شريط الأخبار

العروبة.. أصالة وانتماء..علي عقلة عرسان

08:13 - 07 تشرين أول / مايو 2010

العروبة.. أصالة وانتماء..علي عقلة عرسان

 

تعني العروبة، فيما تعنيه، الأصالة الخالصة بكل مقوماتها وقيمها وشيمها، والعربي هو من تعني العروبة له الهوية والانتماء والمصير، الماضي والحاضر والمستقبل. والعربي إنسان يرتبط تاريخياً بأرض وصلات وعادات وتقاليد ومكونات روحية وثقافية وحضارية، منها الموروث العريق والمبتكر المضاف بإبداع وتفرّد، ومنها المُرتقى به من عطاء إلى درجة جعلته يشكل خصوصية تضاف إلى الحضارة البشرية في مجال أو أكثر من مجالات العلم والعمل والإبداع الفكري والأدبي الفني، فتسم الخصوصية تلك الحضارة، أو مرحلة من مراحلها، بسمتها الخاصة، بعد أن ترتقي بها في سلم العلم والمعرفة درجات تُحسب من عمرها الحضاري وتشكل ذروة من ذراه.

في هذه البيئة ينمو العربي في حاضنته الذاتية "عروبته.. جلده ومورثات دمه"، داخل مجتمعه وثقافته، وينمي ذاته ومجتمعه وثقافته.. وتنمو شخصيته بخصائصها وخصوصياتها، مثلما ينمو كل البشر ذوي الهوية والانتماء بخصوصياتهم وخصائصهم،  ينمو وعيه بذاته وبالآخر، في تواصل تفاعلي خلاق بين بيئته الثقافية وحاضنته القومية من جهة، وبين البيئات الاجتماعية والثقافية والقومية والحضارية الأخرى التي يتواصل ويتفاعل معها.. حيث يأخذ ويعطي بثقة تتجلى في شعوره بذاته وتمايزه عن غيره ـ وأقول تمايزه لا تميّزه بالمعنى العرقي والعنصري للكلمة ـ كما تتجلى في قدرته على أن يأخذ ويتمثل ويعطي ويضيف من دون عُقد أو مشاعر استعلاء أو دونية.. وهكذا يستمر في الصيرورة، نامياً ومنتمياً في آن معاً، يعيش ويتعايش، ويخوض معترك الحياة ومعارك إثبات الوجود.. يدافع عن الهوية والخصوصية والأرض والحقوق ومقومات تمايزه وقيمه.. يقوى ويضعف، ينكسر وينتصر، ينحسر ويمتد، ولكنه يبقى في حلبة المعترك ولا يخرج من دائرة الفعل والتفاعل في الحياة ذينك اللذين بالنتيجة هما الحياة.. كل تواصل وتفاعل يزيده خبرة، وكل معركة تعلمه أشياء عن نفسه وعن غيره، وتدفعه إلى التمسك بهويته وبما هو خصوصية له وحق.. وتختزن ذاكرته كل المعطيات لتشكل مستودع الذات وتاريخها والخط البياني لوجودها.. فإذا غابت أهم مكوناتها وذراها عن وعيه دخل في مساحات الضباب والعتمة والضياع.. وأخذ يتردى ويتخبط ولا يهتدي إلى ما يريحه بَلْه إلى ما ينقذه.. فالوعي بالذات والعودة إليها والانطلاق منها نحو الأهداف والغايات، هو أحد أهم مفاتيح البصيرة، والتدبير المستنير، واستمرار الذات.

وعلى الرغم من كثرة السكاكين المشهَرة على العروبة اليوم، من أعداء الخارج وإمَّعات الداخل، ومن شعوبيين، ومثقلين بتعصب قومي وطائفي ومذهبي، أو أسرى لذلك المقت كله.. نميز بين عرب اليوم، في الموقف من العروبة، والانتماء لقيمها ومقوماتها في واقعها الراهن، نميز  بين صنفين رئيسين منهم على الأقل، مع وجود هوامش كثيرة بينهم تقترب من هذا الظل أو ذاك لا نقاربها الآن، بل نتوقف فقط عند ذينك الصنفين، وقفة قصيرة للغاية، في مسعى للتبصر والتدبر، وحسن الاختيار لصورة من صور المستقبل، ضمن معايير صحيحة باقية تحكم الأمم وتستقر في ثنايا التاريخ:

