شريط الأخبار

دراسة إستراتيجية :القاعدة تبحث عن طريقة للاقتراب من إسرائيل وحدودها

09:43 - 07 تشرين ثاني / أكتوبر 2010


دراسة إستراتيجية :القاعدة تبحث عن طريقة للاقتراب من إسرائيل من حدودها

بقلم: يورام شفايتسر

        تنحصر هذه المقالة في تحليل الاخطار الحالية التي تتعرض لها مصالح اسرائيل في البلاد والخارج (وفي ضمن ذلك المصالح اليهودية في الخارج) من القاعدة وشركائها. ومن أجل تمييزها سنفحص باختصار عن عقيدة هذه الجهات، وبعد ذلك ستعرض تعبيراتها العملية مع تأمل نشاطها في ساحات مختلفة في العالم.

        كان التصور العام للقاعدة وشركائها في النهج، أي الجهاد العالمي، وما يزال معاديا لليهود ومعاديا لاسرائيل في جوهره، ولا يختلف عن تصور عناصر أخرى من الاسلام المتطرف سبقتها. فهي ترى أن اليهود جزء من مؤامرة عالمية، يتعاونون فيها مع "الصليبيين" (كما يسمون المسيحيين في لغتهم)، على "المؤامرة اليهودية – المسيحية"، التي انضم اليها على السنين أعداء من "الكفار" المسلمين وعلى رأسهم الشيعة وكذلك "خونة" من المسلمين السنيين. كل هذا المعسكر قاطبة عدو للاسلام يجب قتاله قتالا لا هوادة فيه. وعلى حسب هذا التصور، دولة اسرائيل هي التجسد السياسي للمؤامرة، وهي التي زرعت عمدا في المنطقة كأنها عظم عالق في حلق العالم الاسلامي، ولهذا من الواجب قتالها والقضاء عليها وابعاد اليهود عن المنطقة. السبيل الى فعل ذلك عمليات ارهابية مؤلمة، تفضي بحسب تصورهم الى اضعاف راعيات الدولة اليهودية وعلى رأسها الولايات المتحدة، وتبرهن لجماهير المسلمين ومؤيديهم المحتملين على أنها آخر الأمر دولة ضعيفة زائلة، بخلاف الصورة عنها أنها لا تهزم.

        ظلت الخطابة المسمومة الموجهة الى اسرائيل واليهود بلا تعبير عملي عنها تقريبا. جرى التخطيط فقط لعدد ضئيل من الهجمات على اليهود ولا سيما على أيدي مجموعات وشبكات ارهاب تؤيدها القاعدة في الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الاوسط، جرى ابطال العدد الكبير منها.

        في أواخر سنة 1999 وبدء سنة 2000 بدأ يلوح تغير اتجاه، عبر عن قرار تنظيمي وعن تحسن ملحوظ في قدرة القاعدة التنفيذية على زيادة الجهد الموجه الى اسرائيل. لكن منذ ذلك الحين ايضا لم تصبح هذه الأهداف مركزية عند المنظمة وشركائها. مع ذلك، كلما مر الزمن واتسعت مشاركة القاعدة وشركاؤها في الارهاب  العالمي وازدادت ثقتها بأنفسها، زيدت أيضا جهودها للمس باسرائيل والأهداف التي تناصرها. نبع هذا التغير التدريجي من ادراك قادة القاعدة أن المس الشديد باسرائيل وبالاهداف الموالية لها قد يمنحها تأييد من يتحفظ على نحو عام من الاعمال الارهابية التي لا تفرق والتي تنفذها المنظمة في أهداف عربية وغربية، ولأن مسها بالمسلمين أخذ يزداد على التحقيق.

        إن زيادة النشاط على اسرائيل واليهود بدأ مع محاولة شبكة ارهاب أردنية، موالية للجهاد العالمي، تنفيذ هجوم ارهابي على سياح اسرائيليين وأمريكيين وحجاج في الأردن والمعابر الحدودية بين الاردن واسرائيل، على أن ذلك جزء من "أحداث الألفية"، واستمر بمحاولات المس بأهداف اسرائيل في استراليا زمن الالعاب الاولمبية في سدني (حزيران 2000)، في تلك السنة أرسل الى اسرائيل ايضا نشيط كبير من القاعدة، هو ريتشارد كولفن رد، وهو بريطاني ابن لوالد مهاجر من جمايكا، لجمع معلومات عن أهداف في  اسرائيل ليكون ذلك جزءا من الفحص عن امكان تنفيذ عمليات في اسرائيل عامة والطيران الاسرائيلي خاصة. تبين بعد ذلك أن ريد كان شريكا في محاولة تنفيذ عمل انتحاري في طائرة الخطوط الجوية الامريكية بواسطة نعلين مفخختين في كانون الاول 2001. وفي الآن نفسه جرت محاولات لارسال فلسطينيين (نبيل عقل وسعد هنداوي) مع انهاء تدريبهما في افغانستان لانشاء شبكات ارهاب في يهودا والسامرة وغزة (في النصف الاول من سنة 2000). وكذلك فحصت القاعدة ان امكان ارسال طيار سعودي منتحر لقصف ايلات. احبطت جميع هذه الخطط أو بقيت خططا في الادراج.

