شريط الأخبار

أيُّ دولة فلسطينية على أيِّ أرض؟ ..محمد السمّاك

08:50 - 24 كانون أول / مايو 2010


أيُّ دولة فلسطينية على أيِّ أرض؟ ..محمد السمّاك

 

في عام 1948 صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 181. نصّ القرار على "إقامة دولتين مستقلتين واحدة عربية والثانية يهودية على أن تخضع مدينة القدس إلى نظام دولي".

 

كانت تلك المرة الأولى التي يطرح فيها شعار الدولتين. ولكن هذا الشعار لم يبصر النور حتى اليوم. فهل تتحقق المعجزة الآن وتقوم الدولة العربية الفلسطينية في موازاة "إسرائيل"؟.

 

كان الفلسطينيون حتى بعد حرب عام 1948 يملكون 97.2 بالمئة من مساحة أرض فلسطين التاريخية. ولكن عشية قيام "إسرائيل" عرضت الأمم المتحدة على الفلسطينيين بموجب مشروع التقسيم 47 بالمئة من الأرض. ولمّا رفض العرض الفلسطينيون والعرب (وكذلك "الإسرائيليون") توسّعت "إسرائيل" في كلّ اتجاه ممّا أدى إلى تقلّص مساحة الأرض الباقية للفلسطينيين من وطنهم إلى 22 بالمئة فقط.

 

وبعد حرب حزيران- يونيو 1967. ضمّت "إسرائيل" 20 بالمئة من هذه الأرض الفلسطينية الباقية (بما فيها القدس).

 

وبموجب اتفاق أوسلو 1993. كان يفترض أن تقوم دولة فلسطينية على مساحة 47 بالمئة من الثمانين بالمئة المتبقية من الاثنين والعشرين بالمئة من مساحة فلسطين التاريخية. ولكن حتى اتفاق أوسلو سقط رغم كل ما فيه من ظلم وإجحاف.

 

وبموجب "خارطة الطريق" فإنّ المطروح على الفلسطينيين هو إقامة دولة على 42 بالمئة من هذه البقية الباقية. أي أن هذه الدولة العتيدة ستقوم (إذا قامت فعلاً) على 42 بالمئة من 80 بالمئة المتبقية من أصل 22 بالمئة من مساحة الأرض الفلسطينية. ولقد ابتلعت "إسرائيل" مساحة إضافية من تلك التي حدّدها اتفاق خارطة الطريق. أقامت عليها مستعمرات جديدة وشقّت إليها طرقات جديدة.

 

ثم إن ذلك مشروط بالتنازل عن حقّ عودة اللاجئين الذي كفله لهم قرار مجلس الأمن الدولي رقم 194؛ كما أنه مشروط بأن تكون الدولة منزوعة السلاح. وهو مشروط كذلك بتصفية مسبقة لكل فصائل المقاومة الفلسطينية. حتى إذا قامت هذه الدولة على هذه البقية الباقية من الأرض. وبموجب هذه الشروط التعجيزية. فإنّها ستجد نفسها محاطة "بجدار برليني" من الإسمنت المسلّح يبلغ طوله ألف كيلومتر وتعلوه شبكة من الأسلاك المكهربة بلغت نفقات بنائه 2 مليار دولار.. الأمر الذي يجعل من الدولة سجناً كبيراً.. بل ربّما قفصين مكتظّين بشعب معتقل. قفص في بقية غزة. وقفص في بقية الضفة الغربية. وفوق ذلك كلّه. بل ومقابل ذلك كلّه. مطلوب من الفلسطينيين أن يسبّحوا بحمد أميركا التي تعمل على تحقيق المعجزة التي طال انتظارها وهي ولادة الدولة الفلسطينية!!.

 

وفي الواقع فإن ثمة قوى سياسية دينية في كلّ من "إسرائيل" والولايات المتحدة ترفض من حيث المبدأ أن يكون للفلسطينيين دولة ولو على شبر واحد من الأرض "التي وعد الله بها بني "إسرائيل"". وتؤمن هذه القوى التي تتمتّع بنفوذ قوي في حكومة نتنياهو. وتلك التي تشكّل العمود الفقري لليمين الديني الأميركي المتجمع في الحزب الجمهوري. بأن إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية (يهودا والسامرة) هو رفض للإرادة الإلهية. وتعطيل للوعد الإلهي. وبالتالي فهو تحدٍّ لله. وتحذّر هذه القوى اليهودية والمسيحانية الصهيونية معاً بأن من يفعل ذلك سوف يتعرّض لسخط الله وغضبه. لقد تمكّنت هذه القوى من تفشيل مشروع خارطة الطريق. كما فشّلت من قبل مشروع التقسيم في عام 1947. ومشروع أوسلو في عام 1992. ومشروع واي ريفر بعد ذلك.. وأخيراً مشروع كامب دايفيد في الأسابيع الأخيرة من عهد الرئيس الأسبق بل كلينتون.

 

غير أنّ الرئيس الحالي باراك أوباما يوحي بأنه جادّ هذه المرة في استيلاد الدولة الفلسطينية كما يوحي بأنه متحرّر من ضغوط اليمين الديني الأميركي. فالولايات المتحدة. بعد الحرب على العراق وما ألحقته به من مجازر ومآسي. تحتاج إلى مبادرة تحتوي غضب العالم العربي والإسلامي وتمتصّ كراهيته.

 

في عام 1935 نشر مناحيم بيغن (رئيس حكومة "إسرائيل" الأسبق وزعيم الليكود) مذكّراته التي قال فيها: "لقد عرفت طعم الجوع والخوف مرّات عديدة. ولكنني بكيت مرتين فقط. المرة الأولى لدى إعلان قيام "إسرائيل" في عام 1948. والمرة الثانية لدى وقوع حادث "الطالينا".

