شريط الأخبار

الملاكم..معاريف

11:55 - 25 حزيران / يونيو 2010

بقلم: بن كاسبيت

بعد زمن قصير من تولي رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عمله في نيسان 2009 سرب مكتبه نبأ مدويا قال ان نتنياهو اتخذ "قرارا استراتيجيا" لاعادة الجندي المختطف جلعاد شليت الى البيت. ضجت البلاد. وتنافس المحللون في تسمية الآجال للصفقة. تم الحديث عن "نهاية السنة". وسئل السؤال، أي سنة؟ قدر المتشائمون ان الحديث عن السنة الميلادية (2009). لكن كان من ألمحوا، بغمز الى أنه تمكن مفاجأة وان يعود جلعاد قبل نهاية السنة العبرية!

        في الاثناء  مرت السنة الميلادية والعبرية أيضا كأن لم تكون. وجلعاد ما زال غير موجود. نتنياهو اتخذ قرارا استراتيجيا. لكن شليت غير موجود. بل إن حماس لم تجهد نفسها حتى في أن ترد على اقتراح اسرائيل الاخير فعندها وقت. لأن رئيس حكومة اسرائيل اتخذ قرارا فلماذا نسرع؟ اذا كان يوجد "قرار استراتيجي"، فانهم سيرجعون عن مواقفهم آخر الأمر، يقولون في حماس. وهم على حق تماما.

        كان من اقترح على نتنياهو، مع توليه عمله، الامر الآتي: أن يعلن بأن اقتراح حكومة اولمرت الأخير "والمفرط جدا" على حماس هو اقتراح فاسد لن يخطر ببال حكومة يمين، لكن برغم ذلك، وباسم "مبدأ التوالي" يقبله. يحرق أسنانه ويقبله. مع ذلك لن يوجد تفاوض كثير. هذا هو الاقتراح ولا مناص منه. أتريدون؟ تفضلوا. هذا هاتفنا – ألا تريدون؟ لا نحتاج. لا تقلقونا. وأن يبدأ في مقابلة ذلك استعمال ضغط عنيف على حماس بواسطة آلاف السجناء المحتجزين في اسرائيل. أن يلغي بين عشية وضحاها جميع الأفضالات الفاضحة عليهم. بلا زيارات، وبلا مكالمات هاتفية، وبلا محطات تلفاز وأجهزة تلفاز في كل غرفة، وبغير الحصص المخصصة من المعونات، وبغير الطبخ الذاتي، وبغير جامعات، ومجلات وصحف والملذلات الاخرى التي اعتادها هؤلاء الناس طوال السنين. إنهم لكثرة ما اعتادوها ازدادت اوزانهم جميعا تقريبا في السجن الاسرائيلي، يسمنون ويرقصون. أما منذ الان فصاعدا فستكون حقوق فقط على حسب ميثاق جنيف. زيارة محام ومندوب من الصليب الأحمر ولا غير. أهذا قليل؟

        ما يزال هذا أكثر كثيرا مما يحصل عليه جلعاد. فكل من يعرف المجتمع الفلسطيني يعلم كم يستطيع هذا الاجراء أن يستعمل ضغطا ثقيلا على حماس. لكن نتنياهو متمسك بما عنده، "بالقرار الاستراتيجي".

        يعلق هذا القرار الان فوق رأسه، يترجح ويهدد بالسقوط عليه. وسينطوي آخر الامر كما يعلم على الجميع. وسيفعل ذلك في ذروة الضعف والضيق. واذا كان سينطوي فلماذا يفعل ذلك منذ البدء؟ وأنت قوي وتستطيع ان تسمح لنفسك بهذا؟ لكن بيبي هو كذلك. يعلم أقرب الناس اليه قول انه يساوم دائما ويشاحن، ويدفع في النهاية أغلى ثمن للحصول على أسوء سلعة. مؤسف. في يوم الاحد ستخرج مسيرة من أجل جلعاد شليت من "متسبيه هيلا" وستحط الرحال ازاء بيت رئيس الحكومة. ما حدث لنتنياهو في الولاية السابقة، مع طلاب الجامعات الذين أضربوا قبالة بيته، سيبدو مثل مخيم استجمام بالقياس بما سيحدثه الاعلام الصارخ في هذه المرة. ما بقي للرفاق في غزة فعله هو أن يشاهدوا ويفركوا أيديهم بتمتع. لا يطلب منهم أي عمل. في هذا الايقاع، ستنحل عرى اسرائيل من تلقاء نفسها آخر الأمر بغير أن يلمسها أجنبي.