        إن الشهادة الواضحة على أن القاعدة بقيادة ابن لادن تريد المس باسرائيل بكامل القوة قد تم التعبير عنها بالعملية المزدوجة في مومباسا على سياح اسرائيليين زاروا كينيا (تشرين الثاني 2002). اطلقت الخليةالارهابية التي ارسلتها قيادة القاعدة الى كينيا واستعانت بقاعدة محلية، أطلقت صواريخ على طائرة ركاب لشركة اركيع في اثناء اقلاعها لكنها أخطأتها. وفي الآن نفسه هاجم منتحرون في سيارة مفخخة فندقا مكث فيه سياح اسرائيليون وقتل 15 شخصا فيهم ثلاثة اسرائيليين وفيهم ولدان أخوان. نفذ جهاز العمليات الخارجية في القاعدة أيضا عملية بواسطة منتحر في الكنيس اليهودي في جربا في تونس (في سنة 2002) قتل فيها 14 شخصا، (لم يكن أحد منهم من يهود الطائفة) وكذلك الهجوم على كنيسين في اسطنبول (في سنة 2003)، قتل فيهما 27 شخصا منهم 6 يهود.

        نفذ في السنين الاخيرة في الخارج عدة عمليات في أهداف اسرائيلية لكن لا على أيدي أفراد القاعدة بل شركائها.  في تموز 2004 نفذت منظمة الجهاد الاسلامية الاوزباكية عملية انتحارية في سفارة اسرائيل في باكو. قتل في العملية حراس محليون ولم يصب اسرائيليون. المنظمة التي تشارك رؤساؤها في معسكرت تدريب مع رجال القاعدة في افغانستان نفذت العملية على أنها جزء من تبني أهداف القاعدة. وفي عملية أخرى، في شباط 2008، أطلقت خلية من القاعدة في المغرب الاسلامي النار على مبنى سفارة اسرائيل في نواكشوط (موريتانيا). انتهت العملية الى جرح خمسة عمال محليين ومدنيين، بغير اصابة اسرائيليين. تحملت القاعدة في المغرب الاسلامي، التي أعلنت في أيلول 2007 التوحد مع القاعدة، مسؤولية معلنة عن العملية. ونفذت عملية أخرى في هدف مشايع لاسرائيل في مومباي على يد منظمة "لاشكار الطيبة" ("جيش الطاهرين")، على أنها جزء من هجوم واسع على أهداف محلية في الهند وعلى سياح. كان مأوى النزلاء المعروف بأنه بيت يهود يضيفه اسرائيليون، أحد الأهداف التي هوجمت. انتهت العملية القاتلة الى موت أكثر من 160 شخصا، فيهم نحو من 30 مدنيا أجنبيا، وستة منهم اسرائيليون ويهود. لم يثبت الى الان مشاركة مباشرة للقاعدة في الهجوم لكن من المعروف ان "جيش الطاهرين" له علاقات بالقاعدة، وأن أناسه قد بذلوا في الماضي مساعدة لوجستية لتنفيذ العملية في الكنيس في تونس. والى ذلك وسعت المنظمة في السنين الاخيرة نشاطها وحسنت أهدافها على حسب أهداف الجهاد العالمي.

        إن التوجه الى توسيع أهداف منظمات محلية تشارك القاعدة، لم تر اسرائيل واليهود هدفا محددا لنشاطها، لكن على خلفية الصلات التي تتوثق بين المنظمات وعلى أن ذلك جزء من تبني مبدأ الجهاد العالمي، ضمها أيضا الى قائمة أعدائه وقد سجل ذلك في الحجاز وافريقيا ايضا. على سبيل المثال، دعا سعيد الشهري، نائب قائد القاعدة في الحجاز (توحيد القاعدة في السعودية مع القاعدة في اليمن)، الى مهاجمة أهداف لاسرائيل ومؤيديها في العالم كله، ولا سيما سد منفذ اسرائيل في البحر الأحمر. وأعلن أيضا زعيم منظمة الشباب الصومالي في الأول من تشرين الثاني 2009 الذي أنشأت منظمته وحدة خاصة تسمى "كتائب الأقصى"، حصرت عنايتها في المس بمصالح اسرائيل في افريقيا، بل إنها تحاول أن تنقل نشطاء الى داخل اسرائيل وقطاع غزة بالمساعدة في "اخراج الفلسطينيين من الأماكن المقدسة".

