شريط الأخبار

كتب المفكر التركي أحمد فارول : سفينة بيضاء صبغت بالحمراء في مياه المتوسط الزرقاء

04:14 - 30 تشرين أول / يوليو 2010

كتب المفكر التركي أحمد فارول : سفينة بيضاء صبغت بالحمراء في مياه المتوسط الزرقاء

 

 

كان اسمها "مرمرة الزرقاء" ولكن لونها أبيض. كأنها سفينة حلف الفضول. تم شراءها لنقل المستجيبين لدعوة الفلسطينيين الذين يحاصرهم الصهاينة القتلة والراغبين في السفر لمد يد العون إليهم باسم الإنسانية. ولذا، كانت وكأنها وسيلة لقاء الضمائر الواقفة ضد الظلم، الرافضة للعدوان.

 

بالتأكيد، كان هناك عدد كبير من أصحاب الضمائر الذين يرغبون في مد يد العون للمظلومين المحاصرين في غزة ووضع مرهم على جراحهم. وبالتالي وصل عدد المسجلين للسفر مع سفن أسطول الحرية وصل إلى عشرات الآلاف وكان هناك ملايين من الناس يريدون المشاركة في رحلة الأسطول إلا أنهم لم يتقدموا بالتسجيل لظروفهم الشخصية ومعرفتهم بأنهم لن يقدروا على المشاركة. ولكنهم بمساهمتهم في الحملات الخيرة وبمواقفهم، أو على الأقل بدعواتهم قاموا بدعم هذه الرحلة المباركة ماديا ومعنويا. أي أنهم بالرغم من عدم مشاركتهم بأبدانهم، فإنهم شاركوا فيها بقلوبهم وتابعوا سير الرحلة وأحداثها أولا بالأول من خلال وسائل الإعلام.

 

وكانت سفينة "مرمرة الزرقاء" التي يمكن أن تحمل 600 راكبا هي السفينة الكبرى في أسطول الحرية الذي تم تجهيزه للوصول إلى المظلومين المحاصرين في غزة وكسر الحصار المفروض عليهم. وكانت هناك سفينتان للشحن، وهما "غزة" و"ديفنة" إحداهما تبرع بها المسلمون الكويتيون والأخرى تبرع بها المسلمون الجزائريون ستنطلقان من تركيا وتحملان المساعدات الإنسانية إلى القطاع. وكان على متن هاتين السفينتين طاقماهما وبعض المساعدين لهم. بالإضافة إلى هذه السفن، كان من المخطط أن تأتي ست سفن أخرى صغيرة من بلدان أوروبية، بعضها سفن ركاب تحمل المتضامنين الذين خرجوا لكسر الحصار وبعضها سفن شحن تحمل المساعدات المرسلة من أوروبا.

وكما أسلفنا، تقدم ضعف ما يمكن أن تستوعبه سفينة "مرمرة الزرقاء" بأكثر من عشرين مرة للمشاركة في رحلة كسر الحصار، وبالتالي وجد المسؤولون في هيئة الإغاثة والمساعدات الإنسانية (IHH) المنظمة للرحلة صعوبة بالغة في تحديد 600 راكبا ليكونوا على متن "مرمرة الزرقاء". وكان بعضهم يرون أن لهم أولوية بسبب مشاركتهم في قافلة شريان الحياة وآخرون يرون عكس ذلك ويقولون إنهم حرموا من المشاركة في القافلة الأولى وبالتالي يطالبون بتقديمهم على المشاركين في القافلة الأولى. وهناك من يستعين بوساطة معارفه أو يقول إنه بذل جهدا كبيرا في حملات جمع التبرعات فيطلب تسجيل اسمه ضمن الركاب.

