شريط الأخبار

قائد الجبهة الشمالية الإسرائيلية : يعرض رؤيته لحرب مضت وتهديدات تتغير

07:24 - 21 تموز / يونيو 2010

قائد الجبهة الشمالية الإسرائيلية : يعرض رؤيته لحرب مضت وتهديدات تتغير

حلمي موسى

لا تزال حرب لبنان الثانية تشكل منطلقا قويا لمحاسبة إسرائيل لنفسها. وتقريبا في كل عام منذ أربع سنوات تعقد العديد من مراكز الأبحاث, وخصوصا مركز دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب, ندوات لمراجعة تلك الحرب واستخلاص المزيد من العبر منها. ويمكن القول انه إضافة لوضع الإصبع هنا وهناك على بعض عيوب وإخفاقات الجيش والمجتمع الإسرائيلي في التعامل مع المخاطر المستجدة هناك من يحاول تصفية حسابات مع عناصر داخلية وخارجية. ولا يقل أهمية عن ذلك ميل عدد من المحاضرين في هذه الندوات لادعاء أن تلك الحرب كانت في واقع الحال غير ما تبدت لدى العالم. وفي نظر هؤلاء كانت تلك حربا حققت فيها إسرائيل أهدافها وبالتالي لا معنى جديا لتقرير فينوغراد, الذي كان تجاوبا مع حالة إعلامية وليس تحقيقا مهنيا في الأحداث الفعلية. وبكلمات أخرى تشكل بعض هذه الندوات محاولة متأخرة لإعادة كتابة تاريخ تلك الحرب بالغة الأهمية والمعاني.

وفي كل حال فإن مجلة «الجيش والاستراتيجيا» الصادرة عن مركز دراسات الأمن القومي عرضت في عددها هذا الشهر محتويات ندوة عقدت قبل شهرين حول تغييرات التهديد الذي تواجهه إسرائيل. وكان مميزا في هذه الندوة عدم اقتصار المشاركين على أكاديميين أو ضباط سابقين وإنما مشاركة شخصيات لا تزال فاعلة وخصوصا قائد الجبهة الشمالية الحالي الجنرال غادي آيزنكوت. وقد انطلقت الندوة, بحسب منسق مشروع الندوات غابي سيبوني, من واقع أن «حرب لبنان الثانية كشفت واقعا مركبا. فإسرائيل التي اعتادت مواجهة جيوش, وجدت نفسها تواجه تنظيمات تستخدم أساليب إرهابية, وعلى نطاق واسع, وأداتها الرئيسية هي إطلاق نار منحني المسار بشدة, بدقة, وبكميات تتزايد باستمرار». ويرى سيبوني أن تغير التهديد وضع إسرائيل أمام تحديات عديدة بينها احتماء العدو بالمدنيين واستخدامه المتزايد لمنظومة القضاء الدولي بأمل المس بشرعية إسرائيل.

ويشدد سيبوني في مقدمة هذا العدد من مجلة «الجيش والاستراتيجيا» على أن إسرائيل أفلحت في بناء رد عسكري على الخطر التقليدي ما دفع العدو «الذي لم يسلم بوجود إسرائيل للبحث عن طرق بديلة. واحدة منها الانتقال لاستراتيجية تهدف إلى استنزاف مواطني الدولة والمساس بشرعيتها السياسية والقانونية. وشكل الاستخدام الواسع لإطلاقات منحنية المسار نحو مراكز السكان في إسرائيل الأداة الأساسية لتجسيد هذه الاستراتيجية».

