شريط الأخبار

ان اختبار الدم قادم- علي عقلة عرسان

06:59 - 23 حزيران / يوليو 2010

ان اختبار الدم قادم- علي عقلة عرسان

أشار السيد حسن نصر الله أول أمس الخميس إلى تهديد قادم يستهدف المقاومة كلها، كما لم تستهدَفها من قبل، وأن التهديد لا يشمل حزب الله وحده، مؤكداً عدم قلق الحزب واستعداده. أتى ذلك في سياق مؤتمر صحافي موجه للداخل اللبناني والخارج، بعد التوتر الأخير في لبنان، وبعد إعلان قائد أركان الجيش الإسرائيلي، غابي أشكينازي عن إقامة القبة الحديدية التي مولتها الولايات المتحدة الأميركية، وأمدها الرئيس أوباما مؤخراً بـ 205 مليون دوار، إقامتها على حدود فلسطين المحتلة، شمالاً وجنوباً، وقال:" إن إسرائيل مستعدة للتحرك ضد حزب الله في جنوب لبنان حتى في مناطق مأهولة إذا اقتضى الأمر.. وأنه من الصعوبة التنبؤ بما يمكن لحزب الله القيام به، ولكن أية مغامرة عسكرية يقوم بها الحزب سيدفع ثمنها باهظاً."

 

ليس جديداً أن تُستهدَف المقاومة، فهي في بؤرة الاستهداف منذ نشأت، وليس جديداً أن يعلن الغزاة والمحتلون عن فصل من " شرق أوسط جديد"، يتمنون فيه أن يجتثوها لتصفو لهم الأمور، فهي شوكة في عيون الاحتلال وعملائه، وفي عيون بعض العرب الذين يريدون اقتلاعها لينظروا باطمئنان ممتع إلى جمال علاقتهم الحميمة مع الصهاينة والأميركيين، وإلى صفاء تلك العلاقة ومنافعها، بعيون لا تعكر صفوها إرادةُ الحرية والتحرير وتوثّبات الدم العربي الأبي شهادة وميلاد مقاومة. ليس استهداف المقاومة جديداً، ولكن الجديد، ونحن في تموز ذي الخلفيات الكبيرة المثيرة، الذي شهد العدوان الإسرائيلي المبيت على لبنان عام 2006 بهدف " خلق شرق أوسط جديد كما قالت رايس في حينه"، وشهدنا جميعاً فيه كثافة التواطؤ على المقاومة، وانحطاط أساليبه المتبعة في مواجهتها وتشويهها، حتى وهي تحقق انتصاراً على الجيش العنصري الصهيوني.. الجديد فيما يبدو تعدد سبل الاستهداف المدبر، وكثرة جبهاته، وتنوع أسلحته وأدواته، وانتشار مداه من "اتهام ظني" بمقتل الرئيس المرحوم رفيق الحريري، تطلقه محكمة العدل الدولية وتتلقفه الأطراف المعنية، إلى سلاح جيش الاحتلال الإسرائيلي بأنواعه، إلى نهش من ينهش المقاومة ويغري بها ويتجسس عليها، ويريد رأسها ورأس سورية وإيران والممانعة، لكي تمر حلول " لكل القضايا المعلقة، والمفاوضات المتعثرة"، حيث يُعطى الفلسطيني بضعة معازل وبساطاً رئاسياً بحجم بلدية تسمى دولة، وتقطف إسرائيل وحلفاؤها: "اعترافاً عربياً وإسلامياً بها على أرض فلسطين وفي القدس قلب فلسطين التاريخ والقضية، بوصفها "عاصمة موحدة" لها، وتطبيعاً معها، وهيمنة شاملة لها على المنطقة، مع سلاح نووي مسكوت عنه بالغموض الغربي ـ الدولي الذي لم ينجل طوال نصف قرن من الزمن، وسلاح يزداد فتكاً وتطوراً وكثافة، وتنضم إليه 21 طائرة إف 35 في صفقة عقدتها إسرائيل مع شركة لوكهيد مارتن الأميركية بمبلغ 2.75 مليار دولار، مع إجراء تعديلات عليها تسمح بإضافة أسلحة ومعدات وتجهيزات إسرائيلية خاصة.. وحماية من تجاوزات القانون الدولي، واستيطاناً في كل مكان، وتمويلاً أميركياً مستمراً لقتل إسرائيلي مستمر لكل فلسطيني يتنفس هواء فلسطين والحرية، وصولاً إلى إبادة تامة، روحية وإرادية وجسدية للشعب الفلسطيني بأسره، حين يحين الوقت.. تماماً كما فعل من يسمون " الآباء المؤسسون" في الولايات المتحدة الأميركية حيث تمت أكبر جريمة في التاريخ ضد الهنود الأحمر لتقوم أكبر دولة مجرمة في التاريخ، على حساب البراءة والعدالة وقيم الإنسان بالمفهوم مغاير لما ينشره الغربي والصهيوني عن القيم الإنسانية وحقوق الإنسان.؟!.. وستضمن إسرائيل وحليفها الأميركي بقاء ونفوذاً ومصالح آمنة على مدى الساحة العربية الإسلامية، بوجود عجز عربي يتفاقم، حيث يدافع عن أوضاع تنشرها وقرارات تريدها، عجز هو سيد فرسان الساحة، وأكبر المناصرين لقوة الاحتلال واستراتيجياتها وأطماعها ومشاريعها وممارساتها. 