        علاج رئاسي

        ظهر نتنياهو هذا الاسبوع في مزاج معكر جدا. قال أناس شاهدوه من قريب في لجنة الخارجية والأمن في الكنيست إنه سيء المزاج. مثل ملاكم تلقى الضربة ثم تلقاه حتى فقط الاهتمام وانطوى على نفسه. يثورون عليه من كل صوب. من الائتلاف (الحريديون الغربيون)، ومن المعارضة، والاتراك، والامريكيون والفلسطينيون، والاوروبيون، والاردنيون والايرانيون وحزب الله وحماس. بل حتى من داخل الوطن، فلم يعد يستطيع الرئيس شمعون بيرس ضبط نفسه.

        في هذا الاسبوع قضى الزوجان نتنياهو مساءين متتواليين في بيت الرئيس وتناولا الطعام على مائدته. هذه حادثة نادرة إن لم نقل لم يسبق لها مثيل. إن بيرس، الذي تغرق أعماله في البحر، استعمل الضغط. يسأل سؤال: لماذا يجب على السيدة نتنياهو ان تكون هناك. والجواب معلوم لكل مقرب وهو أنه يجب ان تكون هناك. فهي الهدف المركزي للاقناع. فهي غير المستعدة للسماع بحكومة وحدة (إن عداوتها لتسيبي لفني تفوق عداوة زوجها كثيرا). وهي التي ترتاب بخطط بيرس السياسية المبالغ فيها. ولهذا يحسن جدا الحديث اليهما معا. لأنه حتى لو أقنع بيرس نتنياهو وحده، وانصرف هذا الى بيته، سيتبين عندما يعود أنه قد رجع عما قال. وهذه ظاهرة يعرفها من قريب كل اولئك الذين عملوا (بلا شذوذ) أو يعملون مع نتنياهو طول السنين. فبعد أن يعاود عمله في الصباح ينقلب كل شيء. يحاول بيرس اذن ان يقامر على الصندوق كله. أن يعالج العائلة كلها علاجا رئاسيا. بيرس هو آخر اسرائيلي ما زال يحصل على تكريم ما في العالم. فهو يشبه كيانا مستقلا خارجا عن اسرائيل نفسها. إنه يلحظ الاخطار، وسلب الشرعية وكل ما ينتظرنا في الاشهر القريبة اذا لم يتغير أي شيء تغيرا مهما. وهو يهب للمساعدة ويشك في أن ينجح.

 

 

        أمريكا تضعف

        يظن كثير من مؤيدي نتنياهو أن الهجمات عليه مبالغ فيها ويقولون: "أنتم تكرهون بيبي". يزعمون أن الوضع الجغرافي – السياسي والاستراتيجي في العالم تغير تغيرا كبيرا منذ تولي نتنياهو الحكم، ولهذا لا  تلقى أكثر تبعة ما يحدث لنا الان عليه. يوجد في هذا الزعم شيء ما وهو يستحق جوابا.

        أجل، العالم يتغير. والأرض ترجف. الحديث عن تغييرات تكتونية حاسمة. في مقدمتها ضعف أمريكا. ذات مرة، كان محور القدس – واشنطن مهيمنا جدا حتى لقد غطى على كل ما سواه لكنه لم يعد كذلك. فقد قال بشار الأسد منذ وقت غير بعيد علنا إن "أمريكا ضعفت". ويزداد محمود أحمدي نجاد وقاحة ويقول على رؤوس الاشهاد: "أمريكا هي امبراطورية الماضي، ونحن المستقبل، تعالوا معنا". وهم يأتون. فقد أصبحت سورية وتركية وقطر هناك. ودول الخليج في ترجح. ومصر في توتر، والأردن ترتجف خوفا. المحور المعتدل تنتقض عراه. وتنصاغ قبالته قوة اسلامية من طهران ودمشق وأنقرة وبغداد وربما تركمانستان ايضا بعد ذلك. هذا هو المحور الشمالي الفعال الذي يضعضع استقرار المنطقة كلها والعالم ايضا.