 

لم يكن ما يسعون إليه متاع للدنيا أو مصلحة شخصية، بل كانوا يدركون أنهم مقبلون على رحلة شاقة وحتى خطيرة. لأن الكيان الصهيوني قد بدأ إطلاق تهديداته فور الإعلان عن تنظيم الأسطول، وكانوا يهددون بالاستيلاء على السفن واعتقال المتضامنين والتحقيق معهم. بل لم يكن هناك أحد يضمن أن الكيان الصهيوني الذي ارتكب عدة جرائم بشعة حتى اللحظة لن يلطخ يده بالدماء من جديد. وهذا يعني أن هناك مخاطرة بالحياة. وإن لم تكن هذه كلها، فإنه لا يدري أحد متى ستنتهي الرحلة ومتى العودة. ولذا، كان المنظمون يلفتون انتباه المشاركين إلى أنهم لابد أن يكونوا مستعدين لسفر قد يستمر شهرا أو ربما أكثر من ذلك. وهذا يعني أن المشاركون كان عليهم أن يقبلوا ترك أعمالهم وبيوتهم وأسرهم وجميع ارتباطاتهم لمدة شهر على الأقل.

 

ورغم هذه، فإن عدد المسجلين والمصرين على المشاركة في الرحلة أكبر بكثير من العدد الممكن أن تستوعبه سفينة "مرمرة الزرقاء" وهو 600 راكبا، بالتالي كان من الصعب جدا إعداد قائمة المشاركين. ورغم تأجيل انطلاق السفينة مرتين، فإن القائمة المؤكدة لم تكن جاهزة حتى قبل الانطلاق بيوم واحد.

 

كان المشاركون في هذه الرحلة كسفراء للذين دعموها وأرادوا المشاركة فيها ولكنهم لم يتمكنوا منها وهم كانوا بالملايين. ولذا، كان حفل الوداع الذي أقيم لسفينة "مرمرة الزرقاء كبرى سفن أسطول الحرية سواء في ميناء "سراي بورنو" بإسطنبول أو في ميناء أنطاليا تم بمشاركة حشد كبير.

 

وكانت نقطة الاتقاء السفن المشاركة في الأسطول قبالة سواحل قبرص الجنوبية. وكانت سفينة "مرمرة الزرقاء" أول ما وصلت إلى تلك النقطة، ثم بدأت السفن الأخرى تأتي إليها. وبسبب تأخر السفن التي تأتي من أوروبا، ركاب "مرمرة الزرقاء" انتظروا في نقطة الالتقاء يومين وفي هذه الأثناء أقيمت على متن السفينة عدة فعاليات وجلسات الحوار المفتوح. وفي فترة الانتظار، قيل لنا إن ثلاث سفن كان من المنتظر أن تأتي من أوروبا لن تأتي بسبب العطل. وفيما بعد علمنا أن تلك السفن منعت من المشاركة بفعل التخريب المتعمد والمؤامرات. وتم نقل ركاب السفينة اليونانية إلى سفينة "مرمرة الزرقاء" في نقطة الالتقاء. وانضمت السفن الثلاث الأخرى التي وصلت من أوروبا إلى الأسطول ومن ثم انطلق الأسطول في مساء 30 مايو 2010 بست سفن نحو ميناء غزة.

 

كان الجميع يشعر بحماس مختلط بالقلق والأمل. وكلما قصرت المسافة بيننا وبين غزة يقوى لدى الركاب أمل توصيل الأمانات إلى أصحابها والتعانق مع المظلومين. ومن جهة أخرى كانت تهديدات الاحتلال الصهيوني تزداد ولم يكن أحد يدري ماذا سيفعل؟ وهذا الغموض كان يؤدي إلى القلق ولكن لم يكن أحد يخاف من تهديد قوات الاحتلال الصهيوني. وكان الجميع عازما رغم كل التهديدات على محاولة فتح الأبواب ولو بقوة لكسر الحصار اللاإنساني المفروض على قطاع غزة.

