شريط الأخبار

المعاقون في غزة... بين مطرقة الحاجة للعلاج وسنديان إغلاق المعابر

02:40 - 09 تموز / يونيو 2010

منهم من قَطَّعت الحرب أطرافهم، وآخرون وُلدوا أجنة مشوهين.. والقادم أسوأ

المعاقون في غزة... بين مطرقة الحاجة للعلاج وسنديان إغلاق المعابر

فلسطين اليوم: إياد الحسني

في الثالث من شباط/ فبراير الماضي تناول المعاق أيمن زقوت 35 عاماً من سكان عزبة بيت حانون في محافظة شمال غزة ملفاً ضخماً من أحد أدراج مكتبه، وبدأ يُقلب ما فيه من أوراق وصور وتقارير طبية وتذاكر سفر وجوازات سفر تحمل عدة تأشيرات إلى معظم دول العالم التي زارها مريضاً لتلقي العلاج، وبدأ يُقلب فيها الواحدة تلو الأخرى دون أن ينبس ببنت شفه، وكأن لسان حاله يقول "لولا إعاقتي هذه لانطلقت الآن في شوارع غزة كأقراني من الشباب، ولجلست على شاطئ بحرها الجميل".

 

وتوقف زقوت مطولاً عند أول تقرير طبي عمره سبعة عشر عاماً، هي عمر سنوات معاناته مع الإعاقة التي ألمت به في نفس التاريخ السابق ذكره من العام 1994 حين أطلقت الوحدات الخاصة الإسرائيلية عليه وزميله سليم موافي وابلاً من الرصاص في مدينة رفح، فقتلت موافي، وأبقت على أيمن حبيس كرسي متحرك بعد أن أصابته بعدة رصاصات كان أخطرها ما أصاب ظهره وتسببت له بشلل نصفى سفلي.

 

أيمن زقوت الذي يشغل الآن منصب أمين سر الاتحاد العام للمعاقين، استطاع أن يقهر إعاقته ويتغلب عليها، وأن لا يكون رقماً فقط في سجلات الاتحاد أو أيٍ من المؤسسات التي تُعنى بشئون المعاقين، بل حضوراً مميزاً يُشار له بالبنان حين أصر على أن يصعد إلى المركز الأول ببطولة تنس الطاولة التي نظمها نادي البسمة للمعاقين بمشاركة 56 لاعباً ولاعبة من كافة أندية القطاع، وشهدت تنافساً قوياً خاصة بين فئة المعاقين حركياً "كراسي متحركة" والتي أحرز فيها زقوت من نادي السلام للمعاقين المركز الأول، بالإضافة إلى إحرازه العديد من الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية في عدة بطولات دولية وإقليمية ومحلية خاضها.

 

وقال زقوت "إن الإعاقة مثلما لم تكن سبباً يحول دون انخراط المعاقين في النضال الوطني، فإنها لن تكون سبباً يحول دون مشاركتهم الكاملة في كافة مناحي الحياة"، مضيفاً في بادئ الأمر شعرت بأن عقارب الساعة توقفت عند الثالث من شباط 94، وهو تاريخ إصابتي بالإعاقة، ولكن بعد فترة وجيزة، وبدعم معنوي متواصل من قبل الأهل والأصدقاء، استطعت التغلب على إعاقتي والخروج إلى الشارع، والانطلاق في فضاء الكون أبحث ليس على المشاركات في الألعاب الرياضية والأعمال الجماهيرية فحسب، بل وعلى التميُز ربما على الكثير من الذين حباهم الله نعمة الصحة أيضاً في ألعاب القوى، ولعبة كرة السلة وغيرها.