1 ـ من عرب اليوم، صنف غير متصالح مع عروبته، متنافر مع ذاته وكاره لها أحياناً، يخلع ملابسه ويلقيها في الطريق ليهرب من ذاته، ويحاول أن يغير جلده وكل ما يتصل بهويته وانتمائه، لأسباب ليس هذا مجال الدخول فيها.. إنه منبت عن عروبته، أو يريد أن يقطع كل صلة له بها.. وهو لا يكاد يعي منها إلا ما يسوِّد صورتها في عينيه ويجعلها " مخجلة له"، ويزين له أن يتملص أو تخلص منها، وتراه يرجِّب مسوغاته ويجملها ويجترها ليستسيغها. وبصرف النظر عما إذا كان يستطيع، أو أن ذلك يكون في مصلحته إن هو استطاعه.. فإنه في مهمه بين الظل والضلال.. يصبح عبئاً على ذاته وعروبته، وجلاداً لهما، وسيفاً عليهما، ثم ينزع من ذاته عروبته ويعزلها ويقصيها، ويراها سبب تخلفه.. وأياً كانت مهارته في التقليد والتشبه والتمثل.. فلن يكون الآخر الذي يسعى لأن يكونه، لأن الآخر الذي يريد أن يلبس جلده لا يحترمه ولا يقبله ولا يعتبره من جلدته. أما أخوه في العروبة الذي أراد أن يقتلعه من نسبه ووعيه وذاكرته  فلا يرى منه ما يريح، فيصد عنه، وينشأ بينهما سد، ويضع كل منهما بينه وبين الآخر حداً قوامه الإنكار والخوف وعدم الثقة..

وهكذا يغدو، هذا الصنف من عرب اليوم، المنبتَّ الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، يكرر محاولات فاشلة للتماهي مع آخر لا تواصل تاريخي وثقافي واجتماعي عميق يجمعهما، ولا ذاكرة مشتركة تغذيهما بنسغها.. ويفصله عنه ثقافياً وروحياً ومعرفياً تاريخ تكوّن الوعي بالذات، والبيئة التي تداخلت عضوياً في التكوين مع خلايا الوعي والحياة، ومخزون الذاكرة المشتركة الذي ساهمت في صنعه التجربة والمعاناة وحوادث التاريخ، كما تفصل بينهما أبعاد الانتماء وقيمه ومقوماته.. وترى ذلك العربي الذي يعادي عروبته ويهرب منها، ويركض وراء آخر يكون قوياً ربما، لكنه يأكل لحمه ويشرب دمه ولا يستشعر ألمه، ويزري بحقوقه وكرامته.. إنه آخر غني نعم، متحرر بمفهوم خاص للتحرر، ربما يكون الانحلال بنظر البعض.. ولكنه أياً كان، فهو المغاير لما كانه، وما تكوَّن منه، ذلك العربي النابذُ لذاته وعروبته، الباحث عن ذاته في آخر من أمة أخرى أو عن ذات أخرى في أية أمة.. إنه يمزق خلايا وحجباً وأستاراً في داخله ليتخلص مما يراه عبئاً بل "فضيحة"، ولكنه كلما فعل ذلك افتضح أكثر، بين من يريد أن يبتعد عنهم ويتخلص منهم وبين من يتودد إليهم ويتقرب إليهم ليكون منهم.. إنه يلهث لكي يكون.. ولكنه لن يكون، لأنه ترك كينونته الجوهرية الخاصة والعامة وراءه وسعى إلى أخرى لن تكون له لأن بينهما الزمن الممتلئ بالمعطيات المكوِّن للذوات في مختبرات الحياة.. إنه كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، وما هو ببالغه.. ظمآن والماء بين يديه في رؤية، أو "على ظهره محمولا" في رؤية وتخييل شعريين يحيلان الواقع المر إلى المخيلة ليسكن هناك ويفعل فعله من الداخل.  

2 ـ ومن عرب اليوم صنف عربي آخر، يرى ذاته في عروبته المتمايزة عن غيرها، بوصفها أصالة ومقومات وقيماً ومعطيات كثيرة وكبيرة، إنها تلك المتجذِّرة في أصالته المتنامية عبر تاريخ طويل، في مجتمع وبيئة وثقافة وحضارة كونها العيش والمعاناة.. يراها متألقة في مرآة عقيدته وثقافته وخصوصيته وماضيه وواقعه أيضاً. صحيح أنه يرفض الواقع المهين الذي هو فيه، يتمرد عليه ولا يسيطر عليه، ويغرقه ذلك فيما يشبه الذل والإحباط، ولكنه لا يرفض ذاته مطلقاً، فمن يكون إن هو تخلى عما هو فيه، وعما كانه، وعما هو ماهيته وهويته؟  إنه لا يتخلى عن أمته في واقعها ومحنها لكي يلهث وراء "خلاص خاص" في غياب عن الأرض والمعترك، أو في تغييب في أجداث نفي غريب أو غربة منفى. إنه يعي الذات المغايرة المعادية وأهدافها ووسائلها، ويعي أنها تستهدفه لما "هو" ومن "هو"، ولما عنده، ولما قد يصبح إن هو تعلم ونهض.. إنها تستهدف ما يملك، وحتى وجوده ذاته، فماذا يفعل في مواجهة من يريد أن يقتلعه بقوة وقسوة ولا يرحمه حتى لو طلب الرحمة؟  إنه يدرك أنه لا يملك ما يملكه الذي يستهدفه من قوى ووسائل وأدوات وإمكانيات، ويدرك تاريخ تلك الذات المعتدية وقيمها وماضيها وعلاقاتها به.. يعي ذاته ويعي ذات من يستهدفه، ويدرك الفروق القيمية والسلوكية والأخلاقية، ويدرك أنه يملك من المعطيات الروحية والثقافية والحضارية والتاريخية والإنسانية والحقوقية والأخلاقية ما يستهدفه الآخر المعادي، وما يجعله أيضاً يثبت في تربته الجغرافية والاجتماعية والحضارية ويدافع عن أصالتها وقيمها ومقوماتها، ويروي شجرة الانتماء والأصالة بالدم.. لأن ثباته ثبات للحرية والقيم، وثبات على الحق والمبدأ، وتثبيت للخير بوجه الشر في معركة مداها وميدانها الحياة.