 

لم يكن أحد ينوي مواجهة المحتلين الصهاينة. لأن القافلة هذه كانت مدنية بحتة. ولم يأخذ أحد معه ما يستخدم في مواجهة القوات العسكرية ولا حتى سكينا. وقد تم تفتيش جميع الركاب وحقائبهم بشكل دقيق في ميناء أنطاليا قبل الصعود على متن السفينة لمنع إدخال أي سلاح ناري أو سلاح أبيض يمكن استخدامه في مواجهة عسكرية.

 

بعد ما انطلق الأسطول من نقطة الالتقاء قبالة السواحل القبرصية باتجاه القطاع، تم عقد اجتماع شارك فيه الكتاب والشخصيات الهامة المشاركون في الرحلة لمناقشة ما يمكن فعله في حال قطعت قوات الاحتلال الصهيوني طريق الأسطول وخرج الجميع بقرار التوقف في تلك الحالة والبحث عن حل من خلال القنوات الدبلوماسية وتحريك الاحتجاجات المدنية الجماهيرية من خلال توظيف وسائل الإعلام لإجبار الكيان الصهيوني على فتح طريق الأسطول وعدم الدخول في مواجهة مباشرة مع الجنود المحتلين.

 

وفي منتصف الليل تقريبا وأولى دقائق يوم الاثنين 31 مايو 2010، رأينا من بعيد أنوار سفينتين تتابعان الأسطول، وفي تلك اللحظات سمعنا أنهم اتصلوا بالقبطان وسألوه عن وجهتنا.ولما أجاب قائلا "إلى غزة"، طلبوا منه العودة وبدؤوا بالتهديد.

 

وعندما بدأ التحرش الصهيوني كانت سفن أسطول الحرية على بعد 120 ميلا عن السواحل "الإسرائيلية"، أي أن تحرش القوات البحرية للكيان الصهيوني بأسطول الحرية المتجهة إلى غزة لإيصال المساعدات قد بدأ بينما كانت السفن تبحر على بعد 120 ميلا عن السواحل. وكان الكيان الصهيوني قد أعلن أنه رفع مياهه الإقليمية إلى 60 ميلا كما أعلنها منطقة عسكرية مغلقة بحجة إقامة مناورات. بيد أنه وفقا للقوانين الدولية المتعلقة باستخدام البحار لم يكن من حق أي بلد أن يعلن ما بعد 20 ميلا عن سواحله منطقة عسكرية مغلقة ولو بحجة مناورات عسكرية.

 

وكان الكيان الصهيوني يريد أن يقطع الطريق أمام أسطول الحرية برفع مياهه الإقليمية إلى 60 ميلا وإقامة مناورة عسكرية، كما كانت تتابع وزوارقه العسكرية أسطول الحرية من وراءه تهدد وتتحرش به.

 

بينما كان القراصنة الصهاينة في البداية يسألون القبطان وجهة السفينة ويطلبون منه العودة، قطع الاتصال تماما بعد الساعة الثانية ليلا، ولكم يكن يحذرون ولكنهم كانوا يواصلون المتابعة والتحرش بالأسطول، وأحيانا يسلطون على السفينة أضواء قوية وأحيانا يبتعدون عنها.

 

ورغم أن رفع الكيان الصهيوني مياهه الإقليمية إلى 60 ميلا مخالف للقوانين الدولية المتعلقة بالبحار، إلا أن قبطان "مرمرة الزرقاء" غير وجهة السفينة إلى الجنوب حيث قناة السويس بعدما وصلت إلى مسافة تبعد عن الساحل 75 ميلا تحاشيا للدخول إلى المنطقة العسكرية المغلقة التي أعلنها الكيان الصهيوني. وكانت السفن الأخرى تتبعها. وفي هذه الأثناء، حان وقت صلاة الفجر.

 

وفي الساعة الرابعة وعشر دقائق، كان ركاب سفينة "مرمرة الزرقاء" يستعدون على سطح السفينة لأداء صلاة الفجر. وكان القراصنة الصهاينة بعيدين على ما يبدو ولكن أحد الزوارق أسرع فجأة وكأنهم كانوا يريدون الاعتداء على السفينة والركاب في الصلاة وكانوا يريدون السيطرة أولا على "مرمرة الزرقاء" التي تحمل حوالي 600 راكبا.

