شريط الأخبار

كتب أيمن خالد : لماذا لا يكون هناك داوود أوغلو عربي ؟

12:21 - 29 كانون أول / يونيو 2010


كتب أيمن خالد : لماذا لا يكون هناك داوود أوغلو عربي ؟

القدس العربي

احمد داوود أوغلو، يتخرج من مدرسة ثانوية في اسطنبول ويدرس في الجامعة ويتخرج لاحقا ليصبح أستاذا في جامعة مرمرة، ويكتب فقط، لأمة تقرأ ولسياسيين يقرؤون، فيكتشفون أهمية هذا الرجل، ويتم انتدابه مستشارا لرئيس الحكومة رجب طيب اردوغان، ثم وزيرا للخارجية التركية، ليبدأ هذا الرجل ممارسة وتركيب السياسة التي كان يتحدث عنها ويفكر ويكتب حولها.

ثم هاهي تركيا اليوم التي أصبحت تفرض تحولات جذرية في السياسة على مستوى المنطقة، في بلد مقيد من الداخل والخارج، بكثير من المعارضين، الكارهين للانفتاح من الداخل، وأيضاً من الخارج من أمريكا إلى منظومة الناتو وصولا إلى إسرائيل.

الجديد في الإستراتيجية التركية أنها تسير وفق برنامج معلن، فالأتراك يعملون وفق نظرية مكشوفة منشورة بوسائل الإعلام العالمية، ولا تحتاج مزيدا من جهد أجهزة الاستخبارات لاكتشافها والسيطرة عليها، وهذا ابرز أسرار قوة هذه النظرية، وهي مستمدة من كتاب داوود أوغلوا العمق الاستراتيجي، وتبرز نظرية داوود أوغلو أن إمكانية إفشالها مسألة ليست سهلة، وهي ببساطة تعتمد على استنفار القوة الناعمة، وفهم المنطقة جيدا، وتحويل المشاكل معها إلى صفر، في وقت تنشط فيه الإستراتيجية الأمريكية بغية الهيمنة على كل دول الجوار، وفي لحظة تاريخية محددة، وبينما الأمريكان يتحسسون الجانب الناعم من هذه النظرية، يكتشفون أمراً عجيباً، فالوعي وحسن إدارة السياسة من الجانب التركي، باتت تكشف خلال فترة وجيزة، أن عقارب الساعة بدأت تسير وفقاً للتقويم التركي.

وبالطبع سوف نؤكد هنا أن أحمد داوود أوغلو لم يكن ابن وزير، ولا من عائلة حاكمة، وهو أيضا لم يكن عضوا في حزب معين لكي يدفع به هذا الحزب إلى سدة القيادة، وكل ما كان يفعله هذا الرجل انه كان يفكر، في امة احترمت مفكريها وأرادت اختصار الزمن فمنحتهم الفرصة لكي يقدموا خدماتهم لبلدانهم، لكنني اجزم أيضا لو كان عندنا داوود أوغلو عربي، فهو سيكون إما في مستشفى المجانين، أو معتقلا، أو سيكون في ابسط الأحوال في المقبرة.

البلدان التي تريد أن تنجح وتنشط في حياتها، تعطي قيمة للأفكار ذاتها، وتحمي وتحتضن من ينتج هذه الأفكار، وأما في بلادنا العربية، فسر هزيمتنا يكمن في أننا نعطي القيمة للأسماء، وأيضا أسماء محددة، ونريد من هذه الأسماء التي ليس لديها القدرة على إنتاج أي شيء، نريد منها أن تنتج قيمة ثقافية وفكرية، وبالتالي نحن محكومون بأننا نخالف منطق العقل والوعي، ونحن نريد بهذه المخالفة أن نصل إلى نتائج مقنعة، وهذا غير ممكن، فالأسماء التي تعودنا عليها ورأيناها كثيرا، لا تستطيع أن تصل بنا إلى نتائج مقنعة.

لدى كل الدنيا منطق مختلف عن ممارساتنا، فهناك في كل العالم قادة، وسياسيون، وهناك أيضاً أشخاص اسمهم مفكرون، وظيفتهم إنتاج الأفكار، لان منطق البشر، أن من ينتج الفكرة مختلف عن الذي يعمل على تجسيدها، إلا في بلادنا العربية، فالقائد هو ملهم الأمة، وكل من لا يقتنع بهذه النظرية فهو مجنون، وهنا يتحول دور المفكر العربي إلى حالة صامتة، غير قادر على إنتاج ما لا يناسب من هوى الساسة، وهنا أيضا يهرب أصحاب الفكر إلى خارج الجغرافيا، وهاتان فجوتان كبيرتان، فالأول لا ينتج ما يخدم، والثاني ينتج الأفكار ولكنه مطرود من وطنه، فتبقى أفكاره معلقة في الريح، فالمسافة الفاصلة بين اغلب بلداننا العربية، تشعرك وأنت تتنقل بينها، وكأنك تغادر من زنزانة إلى زنزانة، وعندما تغادر بلاد العرب أوطاني، تشعر بأنك حر تتنفس الحرية، ولكن وبكل أسى ستكون وحيدا يستمع الناس لصوتك عبر الأثير، ولا تجد من يؤسس لما تفكر به في بلدك.

ليس الوضع العربي هو السيئ فحسب، ولكن حتى منطق الأحزاب، وحركات المقاومة لا يختلف كثيراً، فلا اسمع مطلقاً عن قائد وقف وتبنى فكرة أو رؤية معينة لكاتب معين، وربما تكون الساحة الفلسطينية مثالا مناسبا، حيث هي الوجع الأساس ، ومع ذلك، فالقادة في أغلبهم لا يمارسون منطق قراءة الفكرة ولا يخطر ببالهم الاستعانة بالمفكرين، اللهم إلا من باب التسويق الإعلامي، أو استمالة هذا المفكر أو ذاك، فالأتراك الذين قرؤوا لأحمد داوود أوغلوا ووجدوا ضالتهم، كانوا يعيشون لحظة البحث عن الفكرة، بينما نحن ننتقل من أزمة إلى أزمة، ولا نريد أن نشرك مفكرينا بأمور الوجع العام والذي علينا أن نديره وفق طريقة إدارة وصناعة المزارع السياسية.

بكل الأحوال، فالعرب عبر التاريخ كانوا أهل حكمة، وكانوا يختصرون الكلام بالأمثال، فهم قالوا في زمن الأنبياء المثل الشهير، لا كرامة لنبي في وطنه، وقالوا أيضا في زمن العلماء، قالوا- أزهد الناس بالعالم أهله وجيرانه- وهم اليوم يطلقون المثل العربي الشهير – زمّار الحي لا يطرب، وهذا بالطبع لأننا أصبحنا نعيش في زمن الزمارين؟

لدى امتنا آلاف المفكرين الذين بأيديهم الحلول، ويستطيعون أن يكونوا أساتذة في عالم السياسة، ولكن يلزمنا أولا أن نتوقف عن العيش في زمن الزمارين.

كاتب من فلسطين

 

انشر عبر