وحين يختار الإنسان الوقوف بوجه قوى عدوانية وعنصرية عاتية من هذا النوع، فإنه يختار الاختيار المكلِف جداً ولكنه المنقذ على المدى البعيد. إنه لن يركع ولن يستسلم ولن يهرب لأنه إن فعل ذلك انتهى.. وانتهت بانتهائه قيم وثقافة ومكونات مستقبل واعد.. إنه يرفض أن يخضع لقوى همجية معتدية، أو أن يستجديها حياة من أي نوع.. ويرى نوع الحياة التي تليق به في مرآة ذاته المعتدَّة بماهيتها وهويتها وأصالتها "عروبتها"، فيقرر أن الحياة كرامة ومكانة وحرية واقتداراً وثباتاً في المعترك، مهما كلفه الدخول في ذلك المعترك، لأنه من أجل الحرية والمبدأ ونوع الحياة، يعيش الإنسان ويكافح.

وفى مدى هذه المحاكمة يعود عربي هذا الصنف من عرب اليوم إلى حصون الوعي العروبي، يستمد من التاريخ والعقيدة والهوية عبرة وقوة، ليغير الواقع المرفوض الذي فيه، ويمتلك مقومات الدفاع عن النفس والهوية والأرض والحق، ويمتلك أدوات التقدم في معارج الحياة "علمياً وتقنياً ومعرفياً".. وحين يكوي عدوه يديه بالنار ليمنعه من التقدم على طريق المعرفة وامتلاك القوة بالعم والإرادة، يصرخ ويهتز ويرتمي، ولكنه لا ينهزم ولا ييأس، بل يستأنف المحاولة تلو المحاولة لكي يصل.. لأن الوصول معناه امتلاك أدوات البقاء ومقوماته، والبقاء يحتاج إلى الإرادة والتصميم، وإلى كل مقومات القوة والمنعة والوعي.. إنه في هذا الخضم من المواجهات والتحديات يستثيره الانتماءُ الأصيل والأصالة المنتمية إلى أقصى ذراهما السامقة الملهمة.. فيقرر الصمود والتضحية لكي يكون هو، أو من يأتي بعده من الأبناء والأحفاد المستقلين المنتصرين المستقرين في أرضهم بقوة الإرادة والوعي والتضحية والانتماء، الثابتين على مبادئهم، السائرين على طريق استعادة المكانة والكرامة والدور الحضاري الذي يليق بالعروبة: أمة وحاضنة وأصالة وتمايزاً إنسانياً سامياً.

وترى من يختار ذلك الاختيار، انطلاقاً من وعي صحي صحيح، وانتماء واعٍ لماهيته وأهدافه، تراه يدخل ذلك المعترك الصعب بلحمه ودمه، يقاوم ويستشهد ويتشبث بالأرض والتاريخ والحرية والقيم، يفعل ذلك بإرادة هي الوعي والضرورة، وبتصميم على امتلاك قوة محررة، على أرضية العلم والتقانة والتضحية، وتراه يهوي بين ذروة وذروة، وينهض من سحيق ما تردى فيه ليرتفع إلى ذروة من الذرى تبقيه حياً أو تحييه، وتدفع عنه ما يرهقه ويستلبه ويفنيه.. أنه ينهض من رماده ويتجدد، وهو يرى تكالب الأعداء والمتعاونين معهم المسحوقين تحت وطأتهم.. تكالبهم على أمته " عروبته"، على قيمه وثقافته وعقيدته ومقومات ثقافته وهويته وحقوقه وحضارته.. يراهم وسكاكينهم تهوي على جسد الأمة بحقد لا ضفاف له، فيحس وخزها في أعضائه وخلاياه وعظامه، ولكنه يرفض أن يهرب بعيداً ويتخلى عن الوطن والانتماء لينجو بنفسه، ويرفض أن يتذرع بأية ذرائع مهما كانت ليتخلى، والذرائع والمسوغات الداخلية والخارجية من الكثرة والتنوع حيث تُقبل منه وتشفع له تاريخياً، إنه يرفض أن يفعل أي شيء يشين أو يهين، ويرفض أن يطعن "عروبته، أمته، أمه"، مع الطاعنين.. ويقرر أن ينتمي إليها بشرف وأصالة، وأن يدفع ثمن الانتماء، كل ثمن الانتماء، مهما كان فادحاً، وأن يتمسك بعروبته وأصالته وقيمه: هوية ورؤية وراية، بمروءة، غابت عن معايير كثيرين من عرب هذا العصر.

كان الله في العون.

          دمشق في 7/5/2010

                                                                                               
انشر عبر