 

الإمام أطال الصلاة وقنت في الركعة الثانية قنوتا طويلا ورغم ذلك وصلت الزوارق قرب السفينة بينما كانت الجماعة في التشهد. وكان وضاحا من إلقاء قنابلهم في استعجال لمجرد اقترابهم من السفينة أنهم كانوا يريدون الاعتداء على السفينة والناس يؤدون الصلاة. وعندما سمع دوي انفجار القنابل، سلم الإمام وانصرف المصلون إلى أماكنهم على متن السفينة.

 

هاجم القراصنة أولا من مؤخرة السفينة وألقوا قنابل الصوت والغاز والدخان. وكانوا يتوقعون أن تحدث قنابل الصوت الخوف والهلع وأن تمنع قنابل الغاز والدخان الرؤية والحركة. ولكن لم يصب أحد بالارتباك وأما الدخان الذي أحدثته قنابل الغاز والدخان فأزالته الرياح بسرعة. لم يصب أحد من المتضامنين غير بعض الحروق الطفيفة.

 

قام ركاب السفينة برش المياه على الزوارق بالخراطيم ورمي ما وجدوا من القارورات الزجاجية وما شابهها، ما أدى إلى تراجع القراصنة من الصعود على السفينة وابتعادهم. وفي هذه الأثناء، كانوا يطلقون على الركاب رصاصات مطاطية ولكنها لم تكن تصيب أحدا وكانت تصطدم بالسقف وتسقط. وكانوا يلقون أيضا كلاليب إلا أن المتضامنين نجحوا في تحرر السفينة منها فورا.

 

عندما تيقن القراصنة الصهاينة أنهم لن يتمكنوا من الصعود على متن السفينة من الزوارق، لجئوا إلى الخيار الأصعب بالنسبة لهم وبدؤوا إنزال الجنود من المروحيات وكانت أربع مروحيات تحلق فوق السفينة أثناء الاعتداء.

 

وكان الجنود اللذين ينزلون من المروحيات يتجهون مباشرة إلى كشك القبطان. تم إنزال خمسة جنود من المروحية الأولى، ولكن المتضامنين الذين حاولوا صد الهجوم على كشك القبطان سيطروا فورا على ثلاثة منهم بينما ألقى الاثنان نفسيهما خوفا في البحر. لم يتعرض الجنود الثلاث الذين سيطر عليهم المتضامنون أي عنف غير المواجهة التي حدثت بينهم أثناء السيطرة عليهم، بل قام الأطباء بتضميد جراحهم وكان الملفت أنهم يرتعشون  وبال أحدهم على نفسه من شدة الخوف والهلع رغم هذه المعاملة الحسنة.

 

عندما رأى القراصنة الصهاينة عدم نجاح الجنود النازلون من المروحية الأولى، تابعوا السفينة لمدة، ثم هاجموا فجأة بمروحيتين وأطلقوا على الركاب المتواجدين على الطابق العلوي للسفينة رصاصات حية وبعد ذلك قاموا بإنزال أربعة عشر جنديا خلال لحظات. وفي هذه الأثناء كانت الزوارق المحاصرة للسفينة وعددهم تقريبا يصل إلى ثلاثين، تطلق رصاصات حية على ركاب سفينة "مرمرة الزرقاء". وبسبب استخدام الرصاصات الحية استشهد بعض المتضامنين المتواجدين حول كشك القبطان وجرح آخرون، وأدرك الجميع أن القراصنة المحتلين بدؤوا يقتلون كل من يقف أمامهم بلا هوادة. وأما الركاب لم يكن في بالهم أي مواجهة مسلحة كهذه ولم يكونوا مستعدون لها. وكانت أسلحة وقنابل الجنود الذين تمت السيطرة عليهم ألقيت في مياه البحر. وبالتالي طلب من المتضامنين أن لا يبدوا أي مقاومة بعد تلك اللحظة.

