شريط الأخبار

فقدوا السيطرة- يديعوت

12:32 - 01 حزيران / يونيو 2010

 

فقدوا السيطرة- يديعوت

بقلم: اليكس فيشمان

 (المضمون: برغم اخفاق استيلاء البحرية الاسرائيلية على سفن الرحلة البحرية الى غزة، كانت العملية صحيحة وضرورية وستكون صحيحة وضرورية في المستقبل ايضا - المصدر).

نقطة البدء في كل عملية استيلاء حاسمة. فهي تحدث الصدمة، والمباغتة، ويفترض ان تخرج العدو عن اتزانه. لكن في الدقائق الاولى تشوش شيء ما في نقطة البدء، وغيرت عملية الاستيلاء على السفينة التركية باتجاهها وأصبحت عملية تخليص بثلاثة جنود أو اربعة، نجح الشاغبون في عزلهم عن القوة وغشيهم خطر التنكيل او الاختطاف.

        أمس صباحا كانت دولة اسرائيل قريبة جدا من وضع مواجهة عملية مساومة في البحر، في حين يمكث في السفينية التركية أربعة جنود اسرائيليون، أحياء أو أموات، ويجري عليهم تفاوض. وكان يمكن أن ينتهي ذلك الى مجزرة جمعية. كان قائد سلاح البحرية او قائد الوحدة البحرية يستطيعان اتخاذ قرار اغراق أسطح السفن بنار الرشاشات من المروحيات لتخليص الجنود الذين دفعوا الى ضائقة. يقال في فضلهما أنهما حافظا على برود أعصاب واتخذا قرارات سليمة.

        ما زالت الصورة غير  واضحة على قدر كاف. لكن من شهادات المحاربين والقادة ومن أفلام الطائرات بلا طيار التي أطلقها متحدث الجيش الاسرائيلي تبدو صورة خطة عمليات تعقدت بسلسلة من الاختلالات. أولا، يبدو ان قائد القوة لم ينجح في ادخال جميع القوات في الوقت نفسه في السفينة. فادخال جميع القوات من عدة اتجاهات في الوقت نفسه كان شرطا ضروريا للنجاة. وفي اللحظة التي لم يعمل فيها ذلك تبين ضعف القوة.

        ان المشروع المركزي في خطة الاستيلاء على السفن الست كان السيطرة على السفينة "مرمرة". بسبب كبرها ومئات الناس فوقها كان عدد جنود الكوماندو الذين ارسلوا اليها مضاعفا. كان يفترض ان يسيطروا سريعا على المقاود وان يقرنوا السفينة الى سفن الصواريخ الاسرائيلية.

        بيد انهم في سلاح  البحرية اعتمدوا على أن الحديث عن مدنيين رجهم البحر مدة اسبوع وأنه يكفي تسلل سريع الى السفينة في الرابعة والنصف في الفجر للقيام بالعمل. لم ينجح هذا النموذج كما يبدو كما خطط له: فالمروحيتان اللتان كان يفترض أن تهبطا نحوا من ثلاثين محاربا أتتا من فوق سطح السفينة الأعلى وأنزلتا حبالا. نجحت واحدة منهما في أن تهبط سريعا موجة أولى من أربعة محاربين. لكن ركاب السفينة نجحوا آنذاك في ربط الحبل بهوائي فوق سطح السفينة. دفعت المروحية الى ضائقة، وقرر الطيار قطع الحبل وابتعدت المروحية. وهكذا أصبح يقف على سطح السفينة في الثواني الأولى أربعة محاربين فقط.

        في مقابلة ذلك كان يفترض أن تلازم سفن صاعقة الوحدة البحرية جنب السفينة، وأن ترمي بسلالم يتسلقها عدة عشرات آخرون من المحاربين من طريق أسطح السفينة التحتانية. لكن هذه العملية تشوشت ايضا: فقد استعد أناس السفينة لصراع. لقد أعدوا رشاشات مع رصاص حديدي، وأعمدة حديد، وهراوى وكراسي، وسكاكين، وزجاجات حارقة، وزجاجات مكسورة أصبحت سكاكين مرتجلة. وقد عوق  صعود رجال الكوماندو الذين لاصقوا جوانب السفينة.

        في نقطة الزمن هذه، على سطح السفينة الأعلى بدأ الهياج الجمعي في مواجهة المحاربين الأربعة الأفراد. سلت سكاكين. وهوجم جندي، تلقى ضربات قاتلة ورمي به من فوق سطح السفينة. واختطف سلاح عدد منهم. بلغ العنف مستويات جعلت عددا من جنود الوحدة البحرية يضطرون الى القفز الى البحر عندما انقض الجمع عليهم.

        كان محاربو الكوماندو مسلحين بمسدسات صعق كهربائية، وبغاز مسيل للدموع، وببنادق صبغية. أخذوا معهم أيضا مسدسات أعدت فقط لوضع طارىء اذا تعرضت حياتهم للخطر. في الحقيقة تم أخذ السيناريو الاسوأ للشغب العنيف في الحسبان، لكن لم يخطر ببال مخططي العملية امكان أن يكون الناس على سطح السفينة مستعدين للتغرير بحياتهم. كان ذلك خطأ كبيرا. والى ذلك أرشد  محاربو الوحدة البحرية الى وجود جلة على السفينة من أعضاء برلمان، وأدباء، ومشاهير على اختلافهم. وبهذا يكون استعمال السلاح الحي غير مراد اذا لم نشأ المبالغة.