 

وتابع إن ما يعتصرني ألماً هو ضياع حقوق المعاقين وعدم الجدية في حمايتها، وعدم إدماج اتفاقية الأمم المتحدة للمعاقين التي صدرت عام  2006 م في القوانين والتشريعات الفلسطينية للتمتع بأبسط حقوقنا من المستلزمات والأدوات المساعدة والعلاج، مطالباً كافة المؤسسات الحكومية والأهلية الوطنية والدولية وجميع شرائح المجتمع بالعمل من أجل دعم وحماية حقوق المعاقين على المستوى القانوني والعملي، وتوفير كافة التسهيلات اللازمة لتمكينهم من لعب دورهم كمواطنين داخل المجتمع وحمايتهم من التمييز والحرمان".

 

مطر: عدم توفر مناخ سياسي ملائم يعيق دعم وتفعيل القوانين الخاصة بالمعاقين

 

ومن جهته قال رئيس الاتحاد العام للمعاقين عوني مطر إنه "بالرغم من توافر الأدوات القانونية لدعم حقوق المعاقين الفلسطينيين، إلا أنه لا تزال هناك العديد من المعيقات كالحصار وعدم توفر مناخ سياسي ملائم يدعم ويفعل هذه القوانين"، داعياً إلى العمل بجدية نحو تفعيل وحماية حقوق المعاقين، مطالباً كافة المؤسسات الحكومية والأهلية والدولية وجميع شرائح المجتمع بالعمل من أجل دعم وحماية حقوق المعاقين على المستوى القانوني والعملي، وتوفير كافة التسهيلات اللازمة لتمكينهم من لعب دورهم كمواطنين داخل المجتمع وحمايتهم من التمييز والحرمان.

 

وأضاف مطر إن الحصار لا يحرم المعاقين في قطاع غزة من التمتع بأبسط حقوقهم من المستلزمات والأدوات المساعدة والعلاج فحسب، بل ويمنع الأصحاء من التمتع بحقوقهم أيضاً، داعياً إلى رفع الظلم عن كاهل الشعب الفلسطيني عامة، والمعاقين بشكل خاص، وإلزام إسرائيل بتنفيذ القرارات الدولية وإنهاء الاحتلال وتأمين حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشريف، مشدداً على ضرورة متابعة تنفيذ المؤسسات الحكومية والأهلية لالتزاماتها التي ينص عليها قانون حقوق المعاقين رقم (4) لعام 1999م، موضحاً يزداد يومياً إما بفعل الحرب الإسرائيلية، أو نتيجة الاقتتال الداخلي، أو التشوهات الخلقية الناتجة عن تشوهات الأجنة بفعل الأسلحة الإسرائيلية المحرمة دولياً، بحيث خلَّفت الحرب نحو 600 معاق جديد ليضافوا إلى إلى70 ألف معاق آخرين في محافظات غزة.

 

وأشار إلى أن حدوث الإعاقات أمر شائع يحدث لأي فرد وفي أي سن فالرصاص الغادر لا يفرق بين شاب أو امرأة أو طفل أو شيخ، كما ازدادت مظاهر العجز والإعاقة بين أبناء الشعب الفلسطيني ومعها ازدادت عليهم تعقيدات الحياة نفسياً واجتماعياً وتعليمياً ومهنياً، مضيفاً أن حالة الانقسام الفلسطيني الراهنة والحصار الإسرائيلي المفروض تُعد عائقاً كبيراً نحو إحداث التغيير الإيجابي لأوضاع المعاقين، كما أن لها تأثيرات خطيرة على واقعهم المعاش.

حسنين: استخدام إسرائيل للقذائف السامة زاد من عدد الأجنة المشوهين

ويمكن القول هنا إنه في الوقت الذي يحتدم فيه الجدل السياسي حول إدانة ممارسات الاحتلال الإسرائيلي على سلوكه في عدوانه على غزة، فإن الأطفال المشوهون مازالوا يتكاثرون، حيث أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، أن معدل الأطفال «الخدج» والأجنة المشوهة ارتفع بشكل ملحوظ منذ انتهاء الحرب الإسرائيلية قبل عام، بحيث وصل إلى نحو 100 طفل مشوه، مؤكدة على لسان الدكتور معاوية حسنين رئيس اللجنة العليا للإسعاف والطوارئ أنها لم تُسجَل حالات تشوه غير معلومة السبب.