        تركيا هي التي تكسر  التعادل في هذا الشأن، وهي التي أدارت لها اوروبا ظهرا وفهمت التلميح. فهم يتحدثون هناك علنا عن "عثمانية جديدة"، وأردوغان يقلم أظافر الجيش والمحكمة العليا، والديمقراطية العلمانية تهتز. كل ذلك مع ضعف التأييد الامريكي لاسرائيل، وضعف امريكا نفسها، يضعضع التوازن الاستراتيجي في الشرق الاوسط الذي كان معطى ثابتا عشرات السنين ها هنا.

        لماذا حدث هذا لامريكا؟ لا بسبب ضعف اوباما بالضرورة. فقد بدأ مع استعمال بوش للقوة. استنفدت امريكا قوتها ولم تحصل على شيء. ما يزال أسامة بن لادن حرا. والعراق في اضطراب، وافغانستان أيضا وباكستان تغلي بالارهاب. أتذكرون "الضربة والرعب" وهو الاسم الشفري لعملية احتلال العراق؟ أجل "ضرب ورعب"، لكنهما هذه المرة من نصيب الغرب. أدركت امريكا حدود القوة لكن الامر اصبح متأخرا جدا الان. ما يحدث الان هو أن عيون الجميع تستشرف المواجهة مع ايران. إن نتائجها ستصوغ مستقبلنا جميعا. هذا هو الشيء  الحقيقي. اذا برهن العالم، بقيادة أمريكا، على زعامة وقوة ها هنا فقد يكون ذلك نقطة التحول. تستطيع الادارة الامريكية في مواجهة ايران فقط أن تبرهن على أن أظفارها ما زالت لم تقلم. فاذا انتصرت ايران؟ يفضل ألا نفكر في ذلك. سيكون معنى ذلك نهاية عصر تحديد السلاح الذري (فالشرق الاوسط كله سيحصل على الذرة سريعا)، وتكون نهاية الهيمنة الامريكية على المنطقة، ونظام عالمي جديد أو عدم نظام اذا شئنا الصواب. إن الانتصار الايراني سينعكس على العالم الاسلامي كله. فان الدول التي نجحت حتى الان في صد الثورة الايرانية ستنهار. وسيقوى حزب الله وحماس بل الشيخ رائد ها هنا عندنا.

        يجري هذا الامر منذ عدة سنين. ضعف القومية العربي لمصلحة التحول الاسلامي الجارف. الاسلام يسيطر على السياسة، ويقوض السلطات القومية، ويهدد بالسيطرة على كل شيء. نرى هذا على نحو مصغر عند الفلسطينيين أيضا. فالمواجهة بين فتح وحماس هي القصة كلها. استمرار القومية الفلسطينية العلمانية التي مثلت الى الان بلا اعتراض الشعب الفلسطيني، مقابل التحول الاسلامي الذي ليس له أي علاقة بالقومية. إن حماس أقرب الى حزب الله من "الاخوة" في رام الله. إن المحور بين نصرالله واحمدي نجاد هو حلف بين عربي لبناني وفارسي غير عربي. والدين هو الذي يوحدهما. أما ما لا يثير اهتمامهما فهو القومية.

        الحديث عن وضع خطر على اسرائيل أكثر مما كان حتى الان. وهو وضع ستبدو حروبنا في الماضي قياسا به مثل استجمام. اذا أصبحت حماس ممثلة للفلسطينيين فقد انقضى خيار التوصل الى تسوية. ستضطر اسرائيل الى مفاوضة رجال دين في بيروت ودمشق وطهران، يؤمنون بأن الأرض ها هنا هي أرض وقف. بخلاف ياسر عرفات، الذي اتخذ قراراته دائما باستقلالية تامة وكان الزعيم غير المعترض عليه للشعب الفلسطيني، لم يعد لابي مازن هذا الامتياز. فهو محتاج الى تأييد الجامعة العربية، وليس واضحا معه أيضا ما هي قوة قرارته. التقى رئيس روسيا مديفديف خالد مشعل وتخطى أبا مازن (وهو خريج جامعة موسكو)، وهو ما يبرهن على أن الوقت لا يعمل في مصلحتنا بل في مساءتنا. وبسرعة.

        أعلن ثلاثة من رؤساء الحكومة أتوا من اليمين (شارون وأولمرت ونتنياهو) تأييد مبدأ "الدولتين"، لكن الصفقة واقفة. ولن تكون ذات موضوع في القريب.

        لا مناص

        تعالوا نعد الى نتنياهو. قالوا لنا قبل الانتخابات إنه الأعرف بأمريكا. وانه يتوقع المستقبل ويتنبأ به دائما. وإن رؤيته الجغرافية الاستراتيجية هي الأشد وعيا ودقة.

