجناس، وكي يتم هذا الحفاظ هناك حاجة لتواصل للاراضي المفتوحة. عندما تضع هنا سورا فانك تقطع كل شيء، ولا يوجد صلاح لذلك. من شدة الحروب على البلاد الخيالية الغيبية، يمزقون البلاد الحقيقية والجميلة".

        مهم منع مصيبة بيئية، ولكن مهم أيضا منع مصيبة أمنية.

        "نحن لسنا ضد الامن. كل من يرى مسار الارض المنحدرة، بمن في ذلك الكثير من خبراء الامن يفهمون بانه يمكن مراقبتها بوسائل الكترونية، نقاط رقابة وأجهزة التقاط. فضلا عن ذلك، متى انطلقت عملية من هنا في المرة الاخيرة؟".

        كافكا في القرية

        الجميع ظن أنه لن يكون جدار في الولجة. قبل أربع سنوات المح الجهاز بان الجدار على الطريق، تسارع الفلسطينيون الى المحكمة فعلقت القصة. ومنذ ذلك الحين كان يخيل أن الدولة نفسها نسيت هذه القصة. كل متر من الجدار يكلف الكثير من المال، وكان هناك احساس بان احدا ما في القدس فضل وضع المخططات في الجارور وابقائها هناك. الى أن جاء ربيع 2010، ومعه الجرافات.

        مع نهاية نيسان اصطدم ميدانيو شركة حماية الطبيعة بالاليات التي تكسح الجبل واصيبوا بالذهول. روعي سيمون من سكان كفار ادوميم ومدير مدرسة سديه عوفرا، بدا في حينه عاصفا حين بلغ هاتفيا عن التطورات. وقال: "من الصعب على المرء ان يرى ذلك. فهم يدمرون كل شيء، هذا زائد ولا داعي له جدا". وقد ارتفع الاحتجاج الى الاعلى فبلغ مكتب وزير حماية البيئة، جلعاد أردان. فبعث اردان برسالة شديدة اللهجة الى وزير الدفاع ايهود باراك. وكتب اردان يقول: "مشهد الزراعة المتدرجة العتيقة وصف كأحد خمسين مشهد ثقافي في اسرائيل في عمل مشترك لسلطة الطبيعة والحدائق واللجنة الاسرائيلية لليونسكو. الاشغال توقع دمارا بالمدرجات الزراعية التي تعود الى مئات السنين. منشآت زراعية وشبكات مياه عتيقة وتمس مسا بضربة قاضية بمشهد التراث العبري، الاسرائيلي والعالمي".

        وذكر اردان انه في شباط من هذا العام قررت حكومة اسرائيل خطة وطنية للحفاظ على مواقع التراث، وخصصت لصالح القضية مبلغا كبيرا. فكيف بالضبط يستوي تدمير جدول ناحل رفائيم مع هذا القرار؟

        ولكن توجد أمور أهم حتى من الاشجار، المنظومات البيئية ومشاهد التراث. الناس مثلا. يخيل أنه لا يوجد ذرة في النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني تجاوزت سكان الولجة. فالقرية ذات الـ 2.500 نسمة تنطوي قصتها على كل المفارقة المريرة الكامنة في الحروب بشكل عام وبهذه الحرب بشكل خاص.

        حتى العام 1948 كانت الولجة في الجانب الغربي من الخط الاخضر، في المكان الذي توجد فيه اليوم موشاف عميندوف. وفي اثناء الحرب هرب سكان القرية الى اراضيهم الزراعية التي امتدت على مدى كيلو مترات خلف ما اصبح لاحقا الخط الاخضر وسكنوا فيها. حتى العام 1967 عمل معظمهم في الزراعة، ولكن بعد حرب الايام الستة صودرت قرابة نصف الاراضي الزراعية للقرية في صالح بناء هار غيلو وحي غيلو. وتوجد القرية بأسرها خلف الخط الاخضر، ولكن بعد الحرب ضمت نحو ثلث اراضيها في الاراضي البلدية للقدس وضمت الى اسرائيل. كان هذا مؤشر لبداية مسرح العبث: خلافا لباقي الاحياء في شرقي القدس التي ضمت، فان سكان الولجة لم يعترف بهم أبدا كسكان القدس وواصلوا حمل الهويات البرتقالية للفلسطينيين من سكان يهودا، السامرة وغزة. وهكذا نشأ وضع بات فيه في القسم الشمالي من القرية – التي توجد ضمن نطاق حكم بلدية القدس – سكان الولجة يعتبرون ماكثين غير قانونيين في منازلهم هم. وذلك لان المنازل توجد في اسرائيل اما سكانها ففلسطينيون.