وقال حسنين إن جميع الخبراء والمختصين في علـم الأجنة وأطباء من وزارة الصحة أثبتوا بما لا يدع مجالاً للشك أن هذه التشوهات هي نتيجة للأسلحة الفتاكة التي استخدمتها قوات الاحتلال ضد الفلسطينيين خلال حرب غزة، مثل الفسفور الأبيض وقذائف "الدايم" وانفجار الوقود الهوائي، الذي يخلف سحابة من ذرات الوقود التي تحترق، وتؤدي إلى تفحم الهدف الذي يجري تعريضه لهذا النوع من الذخائر، مبيناً أن وزارة الصحة أحصت بعد عام على الحرب نحو 75 حالة تتشابه فيها حالات التشوه، بشكل يؤكد أنها ليست بفعل عوامل وراثية، مستدركا أن أياً من التشوهات في الجينات إذا ما كتبت الحياة للطفل ومارس حياته بشكل طبيعي فسينتقل هذا الخلل إلى أولاده وراثياً، ولقد وجدنا حالات تشوه لمواليد حملت بهن نساء خلال فترة الحرب وبعدها، وأثبتت نتائج الفحوص والعينات التي أخذت بواسطة مستشارين وخبراء بعلم الأجنة أنهم أصيبوا بهذه التشوهات جراء استخدام الأسلحة المحرمة دولياً.

وتوقع أن يؤدي ذلك إلى ما أسماه «مآس وراثية» أخرى، خصوصاً إصابة مواطنين بأمراض السرطان والفشل الكلوي كنتيجة حية لاستخدام الأسلحة الفتاكة، ما يؤكد أن ولادة أطفال مشوهين ما زالت قائمة، وربما تستمر سنوات طويلة، مشدداً على ضرورة إجراء النساء اللواتي تعرضنَّ بشكل مباشر، أو اللواتي يعشنَّ في مناطق استخدم فيها الجيش الإسرائيلي هذا النوع من القنابل مثل شرق مدينة غزة، ومنطقة الـمغراقة، وغرب النصيرات، وشرق حي الزيتون بغزة وشمال قطاع غزة، لاسيما عزبة عبد ربه والقرم والعطاطرة والسلاطين، الـمراجعة والفحص الدوري في عيادات النساء والولادة للاطمئنان إلى صحة الأم والجنين، لأن لهذه القذائف أبعاداً وتداعيات بيئية وصحية آنية ومستقبلية خطيرة.

عابد: العدوان الإسرائيلي الأخير أدى إلى إصابة أكثر من 600 مواطن بإعاقات

وفي هذا السياق قال الدكتور مصطفى عابد مشرف برنامج التأهيل بجمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية في قطاع غزة "إن العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة أدى إلى إصابة أكثر من 600 مواطن بإعاقات، وهذا العدد من المعاقين يستلزم زيادة المسئولية الجماعية تجاههم ليجدوا مكانهم في مجتمعهم من جديد كأفراد قادرين مستقلين معتمدين على أنفسهم"، مطالباً في الوقت نفسه كافة المؤسسات الرسمية والأهلية بدعم حقوق المعاقين وتمكينهم من ممارسة دورهم في المجتمع.

وأوضح عابد أنه وبحسب التقديرات المقدمة من مؤسسات التأهيل ووزارتي الشئون الاجتماعية والصحة المقالة في غزة، ودائرة الإحصاء المركزية، فإن نحو 70 ألف معاق موجودين في محافظات غزة، وأن نسبة الإعاقة بلغت 4,5% من للسكّان، مؤكداً أن ما نسبته 13% من جرحى الحرب الأخيرة باتوا معاقين بدرجات متفاوتة، حيث استخدمت إسرائيل أنواعاً جديدة من الأسلحة تسببت في بتر أطراف المصابين.