 

وحسب ما علم أن القراصنة الصهاينة كانوا قد خططوا السيطرة على سفينة "مرمرة الزرقاء" خلال أربع دقائق، إلا أنهم لم يتمكنوا منها أمام المتضامنين الذين لا يملكون حتى مسدسا بسيطا إلا بعد مواجهة استمرت ساعة والنصف.

 

ورأينا حقيقة الوجوه القبيحة للجنود الصهاينة بعد سيطرتهم على السفينة، حاولوا قطع الارتباط أولا بين الطابق العلوي والطابق السفلي للسفينة، وكانوا يستخدمون رصاصات حية في بعض الأماكن رغم استسلام الركاب وعدم إظهارهم أي مقاومة، وكان هناك جرحى من المتضامنين في حالة حرجة يجب من نقلهم إلى المستشفى في أقرب وقت ممكن. ولكن الجنود المهاجمين كانوا يماطلون ولا يسمحون لنقل الجرحى إلى المستشفى بالمروحيات ويمنعون أيضا وصول المواد الطبية اللازمة لإسعافهم.

 

والإخوة الشهداء كلهم سقطوا بإطلاق النار عليهم وفي أماكن قاتلة من مسافة قريبة، والصحفي جودت كليجلار تم إطلاق النار عليه برصاص استقر بين حاجبيه، واستشهد فرقان وهو في التاسعة عشر من عمره بإطلاق أربعة رصاصات على وجهه من مسافة قريبة جدا. كما قتلوا إبراهيم بيلغن ظنا منهم أنه الشيخ رائد صلاح.

 

وجرح حوالي خمسون من أصدقائنا بإصابة رصاصات في أماكن مختلفة في أبدانهم، بالإضافة إلى الذين حدث انتفاخ أو تجمع الدم في أبدانهم بسبب إصابة رصاص مطاطي أو تعرض لضرب الجنود الصهاينة بأيديهم ومؤخرة أسلحتهم وأصيبوا بجروح طفيفة، فهؤلاء رفضوا العلاج في مستشفيات الاحتلال ولم يسجلوا أنفسهم في قائمة المصابين. وهؤلاء الجرحى الذين لم يذهبوا إلى مستشفيات الاحتلال والذين عانوا من مشاكل نفسية بسبب تعرضهم لمعاملة سيئة ذهبوا إلى المستشفيات التركية بعد عودتهم إلى البلاد.

 

ونقل جثث إخواننا الشهداء إلى الثلاجات بالمروحيات ولكن الجنود الذين سيطروا على السفينة لم يقدموا لأصدقائنا معلومات حول عدد الشهداء والجرحى ووضعهم والمستشفيات التي نقلوا إليها وبالتالي ساد الغموض. وكان المحتلون يفعلون هذا عمدا ولا يريدون أن يعرف الركاب بالضبط ما أدى إليه الاعتداء. ولم يكن أحد يتمكن من اتصال ببلده لا بالإنترنت ولا بالهاتف بسبب قطع الاتصالات بالسفينة.

 

لم يكن لدى الركاب أي سلاح لأنه لم يسمح بإدخال سلاح أو مادة متفجرة إلى السفينة وأن الأسلحة والقنابل التي تم الحصول عليها من الجنود بعد السيطرة عليهم ألقيت في البحر. ورغم ذلك، كان الجنود المحتلون يخافون من الدخول إلى الصلات خشية أن تكون لدى الركاب أسلحة أو أنهم قد أخفوا الأسلحة التي حصلوا عليها من الجنود. وبعد ساعتين تقريبا سيطروا خلالهما على جميع أركان السفينة بشكل كامل مع قوات التعزيز التي وصلت عبر الزوارق، طلبوا من الركاب الخروج من الصلات واحدا تلو الآخر وقيدوا أيديهم بالكلبشة وبعد تقييد أيديهم بالكلبشة تم اصطف الركاب جاثين على ركبهم. وكثير من الركاب تقيدت أيديهم من الخلف وقوة، ما أدى إلى تجمع الدم في أيديهم وشعورهم بوجع شديد في عواتقهم. وكان من بين هؤلاء الذين تعرضوا للمعاملة السيئة نواب دخلوا برلمانات بلدانهم بأصوات آلاف من الناس، وكتاب محترمون، وفنانون، ووجهاء، و ورؤساء لمنظمات المجتمع المدني والجمعيات والنقابات، وزعماء الحركات.