 

و"الطالينا" هو اسم سفينة عسكرية أميركية اشتراها أنصار الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة وأرسلوها إلى مرفأ حيفا لحساب منظمة أرغون الإرهابية التي كان يتزعّمها بيغن نفسه. وذلك بعد أن شحنوها بخمسة آلاف بندقية حربية وثلاثة ملايين رصاصة. وثلاثة آلاف قنبلة يدوية وبمئات الأطنان من المواد المتفجرة. إضافة إلى 850 متطوّعاً أميركياً للقتال إلى جانب اليهود ضدّ عرب فلسطين.

 

وصلت الباخرة إلى شاطئ حيفا عشية إعلان بن غوريون (زعيم عصابة الهاغانا ثم رئيس أول حكومة "إسرائيلية") قيام "إسرائيل" الدولة. ورغم أن الإعلان جاء بعد الاتفاق على توحيد كل العصابات الإرهابية اليهودية (الهاغانا والأرغون وشترن وسواها) لتشكّل كلّها نواة الجيش "الإسرائيلي". فقد أراد بيغن أن تحتفظ منظمته بالأسلحة. ولكن بن غوريون أصرّ على أن تحوّل الأسلحة إلى الجيش. مما أدّى إلى الخلاف بين الرجلين وإلى وقوع أول مجابهة بينهما. اعتصم بيغن داخل السفينة. فأمر بن غوريون بقصفها. وقُصفت بالفعل. مما حمل بيغن على الفرار منها مع معظم المتطوّعين القادمين من الولايات المتحدة. أدّى القصف إلى إحراق السفينة وإلى غرقها بكامل حمولتها. وغرق معها أيضاً حوالي 15 متطوّعاً من الذين بقوا على متنها!!.

 

اعترف بن غوريون بعد ذلك في مذكراته "أن هذا الحادث وضع "الإسرائيليين" عشية إعلان الدولة أمام حرب أهلية بين اليهود أنفسهم. ولكن بعد أن غرقت السفينة وهمدت النيران المشتعلة فيها. تمّت ولادة الدولة". أما بيغن الذي كاد أن يُقتل ويغرق مع السفينة. فقد تولى فيما بعد رئاسة الحكومة. وهو الذي استقبل الرئيس المصري الراحل أنور السادات في القدس المحتلة في عام 1979.. ووقّع معه على معاهدة السلام في كامب ديفيد برعاية الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر!!.

 

إن من سخرية القدر أن يموت بيغن في فراشه وهو صاحب أبشع المجازر التي ارتُكبت ضد الفلسطينيين. بما فيها مجزرة دير ياسين التي ذهب ضحيتها 200 فلسطيني في ساعات قليلة في شهر نيسان-إبريل من عام 1948. وأن يموت إسحق رابين اغتيالاً في إحدى ساحات تل أبيب بسبب موافقته على مشروع للسلام مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات شخصياً. حتى أن قساوسة الحركة الصهيونية-المسيحية في الولايات المتحدة اعتبروا اغتياله انتقاماً وعقاباً إلهياً. لأنه وافق على "التنازل للفلسطينيين عن جزء من الأرض اليهودية المقدّسة". وقد أثمر اغتيال رابين عن سقوط حزب العمل وعودة قادة الليكود (الذين اتّهمتهم أرملة رابين بأنهم مسؤولون عن اغتياله) إلى السلطة. حيث توالى على رئاسة الحكومة من بعده نتنياهو وباراك وشارون وأولمرت والآن نتنياهو مرة ثانية!.

 

لقد كان رابين من "أبطال" "إسرائيل" ومن رجالاتها المؤسّسين. وذلك نظراً للأدوار التي قام بها على الصعيدين العسكري والسياسي. ومع ذلك فإن اغتياله على يد أحد الأصوليين اليهود. جعل من القاتل رمزاً مقدّساً يتبارك به الأصوليون اليهود والأصوليون المسيحانيون الأميركيون المتصهينين.

 

من هنا السؤال: ما هو السيناريو الذي سوف تعتمده "إسرائيل" إذا التزمت بالفعل بحلّ الدولتين؟ وكيف سيبرّر نتنياهو إلى اليمين الديني اليهودي.. وإلى اليمين الديني المسيحاني الأميركي حلاً يقتضي "التنازل" عن أجزاء من الضفة الغربية لتقوم عليها الدولة الفلسطينية؟. وماذا عن القدس؟ وماذا عن الهيكل؟.

 

معروف عن بن غوريون قوله:" لا "إسرائيل" من دون القدس. ولا قدس من دون الهيكل".

 

ومعروف عن الحركة المسيحانية الصهيونية الأميركية شعارها الديني: "لا عودة ثانية للمسيح من دون الهيكل". وفي أساس عقيدتها "أن الله هو الذي أعلن القدس عاصمة لـ"إسرائيل". وأنّ ما قرّره الله لا يغيّره البشر"!!.

 

لقد واصلت "إسرائيل" ممارسة سياسة قضم الأراضي العربية وابتلاعها من عام 1947 حتى اليوم. فتضاءلت جراء ذلك مساحة الأرض المتبقية لقيام الدولة الفلسطينية حتى أصبحت الآن في حجم النملة بعد أن كانت في حجم الفيل. وإذا كان قد استحال على الرؤساء الأميركيين السابقين تمرير الفيل من "سمّ الخياط"-أي من ثقب الإبرة.. فيبدو أن الرئيس الأميركي باراك أوباما قد استجمع كل قواه الآن للقيام بمعجزة تمرير النملة.. فهل تمرّ؟.

 

انشر عبر