زقوت: أعلى نسبة للمعاقين في العالم هي في الأراضي الفلسطينية

ومن جهته أكد مركز الميزان لحقوق الإنسان على لسان مدير وحدة البحث الميداني في سمير زقوت، أن أعلى نسبة للمعاقين في العالم هي في الأراضي الفلسطينية، نتيجة رصاص وقذائف الاحتلال الإسرائيلي الذي حوَّل في حربه الأخيرة على قطاع غزة 600 فلسطيني إلى معاقين، موضحاً أن نسبة المعوقين في الأراضي الفلسطينية تعد الأعلى على مستوى دول العالم.

وطالب زقوت المجتمع الدولي بالوفاء بالتزاماته القانونية والأخلاقية تجاه السكان المدنيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة لحمايتهم من جرائم الحرب الإسرائيلية التي تنتهك حقهم في الحياة وتوقع الإعاقات في صفوهم، مؤكداً أن نسبة المعاقين تصل إلى حوالي 3.5% من مجموع السكان، وترتفع في محافظات قطاع غزة بشكل خاص لتصل إلى حوالي 4% أي نحو 70 ألف معاق وفقا لمصادر اتحاد لجان الإغاثة الطبية.

وقال إن العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، أضاف حوالي 600 مواطن إلى صفوف ذوي الإعاقة، جراء بتر في الأطراف، وضرر في حاستي السمع والبصر لحقت بالفلسطينيين من سكان قطاع غزة، لافتاً إلى أن الحصار يمنع دخول الأدوات الطبية والتأهيلية اللازمة للمعاقين، ويعرقل خروج المحتاجين منهم للخدمات والعلاج لتلقي هذه الخدمات خارج قطاع غزة.

وأضاف زقوت إن جرائم الحرب الإسرائيلية التي تتسبب في الإعاقة لعشرات الفلسطينيين، كما أن استمرار الحصار الإسرائيلي المشدد على القطاع منذ أكثر من أربعة سنوات، يُشكل أحد أبرز مسببات الإعاقة في صفوف الأطفال الفلسطينيين في قطاع غزة، وتزايد ارتفاع معدلات الإصابة بفقر الدم بين الأطفال في قطاع غزة إلى ما نسبته 50%، مشيراً إلى أن ذلك أمراً خطيراً ويشكل تهديداً حقيقياً بإصابتهم بالإعاقة.

تحويل بعض المرضى لبرنامج غزة

وبدوره قال مدير الجمعية الوطنية لتأهيل المعاقين كمال أبو قمر، إن الحرب الأخيرة التي فاق فيها عدد المصابين الخمسة آلاف جريح حسب إحصائيات وزارة الصحة، استطعنا وبالتنسيق مع الوزارة الحصول على بعض القوائم ومن ثم تحديد 3600 حالة لزيارتها في مناطق العمل التابعة للجمعية الوطنية لتأهيل المعاقين وهي رفح وخان يونس وكذلك المحافظة الوسطى ومدينة غزة باستثناء شرق خان يونس ومنطقة شمال القطاع لأنها تحت إدارة جمعية الإغاثة الطبية، ومن واقع تحليل البيانات التي وصلتنا تبين أنه من خلال 1650 حالة، هناك 359 شخصاً تم تصنيفهم بإعاقات مختلفة، وتم التعامل مع هذه الحالات بشكل شمولي، بالتنسيق مع المؤسسات العاملة في قطاع التأهيل حتى نتمكن من تلبية الاحتياجات المباشرة والتنموية لهم.

وأشار أبو قمر إلى أن نتائج التقييم العام دلَّت على أن الإعاقة الجسدية هي الأكثر انتشاراً في حالات الحرب، وخاصةً حالات البتر والتي تعتبر نسبتهم كبيرة، مضيفاً كما أن هناك تخوفاً من ولادة أجنة مشوهين لنساء قد تعرضنَّ في فترة الخصوبة للأشعة الناتجة عن القنابل الفسفورية وغيرها، لأن تأثير هذه العناصر يأخذ مدى لتظهر نتائجه.