ويدعي سيبوني أن التهديد هذا تطور على خلفية تغيير جوهري طرأ على نظرية الأمن القومي الإسرائيلية. ويحاجج بأنه رغم الطابع الدفاعي للاستراتيجية الإسرائيلية فإن سياستها العسكرية على مر السنين كانت هجومية ولم تسمح لخطر ما يسميه بالإرهاب بالتطور وهو ما حفظ هذا الخطر «على نار هادئة». ويقول ان تخلي إسرائيل عن السياسة العسكرية الهجومية قاد إلى تنامي الخطر بشكل لا كابح له وتجلى «في امتلاك حزب الله لوسائل إطلاق كثيرة. وفي حرب لبنان الثانية قررت دولة إسرائيل عمليا التوقف عن سياسة الاحتواء, ولذلك اضطرت لمواجهة خطر أشد, تطور من دون عوائق, واليوم لم تعد المستوطنات الحدودية في خط النار، بل صار معظم سكان الدولة في مرمى النيران منحنية المسار». ويضيف أنه «عندما تم استيعاب الواقع الجديد, صار على دولة إسرائيل اكتشاف الرد الأفضل لهذا الخطر».

ويشدد سيبوني على أن الخطر الراهن مزدوج: مادي وسياسي قانوني. وبحسب نظرية الأمن القومي, كما صاغها بن غوريون, فإنه ينبغي على الدوام توسيع المساحة الزمنية بين جولات المواجهة وتقليل مدة وأضرار كل جولة بما يعني التركيز على الردع. وهو ما يستدعي السؤال عن الأدوات التي يمكن لإسرائيل اليوم استخدامها لتحقيق هكذا أهداف. «بسبب أن راجمات وذخائر العدو كبيرة جدا, وموزعة على مناطق شاسعة, يصعب فهم كيف أن بوسع الجيش الإسرائيلي تماما إسكات نيران العدو عن طريق ضرب الراجمات. وبناء عليه يتطلب الأمر عملا مشتركا يشمل أربعة مقومات, اثنان منها هجوميان والآخران دفاعيان». وفي نظره فإن المقومين الهجوميين هما توجيه ضربة نارية مدمرة لقدرات العدو العسكرية وبناه التحتية والتنظيمية من أجل إبقاء الضرر في الذاكرة لأطول فترة والمناورة بالنار والحركة لتقليص حجم الإطلاقات على إسرائيل. أما المقومان الدفاعيان فهما استخدام منظومات اعتراض الصواريخ وتقليص أثر الإطلاقات على الحياة المدنية.

غير أن الندوة بالمشاركين فيها من متطرفين ومعتدلين, عسكريين وأكاديميين, تغدو أقل أهمية من كلام قائد الجبهة الشمالية غادي آيزنكوت. فكلامه يتسم بطابع عملي أكثر من سواه رغم تركيزه على أبعاد نظرية. وتنبع أهمية آيزنكوت ليس فقط من المنصب الذي يحتله اليوم وإنما كذلك من كونه القيادي العسكري البارز الوحيد الباقي من القيادة التي خاضت حرب لبنان الثانية. فهو أكثر من غيره يمثل ما تم استخلاصه من عبر من تلك الحرب. ولا يقل أهمية عن ذلك حقيقة تولي آيزنكوت منصبا عمليا مركزيا في كل ما يتعلق بلبنان.

ويلحظ في كلامه نوعا من التبرير لما سبق وأطلقه من استمرار إسرائيل على نهج «نظرية الضاحية» التي سبق وأطلقها رئيس الأركان السابق دان حلوتس. لكن هذا التبرير ينطوي على قدر من التراجع نبع في الأساس من إدانة تقرير غولدستون لطروحاته. ويمكن القول ان قلة من العسكريين الإسرائيليين في الوقت الراهن تتحدث بمنطق «نظرية الضاحية».

غير أن مقالة آيزنكوت يمكن اعتبارها نوعا من رؤية رسمية معلنة تتضمن من ناحية خلاصة ما يعرفونه ويفكرون به، لكنها من الناحية الثانية تشمل ما يريدون الإيحاء به. لذلك، فإن الأهمية تقتضي قراءة المحاضرة بمزيج من التدقيق والحذر. فهي تحوي العديد من المغالطات التي يسهل الوقوف عليها لكنها أيضا تحوي منطلقات لا يصح البتة جهلها أو تجاهلها عند محاولة فهم منطق التفكير الإسرائيلي.

 

انشر عبر