 

إن ساحات المواجهة القادمة متعددة الأماكن، ومتنوعة الأشكال، ومترابطة الخطط، ولن تتوقف عند حدود ضيقة حتى لو تم الادعاء الذي سيترافق مع إشعال النار في مساحات محددة منها بأن الأهداف محدودة.. إنها ستنتشر من لبنان إلى إيران أو العكس، ولن تكون سورية بمنأى عن تلك النار، ومن فلسطين المقاوِمة إلى كل ساحة تقاوم الاحتلال في أرض العرب والمسلمين، نار تضاف إلى النار في أفغانستان والعراق وباكستان.. وسيكون التواطؤ ضد المقاومة ومن يناصرها أكبر مما نتصور، ونحن نرى الاستعداد المستمر والمتصاعد لذلك كله. قبل أيام معدودات، وفي أعقاب تصريح الرئيس الروسي مدفيدف الذي قال فيه: " إن إيران تقترب من صنع قنبلة نووية"، مرت من قناة السويس حوالي ست عشرة بارجة وسفينة حربية أميركية، وانضمت إليها بارجة إسرائيلية متطورة، وتجمعت في الخليج العربي في مقابل منافذ تطل على إيران، ليس لإحكام الحصار فقط، بل لأغراض أخرى أيضاً تتصل باحتمالات استخدام القوة لتدمير القدرة الإيرانية النووية.. كأنما بضوء أخضر روسي يشير إلى أن روسيا لن تتدخل لأن إيران لم تستجب.

 

وحين تنطلق خطط العدوان أو رد العدوان من عقالها، ويبدأ الحشد على أرضية الوعيد والتهديد، ويدخل المتعاملون مع القضايا والأهداف المطروحة مراحل الحسم، يتفاقم التوتر، ويبدأ توجس المخاوف " من يبدأ أولاً، وكيف نتقي الضربة أو نوجهها بنجاح.. عندها لا تعرف متى تنطلق الشرارة وكيف تبدأ النار التي تطلب المزيد. وفي هذا المدخل من مداخل الحرب على السلم، الاستعمار على الأوطان.. الاحتلال على المقاومة ومن يحتضنها.. يكمن أشد خطر على سلام المنطقة واستقرارها ومستقبلها، وعلى المقاومة وبنياتها وأهدافها.

 

 

لا تعبر المقاومة في لبنان عن قلق بشأن اتهامات وقرارات ظنية قد صدر من حكمة العدل الدولية، لأنها تعرف بطلانها، ولا تخشى من كل ما تحسب له حساباً في سلم أولويات الحسابات للتصدي للمحتل وعدوانه.. ولكن من حقها ومن واجبها أن تخشى التآمر على وجودها من قوى دولية تستبيح كل الأساليب والوسائل للنيل ممن تناصبهم العداء.. إن درس العراق لم يغب عن الذاكرة، ويجب أن يبقى حاضراً، وينبغي أولاً وأخيراً ألا تغيب عن ذوي الشأن والمعنيين والناس معطياته ومجرياته وأسبابه والأساليب التي روج بها له.. من " أنبوب الاختبار الزجاجي الشهير بيد كولن باول أمام مجلس الأمن الدولي، إلى حرائق المدن والقرى والمكتبات والمتاحف والمساجد والناس في أنحاء البلد من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، وتدمير الدولة.

 