        توريد المياه، وكذا خدمات اخلاء القمامة والمجاري، يتلقونها في الولجة من السلطة الفلسطينية، قضاء بيت لحم. اما من بلدية القدس فيتلقون على مدى السنين خدمة مميزة: هدم المنازل (في السنة الاخيرة توقفت اعمال الهدم بسبب الحساسية السياسية). في القدس كما هو معروف، محظور البناء بدون ترخيص. والحصول على رخصة بناء، بالمقابل، هي مهمة مستحيلة لسبب بسيط: بلدية القدس لم تكلف نفسها ابدا عناء وضع مخطط هيكلي للقرية. وبدون مخطط هيكلي لا يمكن البناء. كفكا، كما ينبغي أن نعترف ما كان يمكن ان يصيغ هذا على نحو أفضل. واذا لم يكن هذا بكاف لسكان القرية، فقد جاء الجدار.

        انه الطريق، يا حبيبي

        عند مدخل الولجة يقف على حاله مقطع طويل من السور. في الجانب المتجه نحو هار غيلو – بين البلدتين اللتين يفصلهما عدة عشرات الامتار – مغطى بالحجر المقدسي الجميل؛ في الجانب المتجه نحو الولجة – اسمنت قاتم، مكشوف ومثير للاكتئاب.

        احمد برغوث، ابن 63، يبدو أكبر مما توحي به سنوات عمره. وهو يتحدث العبرية بطلاقة. لديه الكثير من الاصدقاء في اسرائيل ولا سيما في القدس، حتى 1995 عمل كمقاول بناء في المدينة وبنى منازل لاصدقائه الاسرائيليين. اراضيه ، 35 – 40 دونم، ورثها من أبيه وجده. عندما تلقى لاول مرة البلاغ عن الجدار الذي على الطريق لم يفهم بانه سيمر على قطع اراضيه. "كانت على الخريطة خطوط حمراء سميكة جدا، لم يكن بوسعي أن اعرف بان هذا بالضبط هنا".

        "بالضبط هنا" هذا وصف جيد. فالجدار يمر 30 مترا عن نوافذ بيت عائلة برغوث، يقطع اراضيها. ما تبقى ايضا – حديقة الخضروات مع الفلفل والباذنجان، داليات العنب، عدة اشجار زيتون وفواكه – امتلأت بالغبار من الاشغال، وتظهر الاشجار علائم الضائقة الشديدة؟ لغسلها على اساس يومي مطلوب كميات كبيرة من المياه ولا يمكن لبرغوث أن يصمد امام هذه النفقات. ولولا انه وقف امام الجرافات والتمس الى المحكمة، لكانت سحقت قبور ابويه وجدته التي توجد في السفح. للوصول الى قطعة الارض العائلية يحتاج هو الى استغلال لحظات التوقف في الاشغال واجتياز الدرب الترابي. ماذا سيحصل عندما سيقف السور؟ الله اكبر.

        عندما سئل برغوث اذا كانت التعويضات التي يفترض ان يحصل عليها لقاء الاراضي المصادرة، ستحسن الوضع تحفز قائلا: "غير مستعد لتلقي التعويضات. لم ابع الاراضي وبالتالي لست مستعدا لتلقي المال. أخذوها مني بالقوة. أسمعتم ذات مرة عن احد ما اغتصب وهو مستعد لان يتلقى تعويضات؟" البرغوث ليس الوحيد في الولجة الذي يتابع بتشاؤم متزايد بناء الجدار. عندما يستكمل بناؤه ستكون القرية في شبه حصار. الجدار عمليا سيحوط بها من كل جانب، سيفصلها عن معظم اراضيها الزراعية وسيبقيها مرتبطة بالعالم من خلال طريق واحد يخرج نحو بيت جالا. "هذا هو الطريق يا حبيبي"، يجمل برغوث، "هذا هو القمع".