وحول برامج التأهيل والخدمات التي تقدمها الجمعية للمعاقين وأسرهم والمجتمع، قال إن برنامجنا هو واحد وهو التأهيل القائم على المشاركة المجتمعية، ولكن له أنشطة مختلفة ومتعددة، ويبدأ في عملية التأهيل الفردي والتأهيل الاجتماعي النفسي بعد تقييم الاحتياجات وتحديد الأولويات بمشاركة الأسرة نفسها، بالإضافة إلى توعية المجتمع المحلي بمفهوم الإعاقة بالأشخاص ذوي الإعاقات، للمساهمة في دمجهم بشكل أكبر في المجتمع المحلي، وتوفير بعض الأدوات المساعدة والأطراف الصناعية، وتحويل بعض الحالات ممن يترددون على الجمعية ويعانون من اضطرابات سلوكية أو مشاكل نفسية إلى برنامج غزة للصحة النفسية لتلقي خدمة أكثر مهنية يحتاجها هؤلاء الأشخاص.

وفي سياق متصل ذكر أبو قمر أن المجلس التشريعي الفلسطيني قام بتشريع حقوق المعاقين، والذي أقر ما نسبته 5% من الوظائف في المؤسسات الحكومية والأهلية للمعاقين، إلا أن بعض القائمين على هذه المؤسسات يفهمون ذلك على أنه إحسان وليس حق مكتسب للمعاقين، وأن ذوي الإعاقة قد يمتلكون القدرة التي تؤهلهم على منافسة الأصحاء في الامتحانات والمقابلات ويثبتون أنهم قادرون على أداء هذا الدور الذي يمنحهم ويعطيهم الوظيفة.

د.زقوت: الجرح النفسي من الصعب أن يلتئم

ومن جهته أوضح الدكتور سمير زقوت الأخصائي النفسي والاجتماعي ببرنامج غزة للصحة النفسية أن استعمال إسرائيل للفسفور الأبيض في المناطق السكنية الآهلة، يعتبر جريمة من جرائم الحرب، وقد شهدت مستشفيات قطاع غزة ميلاد عدد كبير من الإعاقات والتشوهات، وتركت الحرب المئات من المعاقين حركياً ونفسياً، والتأثير الأعمق هو التأثير النفسي والاجتماعي للإعاقة، حيث أن الجرح الجسدي قد يلتئم ولكن الجرح النفسي من الصعب أن يلتئم، والأسرة التي أصيب أحد أبناءها أو ولد لها طفل مشوه تمر بمراحل متعددة وهي مرحلة الصدمة، ومرحلة الإنكار حيث تعيش الأسرة حالة من الإنكار ورفض الواقع وعدم الاعتراف به، وتظل تتعامل وكأن الأمور لم تحدث، ولكنه في الحقيقة يراكم الألم حيث أن هذه الحيلة الدفاعية في الإنكار والهروب من الواقع تؤدي إلى تراكم الألم.

وأضاف زقوت كما أنه في المرحلة الثانية تأتي مرحلة اللوم، والتي يصب فيها أفراد الأسرة جام غضبهم على السلطات المختصة من أطباء وغيرهم على اعتبار أنهم قصروا في إنقاذ المصاب أولاً، وأنهم لم يراعوا السيدة أثناء الولادة فجاء الطفل مشوهاً، وبالتالي تدخل الأسرة في المرحلة الثالثة وهي مرحلة الحداد الحزن على ما حدث نتيجة للإصابة والإعاقة التي حدثت، ومن ثم الدخول في مرحلة الاكتئاب، والتي تدخل فيها الأسرة في حالة من الاكتئاب واليأس والحزن الشديد على ما حدث والذي يعتبر بحد ذاته اعتراف من قبل الأسرة بالواقع والتكيف معه، والتي تبدأ في محاولة لمساعدة الطفل الذي أصيب أو وُلد مشوهاً من خلال مساعدته على التكيف مع وضعه الجديد ومحاولة منهم للحصول على مساعدة له، وهذه مرحلة مهمة جداً.