        نؤكد في مقابلة ذلك أن ابن لادن ونائبه أيمن الظواهري متحدث القاعدة البارز قد اختفيا في السنين الاخيرة بهجمات كلامية شديدة أخذت تزداد على اسرائيل واليهود. صدرت هذه الهجمات كالعادة على خلفية كون اليهود جزءا من "الحلف الصليبي – اليهودي" على المسلمين، لكن جرى توكيد سياسة اسرائيل العدوانية على الفلسطينيين. ولما كان وجود اسرائيل في نظر القاعدة متعلقا بالولايات المتحدة تماما، فان المنظمة ترى اضعاف الولايات المتحدة وابعادها عن الشرق الاوسط اجراءات ستفضي بالضرورة الى غياب الكيان الصهيوني عن الوجود. وهذا تفسير آخر ممكن لمكان اسرائيل المنخفض نسبيا في برنامج افضليات النشاط الارهابي الذي تنفذه المنظمة. في مقابلة ذلك، يدركون جيدا في القاعدة ان كل عملية ارهابية ينفذونها في اسرائيل ستمنحهم مكسبا دعائيا كبيرا عند الرأي العام العربي والاسلامي الذي هم معنيون بتأييده. إن تأييدا كهذا مهم عندهم ولا سيما على أثر الانتقاد الذي أخذ يعظم ويوجه اليهم على أثر الهجمات التي لا تفريق فيها على أهداف مدنية، غربية وعربية معا، والعدد الذي أخذ يكبر من الضحايا المسلمين في هذه العمليات.

        القاعدة تبحث عن طريقة للاقتراب من إسرائيل من حدودها

        ظهر في السنين الاخيرة ان القاعدة، بواسطة شركائها الاقليميين، تزيد جهودها للاقتراب من اسرائيل من حدودها للمس بمواطنيها. هكذا تحاول أن تمس باسرائيليين يزورون الدول العربية التي لها علاقات باسرائيل. وقد نفذت في الاردن ومصر ولا سيما في سيناء، قبل بضع سنين عدة عمليات في سياح اسرائيليين، نسبت الى عناصر من الجهاد العالمي.

        والى ذلك أطلقت في الماضي من الاردن ولبنان قذائف صاروخية على اسرائيل، وما تزال لبنان حلبة تهديد من قبل عناصر الجهاد العالمي المشاركة في اطلاق القذائف الصاروخية على اسرائيل. في سنة 2008 اطلق من لبنان على شمالي اسرائيل عدة قذائف صاروخية، وينسب اطلاقها الى "عصبة الانصار"، وهي منسوبة الى الجهاد العالمي. وأطلق في عملية الجيش الاسرائيلي في غزة أيضا (27 كانون الاول – 17 كانون الثاني 2009) من جنوب لبنان عدة قذائف صاروخية على شمال اسرائيل، وكشف عن بعضها قبل ان تطلق. استمر هذا الاطلاق على نحو متقطع في سنة 2009 ايضا. ليس واضحا في هذه المرحلة هل المهاجمون محسوبون من عناصر الجهاد العالمي، لكن خطر استمرار اطلاقهم على اسرائيل بقي على حاله. نذكر في هذا السياق، ان ابن لادن، الذي يرى لبنان خشبة قفز مريحة للقاعدة وشركائها من أجل المس باسرائيل، هاجم حزب الله وايران بشدة، لانه ارتاب في أنهما مشاركان في مؤامرة اسرائيل والولايات المتحدة للتخطيط لحرب لبنان الثانية. وقال إن هذه الحرب كانت ترمي الى منع منظمته وشركائها الاقتراب من اسرائيل، من حدودها مع لبنان، كما تقرر في اتفاق وقف اطلاق النار وفي القرار 1701 عن مجلس الامن.