        إن مستوى العنف الذي واجهوه كان مفاجئة تامة. قرأ قائد الوحدة البحرية الصورة سريعا وأعطى المحاربين الذين بقوا في المروحية أمر الانقضاض وأن يخلصوا الأربعة بالقوة تحت النار. لم يعد يوجد تركيز جهد للاستيلاء بل تركيز جهد للتخليص. انتقل المحاربون الى استعمال السلاح الحي. وكانت النتيجة تسعة قتلى من بين الركاب. وجد مع اثنين منهم مسدسان اختطفا من المحاربين واستعملا في الجنود. ولحظ ان اربعة قتلى آخرين استعملوا السلاح البارد، والسكاكين لطعن الجنود. أما مشاركة الباقين فغير واضحة. لكنهم كانوا بين الشاغبين.

        في غضون عشرين دقيقة أتت السفينة مروحية مع مجموعة محاربين أخرى. ونجح أفراد قوارب الانقضاض في صعود السفينة. جميع القصة منذ لحظة هبوط الجنود الى الاستيلاء التام امتدت نصف ساعة وهذا وقت طويل. و "حدث هدوء فجأة"، كما وصف ذلك أحد المحاربين.

        الان  تبدأ الاسئلة: هل كان هنالك اخفاق استخباري؟ أكان عند مخططي العملية معلومات كافية جيدة عما يحدث على السفن – وهو أمر كان يمكن أن يشير الى مستوى المقاومة المتوقع؟ هذا موضوع يستحق التحقيق.

        لا  تجربة عند سلاح البحرية للاستيلاء على سفن ركاب كبيرة. صنعوا نماذج، واستعدوا لعملية، لكن مواجهة مئات من الركاب لا يتعاونون، ويشغب بعضهم، تختلف في الجوهر عن الاستيلاء على سفينة تجارية حتى لو كانت كبيرة كثيرا. هل القوات التي أدخلت عملية الاستيلاء كانت على القدر الصحيح؟ سيضطرون هنا أيضا الى الدراسة واستخلاص العبر. ويضطرون الى فعل ذلك سريعا. لان الرحلة الآتية ستكون مع سفن أكبر.

        وسؤال آخر أثير أمس: لماذا لم يدمروا محركاتهم؟ في تقارير لوسائل الاعلام، قبل ان تخرج الرحلة البحرية في طريقها، جرى الحديث عن اعطال حدثت في عدد من السفن أوجبت اعادتها الى الموانىء. أصلحوها آنذاك وعادت للبحر. يبدو ان هذا هو الجواب. فالمحركات يمكن اصلاحها. من أجل اشلال سفينة الى الأبد يجب اغراقها او الاستيلاء عليها.

        هل فعلت اسرائيل كل ما تقدر عليه لمنع الرحلة البحرية بوسائل دبلوماسية؟ قبل نحو من عشرة أيام توجه السفير التركي في واشنطن الى سفير اسرائيل مايكل اورن وتبين منه هل سيكون من الممكن ادخال المعدات الانسانية في قطاع غزة.

        في وضع كهذا، قال، ستمنع تركيا خروج السفن. تلقى رئيس الحكومة ووزير الدفاع التلخيص وباركاه. استدعى منسق الاعمال في المناطق سفير تركيا في اسرائيل للقاء وحاول أن ينسق معه نقل البضائع. لكن تبين آنذاك ان الاتراك لا يقصدون لذلك على العموم. أعلنوا أنهم يعتذرون، لكنهم لا يستطيعون منع خروج الرحلة. أجريت محادثات في أربع مستويات مع وزراء خارجية تركية واليونان وقبرص وايرلندا. طلب اليهم وزير الدفاع شخصيا منع المواجهة. الدولة الوحيدة التي كانت مستعدة لاجابة التوجه الاسرائيلي هي قبرص. ولم يكن الاتراك معنيين البتة بمنع الرحلة البحرية.

  بدأ رئيس هيئة الاركان يجري التحقيق العميق أمس في الساعة الثامنة والنصف مساء، لكن عملية "رياح السماء" في امتحان النتيجة كانت اخفاقا: فقد أحرز العدو بالضبط الصور التي أرادها، وأخذت الأمواج الدبلوماسية الارتدادية تحشد تسارعا وتهدد في هدم الحصار على غزة، ويتوقعون في أجهزة أمن اسرائيل امكان رحلة بحرية تركية أخرى أكبر، تحاول استرجاع النجاح المريب لسابقتها. وفي هذه الاثناء، برغم التشويشات على الخطة التنفيذية التي أعدها سلاح البحرية – كانت هذه العملية صحيحة وضرورية، وستكون صحيحة وضرورية في المرة القادمة ايضا. ولهذا يجب الكف عن التباكي، ودراسة الاخطاء واستخلاص الدروس. لا يمكن ان تهتز الدولة بين أمزجة تحددها نجاحات واخفاقات محددة.
انشر عبر