        لو أن كل ذلك كان صحيحا، لكان من المفترض أن يلحظ المشكلة سلفا وأن يعد ردا. فالزعامة موجودة لاجل ذلك. بدل أن يعلن "تقديرا من جديدا" للمسيرة السياسية ويصيب العالم كله بالجنون، كان يعرض خطة سياسية. ولا يهم ما تكون. دولة في حدود مؤقتة، أو تسوية مرحلية أو ما شئتم (ما عدا "سلاما اقتصاديا"، بطبيعة الامر الذي يراه العالم طرفة غير ناجحة). الأساس أن توجد مبادرة. بدل أن يتردد ويجمجم ويتبجح، كان يجب أن يخطب خطبة بار ايلان في أول يوم من عمله. وأن يتحدث في أول لقاء مع اوباما بصدق وأن يقول للرئيس الامريكي ما هو المستعد لفعله، والى أين هو مستعد أن يصل وما هي "نهاية اللعبة" الحقيقية. وألا يمرخ ذلك بقوله "سأفاجىء بعد". وكان يجب أن يزيل الحصار عن غزة بمبادرة منه. في نطاق التفضلات والمبادرة السياسية الجريئة. فمن أجل هذا أنشأنا مجلسا للأمن القومي، كي يحلل ويلحظ المشكلات قبل أن تأتي الرحلة البحرية لا بعد ذلك. وربما كان يجب تغيير تأليف الحكومة أيضا. تبين هنا منذ زمن غير بعيد أن نتنياهو اقترح على تسيبي لفني اقتراحات بعيدة المدى في أثناء التفاوض الائتلافي. كان يوجد اتفاق موقع في جيب تساحي هنغبي. وفي ضمنه حق لفني في الاعتراض على قرارات سياسية ويشتمل على تعيين مشترك لرئيس هيئة الاركان، ورؤسائ الاجهزة وما أشبه، والتفاوض السياسي ايضا. وكانت المشكلة ان لفني لم تصدقه. تبين بعد ذلك انها كانت على حق. ففي اللحظة التي يظل فيها نتنياهو على التمسك بالحلف التاريخي مع الحريديين وتوازن الرعب مع ليبرمان، ولا يفضل انشاء حكومة من الاحزاب الثلاثة (الليكود وكاديما والعمل، ومن شاء فهو مدعو للانضمام)، يلوح العنوان على الحائط، الذي يقف قاتما في نهاية زقاق "لا مخرج" الذي تسير نحوه هذه الحكومة.

        كان يفترض أن يعمل نتنياهو وأن يتوقع ما حدث. فالاختلاف مع الامريكيين (الذين لا يعترفون سوى بحدود 67) موجود منذ أكثر من أربعين سنة، لكنهم لم يلحظوا في الحقيقة أن الفلسطينيين شغلوا أنفسهم في الارهاب. قال ابو مازن في سنة 2001 إنه "ما ظل هناك ارهاب فستنتصرون علينا في ساحة القتال. وعندما ينتهي الارهاب سننتصر عليكم حول مائدة التفاوض". يحدث هذا الان واقعا. ولهذا يحتاج الى خطة اسرائيلية تعطي جوابا.

        مخطط سياسي جديد

        ماذا سيكون الان؟ يحاولون الان استعمال الضغط على نتنياهو. من الخارج (تحدثنا عن بيرس، وأعضاء في كاديما، وآخرون أيضا). ومن الداخل. وهناك وزراء، فغير قليل من الوزراء في الليكود يبذلون جهدهم في هذا. حتى اولئك الذين يعدون يمينيين أو لا يعدون. جميعهم يلحظ الخطر ويعلم أن كل شيء سينهار على هذا الايقاع الحالي بعد سنة. جميعهم ما عدا نتنياهو. عندما عاد في طائرة سلاح الجو من واي بلانتيشن، بعد أن وقع على الاتفاق مع "الصديق الذي وجدته في البيت الابيض"، واسمه ياسر عرفات، استعمل عليه مقربوه ضغطا كي ينزل من الطائرة في مطار بن غوريون ويدعو ايهود باراك الى الانضمام لحكومة وحدة وطنية. رفض نتنياهو ذلك في احتقار. نزل من الطائرة وخرج من الفور في هجوم لاذع على "ثلاثي التآمر" (باراك و ليبكن – شاحاك وروني ميلو). انحرف يمينا بحدة. وعندما أدرك انه يجب أن يدعو الى الوحدة، ودعا أيضا كان ذلك متأخرا جدا.