        إن غزة هي حلبة أخرى لنشاط عناصر محلية توالي تيار الجهاد العالمي. ففي القطاع توجد عدة مجموعات مثل "جيش الاسلام" (الذي يعتمد في أكثره على أبناء عائلة دوغمش") و "سيف الاسلام" و "جيش المؤمنين – القاعدة في فلسطين". هذه المجموعات - التي تقدر ببضع عشرات من النشطاء في الاكثر – تجري نشاط اطلاق صواريخ القسام واختطاف مدنيين اجانب احيانا، أو تحرق مدرسة أو تتعرض لمقهى انترنت وتشارك في "الحفاظ على الآداب".

        خاب أمل القاعدة في أن يمكن تولي حماس للسلطة في غزة منذ 2007، مؤيديها من وصول سهل الى نشاط معاد لاسرائيل. بسبب رغبة حماس في أن تحتكر استعمال القوة في غزة ومنها، منعت المجموعات الموالية لتيار الجهاد العالمي في القطاع أن تعمل على اسرائيل على نحو مستقل وبغير حصول على اذن، لئلا يورطها ذلك مع اسرائيل في موعد ومكان غير مريحين لها. مكنت حماس نشطاء القاعدة من الخارج من اتيان القطاع، بل مكنت المجموعات الموالية لها من أن تطلق من آن لآخر قذائف صاروخية على اسرائيل، لكن عندما تحدى أحدها صلاحياتها لم تحجم حماس؛ عن استعمال القوة لقمعه. وهذا ما جرى على عائلة دوغمش (كانون الثاني 2007) وهذا ما حصل في حادثة خطيرة في رفح في آب 2009 – على أثر خطب تحريض لزعيم "جند انصار الله" امام مسجد رفح، استعملت قوات أمن حماس الصرامة مع أعضاء المنظمة الذين تحصنوا في المسجد. قتل في هذه الحادثة أربعة وعشرون شخصا وجرح أكثر من مائة وثلاثين.

        برغم المواجهات بين حماس وعناصر الجهاد العالمي في القطاع استمر أعضاء الجلجلات (كما يسمى عناصر الجهاد العالمي في القطاع) على محاولة المس باسرائيل. ففي حزيران 2009 هاجمت عناصر تنتمي الى منظمة "جند انصار الله" بواسطة منتحرين يركبون خيولا مفخخة، وكان هدفهم اختطاف جنود اسرائيليين. أحبط الهجوم بغير وقوع مصابين في الجانب الاسرائيلي. وفي يهودا والسامرة وبين العرب الاسرائيليين من أصل بدوي، من الموالين للجهاد العالمي، حددت في أثناء سنة 2008 محاولات للانتظام في خلايا لتنفيذ عمليات لكنها أحبطت.

        الصعوبة التي واجهتها القاعدة في العمل على اسرائيل من حدودها تنبع على العموم من أن جارات اسرائيل وعلى رأسها مصر والاردن، التي تحارب هي ايضا ازدياد تهديد عناصر الجهاد العالمي لنظمها وفي داخل أرضها السيادية، تعمل بجد لوقف نشاطها ولحماية مواطنيها والسياح الذين يزرونها. وتعمل سورية ولبنان بحزم في مواجهة نية عناصر الجهاد العالمي أن تعمل داخلهما أو منهما على اسرائيل خوف التورط معها.

        وفي الخلاصة يمكن الجزم بأن اسرائيل واليهود سيظلون هدفا ثابتا للقاعدة والجهاد العالمي. ومن الواضح ان جهود المس بهم من قبل هذه المنظمات لن تكف، ولهذا فان احباطها هو المفتاح الرئيس لحماية النفس منها. يقتضي ذلك زيادة قدرة الاجهزة الاستخبارية والجيش الاسرائيلي لاحباطها على حدود اسرائيل وداخل أرضها السيادية، وزيادة التعاون مع الاجهزة الاستخبارية والأمنية في حليفاتها. إن المصلحة الكونية المشتركة في هزيمة عناصر الاسلام المتطرف – المسلح من الجهاد العالمي، والتي تهدد أعداء اسرائيل ايضا، ساعدت حتى الآن على وقف أو اضعاف المس باسرائيل. لكن كما أثبتت الهجوم على الطائرة الاسرائيلية في مومباسا، لا تكون هذه الجهود كافية دائما وكان الحظ أحيانا فقط هو الذي منع اصابة مؤلمة جدا. وعلى ذلك تحتاج اسرائيل الى التنبه الدائم لهذه الاخطار، والى مساعدة نشيطة منها في المعركة الدولية على القاعدة وشركائها، والتي سيحدد مبلغ نجاحها بقدر كبير مستوى تعرض مصالح اسرائيل في  البلاد والخارج للخطر في المستقبل.

 

انشر عبر