وفيما يتعلق بالتأثير النفسي والاجتماعي للإعاقة على المعاق بشكل خاص وعلى أسرته والمجتمع بشكل عام، قال زقوت إن الإعاقة تعتبر ذات تأثير على المعاق بشكل خاص، وذات تأثير على الأسرة والمجتمع، ولنتناول التأثير على الشخص نفسه ونظرته لنفسه، فهي تضيف عبئاً جديداً على الإنسان حيث يشعر بفقدان الأمل أحياناً، وتدني قدرته وقدرة الأسرة على التكيف مع الواقع الجديد أو قبوله، وهذا كله يجعل المعاق يشعر بتدني تقدير الذات، وأحياناً يصاب بحالة من التوتر والقلق والعصبية، ويصبح إن كان متزوجاً عنيفاً اتجاه الطرف الآخر الزوجة والأبناء، وقد يصاب بحالة من الاكتئاب واليأس، وهذا لا ينفي أن بعض الحالات تستطيع التكيف والتأقلم مع الإعاقة ولكن ذلك يحتاج إلى مساعدة من الأسرة والمجتمع.

وأضاف أما فيما يتعلق بالآثار النفسية القريبة والبعيدة المدى للإعاقة على المعاق وأسرته، فالآثار قريبة المدى تغير نمط الحياة الاجتماعية نتيجة الإعاقة، وتغير نمط العلاقات الداخلية بين أفراد الأسرة، وتغيرها بين أفراد الأسرة والمجتمع، فالشعور بالحزن نتيجة الإصابة والإعاقة يجعل الأسرة تنعزل شيئاً فشيئاً وتبتعد عن العلاقات الاجتماعية المفتوحة، كذلك اعتماد المعاق على أفراد الأسرة يجعل لديه شعور بالعجز، ويولد أحياناً شعور بالغضب ينفجر باتجاه المقربين سواء الزوجة أو الأولاد وأحياناً اتجاه الوالدين والأخوة وأخيراً اتجاه المجتمع بشكل عام، كما وتعاني الأسرة من ردود فعل متعددة ومتباينة نتيجة الإعاقة في محاولة منها مواجهة هذه المشكلة، وأحياناً تشعر الأسرة بالخجل والارتباك، وأحياناً أخرى الشعور بالصدمة والأسى، وأحياناً أخرى الشعور بالحسد للآخرين لأنهم لم يصابوا بما أصيبت به هذه الأسرة، والأسرة هي المسئولة عن إشباع حاجات الإنسان، وهذه المؤسسة الاجتماعية ذات طبيعة اعتمادية متبادلة الأدوار التي يلعبونها أفرادها وعلاقاتهم ببعضهم البعض.

وتابع زقوت إن ما يقوم به الإنسان داخل الأسرة يترك أثراً على جميع أفراد الأسرة وهذا التفاعل بين أفراد الأسرة يؤثر في شخصية كل فرد من أفرادها، موضحاً أنه عندما تفاجأ الأسرة بإصابة أحد أبنائها بإعاقة فإنها تُصاب بالحيرة والارتباك والاضطراب، ويمكن القول أن المشكلات الانفعالية والنفسية التي تعاني منها الأسرة تنعكس وتؤثر بشكل كبير على شخصية المعاق حيث يشعر بأنه غير مقبول من الأسرة، وهذا الرفض وعدم التقبل يجعله في موقف دفاعي ضد المحيطين به، وأحياناً يأخذ موقفاً عدائياً باللجوء إلى أشكال السلوك التدميري أو العدواني نحو معظم الأشياء المحيطة به.