 

وكان سبب شعور القراصنة الصهاينة بالارتياح والجرأة على هذه المعاملة السيئة، إفلاتهم من عقاب الجرائم والقرصنة التي ارتكبوها حتى تلك اللحظة  ومعرفتهم بأن الإمبريالية المعاصرة تقف وراعهم.

 

وبعد خروج الركاب من الصلات، دخل الجنود مع الكلاب المدربة إليها وقاموا بتفتيشها. وحينما دخلنا الصلات من جديد، وجدنا حقائبنا مفتوحة وقد أخذوا منها أجهزة الكمبيوتر والكاميرات والجوالات وغيرها من الأجهزة الإلكترونية ورموا الملابس وبقية الأشياء الخاصة بالركاب على الأرض ووضعوا بعضها في الزوايا بشكل عشوائي. ومع ذلك، لم يسمحوا لأحد بلمس أغراضها الشخصية.

 

وبعد فترة من عودتهم إلى الصالات، سمحوا للركاب بالذهاب إلى الحمامات بعد ما منعوهم لمدة طويلة، ولكن الحمامات معظمها لم يعد صالحا للاستخدام بسبب سوء استخدام القراصنة وكان هناك عدد قليل منها يمكن استخدامها. لم يكن الركاب ينتظرون في الطابور لدخول الحمامات قبل العدوان، لتوفر عدد كاف منها إلا أن أحدا منهم اضطر بعد العدوان أن ينتظر في الطابور لمدة ساعة على الأقل حتى يدخل الحمام. ومع ذلك، كثير من الركاب كانوا مضطرين لدخول الحمام والتوضؤ وأيديهم مقيدة بالكلبشة.

 

وبعد تسع ساعات مليئة بالمعاناة والتعذيب، اقتربت السفن من ميناء أسدود، وهناك واجهنا أيضا بكل وضوح كذب المحتلين وخداعهم وعدم أخلاقيتهم. وصعد أفراد يدعون أنهم من وزارة الداخلية الصهيونية على السفينة وقالوا بأن الركاب يتم إنزالهم من السفينة ومن ثم ستتم  إجراءات الدخول، وكل هذا لن يستغرق إلا خمس عشرة دقيقة، وبعد ذلك سيقدم لهم الطعام، وبعد الطعام سيكون بإمكانهم العودة إلى السفينة وأخذ أغراضهم، ليتم بعد ذلك ترحيلهم إلى بلدانهم بالطائرات. ولكنهم بدؤوا إنزال الركاب من السفينة مثنى و رباع. وقيدوا أيدي الذين فكت قيودهم. وبعد تحقيق طويل وتسجيل بأسلوب مهين، نقلوهم إلى مكان مجهول دون أن يسمحوا لهم بتناول الطعام وأخذ أغراضهم من السفينة.

 

عندما وصلت السفن إلى ميناء أسدود يوم الاثنين 31 مايو 2010 كانت الساعة إلى السابعة مساء.وجاء الدور علي بعد سبع ساعات، أي يوم الثلاثاء 1 يونيو 2010 في تمام الساعة الثانية ليلا، وكان في الصالة عدد كبير من الركاب ينتظرون دورهم للتحقيق. وتم التحقيق مع في خيام أقيمت بجوار الميناء وقام شخص أظنه من اليهود المهاجرين من تركيا بالترجمة. ثم طلبوا مني التوقيع على ورقتين إحداهما بالعبرية والأخرى بالتركية. أما المكتوبة بالعبرية فقلت لهم إنني لا أوقع على ورقة لا أعرف محتواها، ولم يلحوا علي. وأما المكتوبة بالتركية فكانت تطلب مني الموافقة عل ترحيلي خلال 72 ساعة. قلت لهم إنني في الحقيقة جئت هنا رغما عني وبقوة فأريد الخروج في أقرب وقت، ثم وقعت عليها.