تيرزا أ ، تيرزا ب

        الملجأ الاخير الذي يتطلع اليه سكان الولجة هو المحكمة العليا. مع بدء الاشغال رفعوا التماسا وطلبوا وقف اقامة الجدار بدعوى أن المسار ضار، وان مصادرة اراضيهم تمت بواسطة اوامر نفد مفعولها. كرد رفعته الى المحكمة الدولة رفضت فيه الحجتين. في بداية الشهر القادم يفترض بالقضاة أن يصدروا قرارهم. في اثناء المداولات القضائية تبين أن بلدية القدس ايضا تعارض مسار الجدار، الذي سيفصل بينها وبين منطقة هي، حسب فهمها، جزء من لحمها. وبزعم البلدية، فان سكان هار غيلو – الذين هم سكان المدينة – يعارضون اقامة السور. ظاهرا، سكان هار غيلو كان يفترض بهم أن يكونوا المؤيدين الاكثر حماسة للجدار – إذ انهم يوجدون في الخط الاخضر امام تسلم محتمل لمنفذي العمليات؛ غير أن الوضع الامني كما يبدو على ما يرام بما فيه الكفاية. وبالمقابل، عندما اشترى رجال هار غيلو الفيلل الفاخرة التي تطل على مشهد الشرفات ذي الجودة الفائقة لم يأخذوا بالحسبان ان بينهم وبين كل هذا الجمال سينشأ فجأة سور. في وثيقة رفعتها الى المحكمة تدعي بلدية القدس بان "طبيعة العائق يخرب النسيج البيئي، المشهديّ، الحيواني والنباتي في المنطقة، والذي تطور على مدى الاف السنين ويشكل بؤرة اجتذاب لمحبي الطبيعة، هواة التاريخ والاثار ومحبي البيئة. خط المشهد المميز للقدس تغير بشكل لا مرد له في الشمال وفي الشرق. يجب أن نتعلم من ذلك وان نوقف هذا الميل في جنوب القدس".

        في هذه المرحلة، وكأن القضية ليست معقدة بما فيه الكفاية، دخلت الى الساحة جهة اخرى: مجموعة من الاسرائيليين التي تتطلع الى ان تقيم على سفوح جدول رفائيم مستوطنة جديدة، بالغة الحجوم، تسمى جفعات ياعيل. وبزعم رجال المجموعة فقد اشتروا قانونيا اراض تمتد على مساحة 2.000 دونم في المنطقة واقامة الجدار في المسار الحالي سيقوض مخططاتهم وسيمس برؤيا البلدة الجديدة التي ستضم ما لا يقل عن 13 الف وحدة سكنية وتشكل حلقة تربط بين القدس وغوش عصيون. لاسناد موقفهم جند رجال جفعات ياعيل لاعب تعزيز غير متوقع: العقيد المتقاعد داني تيرزا.

        تيرزا، من لا يعرفه، كان على مدى السنين "سيد سور" لجهاز الامن. فقد ترأس مديرية جدار الفصل، صمم مساره ودافع عنه عشرات المرات في المحاكم بدعوى أن الحاجة الامنية تقدس كل شيء. اما اليوم فهو متقاعد من جهاز الامن يقدم خدمات الاستشارة، ويتبين أنه غير رأيه. في فتوى صاغها بناء على طلب من رجال جفعات ياعيل ورفعت الى المحكمة يشرح بحماسة لماذا المسار الحالي ليس حيويا من ناحية امنية ويقترح نقله الى مسار آخر. الان تبقى فقط القرار من المحق: تيرزا أ أم تيرزا ب.

        في اليوم الذي سيحاول فيه رجال جفعات ياعيل – اذا ما حل مثل هذا اليوم – تحقيق مخططات البلدة الجديدة، فانهم سيجدون أمامهم سكان الولجة، رجال شركة حماية الطبيعة ويبدو أيضا وزارة حماية البيئة. ويقول ابراهام شكيد من شركة حماية البيئة ان "اقامة بلدة هنا تعد مصيبة اكثر بكثير من اقامة الجدار". زمن هذه الحرب لا بد سيأتي ولكن في هذه الاثناء كل المشاركين المستقبليين بها يقفون فيها معا كتف الى كتف امام محكمة العدل العليا، وينتظرون بحبس للانفاس ان تتوقف الجرافات عن العمل تحت نافذة احمد برغوث.

انشر عبر