وحول ما تعانيه أسرة المعاق من آثار ومشاكل ناتجة عن إعاقة رب الأسرة أو أحد أفرادها، أشار زقوت إلى أن الأسرة تلعب الدور الأساسي في تكيف المعاق مع إعاقته، فإذا كانت اتجاهات الأسرة إيجابية نحو الإعاقة فإنها تساعد في إزالة العوامل السلبية التي توجد في بعض الأسر مثل الخجل والقسوة على المعاق، وعدم منحه الفرصة للاختلاط بالآخرين، ولكن إذا كانت الأسرة إيجابية فإنها تشيع جو من الطمأنينة والهدوء مما يساعد المعاق على التكيف مع واقعه الجديد، مضيفاً إن الأسرة الإيجابية هي الأسرة التي تعترف بكرامة المعاق، وتمنحه الثقة والقدرة على مساعدة نفسه إلا في حالات العجز الكلي، وهي التي تنظر إلى الإنسان نظرة شمولية تكاملية وذلك بالنظر على المعاق وشخصيته ومشكلاته وطرق حلها بشكل إيجابي، وتراعي حقوقه بغض النظر عن إعاقته.

وذكر أن هناك طرقاً كثيرة يمكن من خلالها مساعدة المعاق من الناحية النفسية والاجتماعية مثل مساعدته على التكيف النفسي والاجتماعي، وتوعية المعاقين بما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، وتقديم الخدمات الصحية والتعليمة والمهنية والاجتماعية بما يتناسب مع نوع الإعاقة، وإيجاد العمل المناسب لكل معاق بما يتناسب مع درجة الإعاقة، موضحاً أن هذه العملية المتكاملة تسمى إعادة التأهيل التي تعني بتقديم الخدمات الطبية والتعليمية والمهنية والاجتماعية والنفسية لمساعدة المعاقين في التغلب على مشكلاتهم وتقديم الخدمات الترويحية والترفيهية لشغل أوقات فراغهم ومساعدتهم على ممارسة الرياضة، فالمعاق يحتاج إلى من يساعده سواء بتقديم الخدمات أو تطوير صفاته الشخصية بدنية كانت أو عقلية أو سلوكية أو تطوير البيئة لكي تتلاءم مع صفاته، ولذا فمهمة الأخصائي النفسي أن يرفع معنوياته بالوسائل المناسبة، مثل تشجيعه على أن يكون عضواً في جماعة لزيادة الشعور بالانتماء وهذا يساعد على الشعور بالأمن وسط الجماعة التي يعيش فيها، وتشجيعه على الاعتماد على النفس والقيام ببعض الأعمال بما يتوافق مع قدراته وإمكاناته.

وأضاف كما أنه على الأسرة مساعدة المشرفين على علاج المعاق في إزالة العوامل السلبية مثل العطف الزائد والقسوة الزائدة، وكذلك عزل المعاق عن الناس وعدم إعطاؤه الفرصة للاعتماد على النفس، مؤكداً أن كل ما سبق يساعد المعاقين على التكيف مع ظروفهم الجديدة.

وأمام كل ما ذكر، فإن العدوان الإسرائيلي ليس على قطاع غزة فحسب، بل وعلى الأراضي الفلسطينية المحتلة برمتها، والتي يؤدي يومياً إلى وقوع ضحايا جدد، ويزيد من عدد المعاقين الشباب والأطفال، يجعل الجميع دون استثناء وخاصة حركتي فتح وحماس إلى إنهاء الانقسام، وتشكيل حكومة موحدة بالضفة وغزة تُعنى بكافة شرائح المجتمع الفلسطيني وتوحيد الجهود المبذولة هدراً لخدمة المواطنين بشكل عام، والمعاقين بشكل خاص  لأن هذا العدد الكبير منهم يستلزم زيادة المسؤولية الجماعية تجاههم.

انشر عبر