        احدى الخطط التي تعرض الان على نتنياهو هي صياغة مخطط سياسي جديد، يشتمل على تأليف بين التصورين "النشوء من أسفل" لبيبي وسلام فياض، الذي يعني بناء الدولة الفلسطينية من أسفل، على حسب نهج بن غوريون: أي ضم زاحف للأرض والسلطات تمهيدا للدولة الآتية. وفي مقابلة ذلك نظرية من أعلى لأسفل ويؤيدها أبو مازن (وسائر العالم)، وتلح على التفاوض في التسوية الدائمة في جميع الموضوعات الجوهرية. في الخلاصة سيشتمل هذا في الميدان على استمرار عاجل على بناء المؤسسات الفلسطينية، وتنفيذ انسحاب آخر (نتنياهو مدين للفلسطينيين بـ "اعادة انتشار" بنسبة 13 في المائة منذ اتفاق واي)، وانشاء اتصال جغرافي واسع قدر المستطاع، ومساعدة على بناء مدينة فلسطينية جديدة، وانشاء محطة شرطة فلسطينية في المناطق "ب" وما أشبه ذلك.

        يتم التفاوض "الكبير" في موازاة ذلك لكن بغير آجال مسماة ضاغطة. يتعلق هذا الاقتراح، أكثر من كل شيء بالقيادة الامريكية. أن يفهم شخص هناك ويقود. الشهر القريب حاسم. يتوقع في أيلول ضجيج ضخم مع نهاية التجميد، ونهاية أربعة أشهر "محادثات التقارب"، واقتراب الانتخابات في الولايات المتحدة، والشغب في الامم المتحدة والأجل المسمى لايران. من يعلم، ربما يبادر بوغي هرتسوغ أيضا الى "تباحث سياسي" في مؤسسات حزب العمل (!).

        بمناسبة ذكر هرتسوغ، استعمل ايهود باراك في واشنطن ضغطا على الامريكيين ليستعملوا الضغط على نتنياهو لتوسيع الحكومة. برغم ان باراك لا يريد ذلك حقا. ما زال نتنياهو يرفض تغيير التأليف الائتلافي. يقول له في ذلك من يقول: "يا بيبي، لا تغير الائتلاف، غير السياسة. ومن أراد آنذاك فليبق". ما احتمال أن يغير بيبي السياسة؟ ضئيل يؤول الى الصفر. يجب عليه كي يحدث هذا أن يتلقى الضربة بعد. وعندما يتلقاه، كما قلنا آنفا سيكون الأمر متأخرا جدا.

        أمور يروونها في "هآرتس"

        في يوم الاثنين من هذا الاسبوع نشرت صحيفة "هآرتس" في صحفتها الأولى نبأ بقلم أور كاشتي. تقتبس من قول وزير التربية جدعون ساعر الذي يهدد "بالعمل في مواجهة محاضرين يدعون الى قطيعة جامعية مع اسرائيل". وضمت ايضا مقالة غاضبة بقلم أبيرما غولان عنوان "بدأت حملة الصيد". أجل، إنها مكارثية مجسدة، وفاشية في صيرورة.

        بالمناسبة، اقتبس من كلام ساعر بعد ذلك أيضا في النبأ كمن قال في مؤتمر حركة "اذا شئتم" إنه يولي نشاطكم المبارك أهمية. أي فظاعة. وفي دولة اليهود ايضا.

        دفعت من غد ذلك الى اجتماع لجنة التربية في الكنيست التي تناولت موضوعا مشابها هو الحرية الاكاديمية في المدارس في اسرائيل. كانت جلسة مثيرة للاهتمام أدارها ادارة حسنة الرئيس زبولون اورلاف، وتناولت في الاساس تصريحات مدير مدرسة عربي، وتغلغل الحركة الاسلامية في المدارس في الوسط العربي، وتصريحات رام كوهين أيضا، وهو مدير المدرسة الثانوية البلدية أ في تل ابيب (وقد حضر الحفل أيضا). وتطرقت الجلسة أيضا الى موضوع القطيعة الجامعية. جلس قبالتي أور كاشتي من صحيفة "هآرتس"، مسلحا بجهاز حاسوب محمول، وطبع بجد.