 

وما قاله لي المترجم أثناء التحقيق كان لافتا حيث قال لي: "إنهم سيقومون بترحيلك غدا أو بعد غد بأول رحلة ممكنة إلى إسطنبول. ولكن من المستحيل أن تدرك الرحلة الأولى ولذا، لابد أن تقضي الليلة في مكان مناسب وسيضعونك في سجن حديث الطراز." أي أنهم كانوا سيستضيفوننا في الزنازين. ولأنهم لم يجدوا مكانا مناسبا آخر، وضعونا في السجن، إلا أنه كان حسب رأيهم سجنا فخما ذا خمسة نجوم من الطراز الحديث.

 

وبعد المرور بفحص الطبيب مرور الكرام، ركبنا سيارات السجن ونقلونا إلى سجن بئر السبع. وفعلا، كان السجن حديثا وكنا نحن أول نزلاء زنازينه. وربما يفكر الصهاينة في إنزال ضيوفهم الأجانب هناك بعد اليوم. وكانت ظروفها أحسن بكثير من ظروف السجون التي يقبع فيه الفلسطينيون. ولكن السجن هو السجن، تنقطع علاقاتك بالعالم. ورغم وعدهم بالسماح لنا بالاتصال بأسرنا إلا أنهم لم يوفوا أيضا بوعدهم هذا. تنقطع علاقتك بضوء الشمس، يدخلونك في حجرة ثم يغلقون عليك الباب. وأنت في مكان يشبه القبر. وهكذا تفهم أكثر الحياة التي يعيشها الأسرى الفلسطينيون.

 

وكانت معاملة السجانين توحي بأنهم يستعدون لقضاء وقت طويل معنا. وزعوا علينا ملابس الليل وفرشاة الأسنان ومعجون الأسنان. لم يكتفوا بهذا، بل قال كبير السجانين "سيأتي غدا القنصل التركي ونحدد مواعيد الطعام والنوم والخروج إلى الساحة". فاجأنا هذا القول ولم نكن ندري هل هم يمارسون علينا التعذيب النفسي أم أن في نيتهم احتجازنا لمدة طويلة؟ ولم نكن نعرف ما يدور حولنا بسبب انقطاع اتصالنا بالعالم، ولا ندري هل يظن أهلنا أننا قتلنا أم يعرفون أننا أحياء؟ ناهيك عن عدم معرفتنا شيئا عن أصدقائنا الذين وضعوا في زنازين أخرى.

 

سألنا "متى نخرج من هنا؟" فأجاب كبير السجانين قائلا "إنه مرتبط باهتمام حكومتكم بكم". وسألنا مرة أخرى "ألا تبدي حكومتنا الاهتمام بنا؟" فقال "نحن أبلغناهم ولكنهم لم يردوا علينا حتى الآن". طبعا، لا نصدق هذه الأجوبة لأننا نعرف جيدا أن الصهاينة كذابون ومخادعون وعديمو الأخلاق.