هل المقاومة لا تعي ذلك ولا تستعد له؟ وهل البلدان المعنية بالأمر، من قريب أو بعيد، لا تعيه هي الأخرى ولا تستعد له؟ لا أقول ذلك، بل أذهب إلى حد القول بأن المواجهة المنتظرة قد تكون لمصلحة المقاومة على المدى البعيد لأنها ستزيدها ثباتاً على ثبات، ومبدئية على مبدئية.. ولكن أقول إن قوة الشر ومداه هذه المرة أكبر، وتكرار دروسه بعد اكتسابه خبرات وتمرسه بالجريمة أخطر، لا سيما حين نقف على تفسير المفاهيم وتحديدها، ونرى الفجوة الأخلاقية الهائلة بين فهم يرى العدوان والقتل فضيلة القوي الذي لا يرى نفسه إلا خيراً، ويشيطن الآخر بكل وسيلة ويؤمن أنه يقوم بالعمل الصالح له وللناس كافة. إن قلب المفاهيم وتزوير الوقائع والحقائق أصبح من مسلمات عنصريي القرن الحادي والعشرين.. إنهم يعتدون ويهمون الضحية بالعدوان، ويروجون أكاذيبهم بمهارة واقتناع، ويقدمون الآخر الضحية شريراً ومعتدياً وخطراً على الأمن والسلم والقيم؟ ويظهرون أنفسهم مدافعين عن النفس حتى في غزة، والمسجد الأقصى، وعلى سطح الباخرة التركية " مرمرة"، كانوا يدافعون عن أنفسهم وهم يقتلون الأبرياء، ويزعمون أن الخطر يتهددهم وهم يطلقون النار على العزل من أطفال ونساء وشيوخ؟.. إنهم يدافعون عن أنفسهم في بلداننا التي يغزونها ويحتلونها ويستبيحون كل شيء فيها، و فوق جثثنا التي يمزقونها، ومن أجل ثرواتنا وخيراتنا التي ينهبونها، ومحافظة على مصالحهم التي تعلوا على كل مصالحنا؟ يفعلون ذلك بقوة الحديد والنار، وبكل أشكال الغدر والخداع والخبث والحقد.. مع تبجح وقح بأنهم إنما يصنعون السلام، وينشرون الحرية والديمقراطية والأمن والازدهار، ويقيمون العدل وحق الإنسان..إلخ وهذا بعض ما وصلت إليه وقاحة العنصريين في التاريخ، وأنموذجهم المتقدم الصهيوني ـ الأميركي اليوم.

 

إن المعركة القادمة معركة حاسمة، هكذا يريدها أعداء الأمة العربية وهكذا يريدها المقاومون الذين يدافعون عن وجودها وحقوقها وهويتها وشرفها.. إن أعداء الأمة والحقيقة والعدالة والحرية يجهِّزون أنفسهم لخوض المعركة الحاسمة بكل الأسلحة والأدوات، والمقاومة لم تتوقف عن الاستعداد لمواجهة تهديدات وتحديات مستمرة ولكن هل المقاومة أقوى من تجمع دول وجيوش مردت على الشر؟! سؤال معلق في الفضاء ينتظر من ينصره، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بإذن الله.. إن الصراع قنون الحيان منذ عرفت الأرض الحياة.

 

سيبقى المجرمون والمعتدون والظَّلَمة، وسيبقى المدافعون عن أنفسهم ضد الظلم، العاملون من أجل الحرية والعدل.. سيبقى هؤلاء وهؤلاء.. وسيبقى أيضاً  من يوظف طاقاته وطاقات الناس والوطن لخدمة نفسه وأهله ومصالحه وتحالفاته وتسلطه ونزواته وأمراضه.. سيبقى المقاوِم الأصيل الشريف المضحي الفذ من أجل الحرية والتحرير والوطن والقيم، يدفع بدمه عن أمته وعقيدته ووطنه وهويته، ويغص بلقمة العيش في السلم والحرب.. وسيبقى من يتاجر بالدم والتضحيات والبطولات والقيم والوطن، ومن يزيف الوقائع والتاريخ، ويعتلي الكراسي ويفوز بالمكاسب، ويلوح بذي فقار من خشب، يكذب ويصوغ بجبن أمجاداً من قصب، ويسرق بمهنية ومهارة وجسارة، ويفسد باقتدار.. سيبقى هؤلاء وهؤلاء.. ويبقى نصر المقاومة والقيم خيار واختبار في موسم القصف بالكلم والخبيث والنار.. فمن تراه ينصر المقاومة ويختارها؟ وهل يكون هناك اصطفاف عربي ـ إسلامي حولها، إذا كان لا بد من خيار بين العدوان والدفاع؟ وهل نحسن الاصطفاف بثقة وراء قوة تدفع العدوان والظلم والضعف وتستعيد الثقة.. فننصهر في أتون المعركة لنقوم من رمادنا بشراً يليقون بعقيدتهم وماضيهم ؟!

 

إن اختبار النار قادم، وقد خبر الناس عندنا النار مرات ومرات، وظهر لهم أنه لا بد من اختيار.. فالنار المعادية التي يشعلها المحتلون والعنصريون مرفوضة ولكنها مفروضة.. فيا نار كوني برداً وسلاماً على من يخوضون أوارك خوض إبراهيم لك لوجه ربه ووجه الحقيقة بثبات واختيار عقل وقلب وإرادة.. ولينصرن الله من ينصره.. ولينتظر كل على قبض كفيه، من ريح وتباريح، أو من يقين وبعض طين.. إلى أن يكون جمع للناس في مجمع صدق عند مليك مقتدر، حيث يوفى كل ذي حق حقه.. أما في هذه العاجلة فسيبقى هابيل ينتشي بقتل قابيل ويتنكر لدمه، وسيبقى الخير في صراع دائم مع الشر، وسيبقى الباطل مختلطاً بالحق يخفيه ويطغى عليه إلى درجة لا يستبين معها أهل الحق أصابعهم إن هم رفعوها في ظلمة الظلم تلك.. ولكنهم يوقنون بأنها أعمدة نور تشق الظلام، وبأن الإنسان المتعلق بالخير والعدل والحرية.. سينتصر

انشر عبر