        فتحت صحيفة "هآرتس" من الغد. وكان عنوان: "أكاديميون: كلام ساعر في مواجهة محاضرين دعوا الى قطيعة اسرائيل – ظلامي". بل إنه ظلام مصر. بدأ النبأ على هذا النحو: "التصور الذي يقول إن محاضرين وباحثين في الجامعات يجب أن يستقيموا مع خط سياسي ما للحكومة يميز نظم حكم ظلامية وشمولية"، هذا ما قاله أمس عميد الكلية، ولا يهم من (احتراما له). سألت نفسي اذا كان أور كاشتي قد حضر الجلسة التي حضرتها فما الذي جعله ينشر هذه السخافات؟

        من ذا يطلب الى محاضرين وباحثين "أن يستقيموا مع خط سياسي"؟ لا يوجد شيء كهذا. هذا اختلاق تام. وأكذوبة فظة تذاع في قراء صحيفة "هآرتس" كل يوم، بالمجان. وليس فيهم فقط، بالمناسبة. ففي العالم كله يقرأون هذه الاكاذيب من طريق موقع الانترنت بلانجليزية لهذه الصحيفة، التي تفتح على الدوام في آلاف المراكز الاكاديمية والحاكمة في العالم. ومن هناك يستمدون المادة التي تغطى بها بعد ذلك وجوهنا في حلقات مختلفة وتسهم في حملة سلب الشرعية. إن ساعر لم يحلم في أن يطلب الى شخص ما الاستقامة مع خط سياسي ما، بل العكس. يستطيع كل محاضر أن يفعل وأن يقول ما شاء. وأن يتظاهر وأن يصرخ وأن يوقع على عرائض، ويتحدث ويفعل ما شاء لمواجهة سياسةس الحكومة. يخيل إلي أنه يتم في هذه الصفحات أيضا عمل ما في هذا الاتجاه في السنة الاخير.

        إن الدعوة الوحيدة تقع على اولئك الذين وهم ما زالوا يعملون في مؤسسة جامعية، ويحصلون منها على أجر ويشربون على ظمأ من حليبها ومخها، يدعون العالم الى القطيعة معها. لا توجد مفارقة أشد جنونا من هذا. لا يوجد لهذا مثيل، ولا سابقة. إن كراهية للذات متقدة جدا كتلك التي توجد عندنا تستطيع ان تغذي حماقة كهذه. وساعر، في الحاصل يفحص عن امكان الأخذ بخطوات ذات شأن، في نطاق قوانين المؤسسات الجامعية نفسها، في مواجهة اولئك الذين يعملون وينشرون بجد الغصن الذي يدرسون عليه.

        إن الارهاب، والمكارثية واغلاق الأفواه في الجامعات الاسرائيلية تتم كل يوم في مواجهة الجانب الثاني خاصة. في مواجهة محاضرة كانت مسؤولة كبيرة في النيابة العامة العسكرية (بنينا شربيت)، وفي مواجهة جندي اجترأ على دخول محاضرة وهو ما يزال في لباس الخدمة الاحتياطية، وما أشبه ذلك. هذا مشروع في هذه الحالات. لكن عندما يأتون لبحث وتحقيق أفعال اليسار الهاذي. يصبح ذلك فجأة "حملة صيد"، ويصبح فجأة "ظلاميا".

        هذه مأساة اليسار المتطرف الاسرائيلي. وهذا بالضبط سبب خسارته. من المؤسف ان هذا يؤثر في اليسار كله (الذي نجا مما دبره له ايهود باراك). لا ينجح الرفاق في استيعاب أن النقد شرعي من كل اتجاه، وأن هناك فرقا جوهريا بين المعارضة القومية لسياسة الحكومة، والعمل السياسي، والجماهيري والاجتماعي والثقافي والشخصي في مواجهة نتنياهو او ليبرمان او غيرهما، وبين التآمر على شرعية الدولة اليهودية وحقها في حماية نفسها. والمشاركة في حملة الصيد الحقيقية التي تجري عليها في هذه الايام في العالم. والانضمام الى موجة الدعاوى القضائية التي تقدم على مسؤولين كبار وضباط اسرائيليين. الحديث هنا عن تخطي خط أحمر خفاق مدو. لا يفهمون هذا في صحيفة "هآرتس" ربما لانهم صاروا موجودين في مشهد مختلف تماما. مشهد "دولة جميع مواطنيها" التي تهددنا جميعنا.

انشر عبر