 

قلت لهم إنني أريد أن أرى القنصل أو مسئولا من القنصلية. قالوا "إننا أبلغناهم، إذا جاؤوا فبإمكانك أن تراهم". وبعد قليل دخل مسئول في السجن وأخبرنا الحقيقة قائلا إن مسئولين من قنصليات 22 دولة ينتظرون في الخارج ويجرون محادثات مع مدير السجن. وفي النهاية اضطروا للسماح لمسئولي القنصليات بزيارة السجن وهكذا عرفنا من خلالهم ما يجري في العالم. وارتحنا بالمعلومات التي حصلنا عليها منهم وعرفنا أن قوات الاحتلال لن تصمد طويلا أمام الضغوط وستضطر لإطلاق سراحنا. وبعد ذلك، وفقا للاتفاقات بدؤوا إطلاق سراح مواطني كل دولة على حدة، إلا أن بعض أصدقائنا الأوروبيين والأمريكيين ضربوا نموذجا رائعا للوفاء فأخبروهم بأنهم لن يخرجوا إلا بعد إطلاق سراح جميع الأسرى المسلمين.

 

في هذه الأثناء، أيقظتنا السلطات الصهيونية التي واجهت تنديد الحكومة التركية شديد اللهجة، في تمام الساعة الثانية ليلا دون أن تنتظر الصباح وأكملت إجراءات الخروج ونقلتنا إلى مطار بن غوريون بتل أبيب. ولكننا اتفقنا فيما بيننا وقلنا لهم إن الطائرات لن تقلع قبل أن يركب آخر أسير. ولذلك، قام النواب الذين جاؤوا من تركيا بإحصاء جميع الركاب الذين تم توزيعهم على ثلاث طائرات ومعرفة الغائبين من أصدقائنا استغرقت ساعات. وكانوا قد نقلوا بعضهم إلى مستشفيات لا يعرفها أحد ويخفونهم هناك. وكنا قلقين على حياة أصدقائنا الذين فقدنا الاتصال بهم ونخشى من كونهم قد ألقوا في البحر. وفي النهاية، علمنا أن جميع الركاب على قيد الحياة غير تسعة شهداء كلهم من المواطنين الأتراك كما علمنا أماكنهم. ولكن هذه العملية استغرقت حوالي تسع ساعات. لأن مسئولي الكيان الصهيوني كانوا يعرقلون الإجراءات عمدا ولا يخبروننا أماكن وجود أصدقائنا الذين لم يركبوا الطائرات.

 

وكان ثلاثة من أصدقائنا الجرحى الذين نقلوا إلى المستشفيات في حالة حرجة وعناية مركزة ولذلك لم يسمحوا لهم بركوب الطائرات. وبقي معهم أطباء أتراك ليهتموا بهم إلى أن يخرجوا من العناية المركزة. وغير هؤلاء، صعد جميع ركاب أسطول الحرية على الطائرات. وقد ألحت الحكومة التركية على إطلاق سراح جميع المشاركين في أسطول الحرية سواء كانوا من مواطني تركيا أو من مواطني البلدان الأخرى، دون استثناء أحد وهكذا ركب الجميع؛ السالمين والجرحى الطائرات، كما تم استلام نعوش الشهداء.

 

وبعد التأكد من العدد، انطلق الجرحى في طائرة إسعاف إلى أنقرة، والسالمين في ثلاث طائرات إلى إسطنبول. ونقلت نعوش الشهداء بطائرة عسكرية إلى إسطنبول.

 

"كلنا فلسطينيون وسنأتي مرة أخر، سنأتي مرة أخرى، سنأتي مرة أخرى." هذه كانت آخر رسالة وجهناها للصهاينة قبيل مغادرتنا مطار بن غوريون.

 

عندما وصلنا إلى إسطنبول صباح الثالث من يونيو، كانت الساعة تشير إلى الرابعة صباحا، مع ذلك استقبلنا بحفاوة حشد كبير في المطار، كما تجمع حشد مشابه لاستقبالنا في ميدان "تقسيم" الشهير بإسطنبول.

 

إننا نؤمن بأن شهداء أسطول الحرية فتحوا عهدا جديدا للإنسانية، وهذا العهد سيكون عهد التعريف بالوحشية الصهيونية للبشرية كافة وبدء السقوط لسلطنة الرعب التي أسستها هذه الوحشية.

 

 

 

 

 

انشر عبر