شريط الأخبار

مئات المواطنين فقدوا حياتهم بسبب الألغام الإسرائيلية بالاغوار

06:26 - 11 حزيران / أبريل 2010

             مئات المواطنين فقدوا حياتهم بسبب الألغام الإسرائيلية بالاغوار

فلسطين اليوم: وكالات

اتبعت سلطات الاحتلال كل الوسائل والأساليب من أجل مصادرة أراضي الأغوار وتهجير السكان بطريقة أو بأخرى، ولم تدخر جهداً أو وسيلة في سبيل الاستيلاء على مساحات شاسعة من تلك المناطق، وهذه الأساليب كانت وما زالت تنتهجها سلطات الاحتلال في كل الأماكن التي احتلتها من فلسطين، ومن بينها الإعلان عن مناطق عسكريه اصطلح على تسميتها بالمناطق التي تحوي الألغام الأرضية أو المناطق المغلقة لأغراض التدريب العسكري، والتي باتت في مجملها تشكل 46% من مساحة الأغوار الفلسطينية، علاوة على مصادرة واحتكار موارد المياه، و منع البناء للفلسطينيين في الأغوار، وتشجيع بناء المستوطنات فيها، حتى وصل عددها 36 مستوطنة.

 جغرافيا الصراع على الأرض... هناك في أرض الأغوار ترتسم ملامحها بوضوح ونشاهد فعلاً الحرب الحقيقية التي بدأت منذ سنين الاحتلال الأولى، لكن دون ضجيج أو حتى دوي انفجارات، هكذا ضاعت الأغوار، وهكذا اقتلع المزارع من أرضه، وبات على وشك الرحيل عن لوحة الصمود .

                    الألغام حولت الحياة إلى جحيم

منذ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية تم الإعلان عن الأغوار الفلسطينية البالغ مساحتها 2400 كم2 أي بما يعادل نحو 40% من مساحة الضفة الغربية، بأنها خط الدفاع الشرقي عن دولة الاحتلال، لذلك سعى الاحتلال بكافة الطرق إلى إحكام  قبضته على الأغوار؛ ومن بين تلك الطرق زرع المئات من الدونمات الزراعية في الأغوار بالألغام الأرضية، حتى باتت بعض تلك المناطق محاذية لبعض  التجمعات السكنية البدوية مثل خربة يزرا ومنطقة واد المالح فهي موجودة  بين منازلهم وفي مراعيهم، بل وبالقرب من مصادر المياه؛ فالمتوجه إلى الأغوار يدهش باللون الأخضر الذي تكتسيه سهول وبعض جبال الأغوار والذي يعبر عن الحياة والأمل، إلا أنه في الواقع يخفي في جنباته  وتحته  قنابل موقوتة تحول  حياة السكان هناك إلى جحيم لا يطاق.  وهناك المئات من المواطنين الذين فقدوا حياتهم أو بترت أطرافهم؛ فتحولوا إلى مقعدين لا حول لهم ولا قوة بفعل تلك الألغام التي تحيط بالقرى والخرب الفلسطينية وتنتشر بشكل مخيف على أطراف الجبال و الأودية.

   يوجد العديد من حقول الألغام في الأغوار المحتلة  لكن من غير المعروف أماكنها المحددة وأرقام  وأنواع هذه الألغام، أو حتى لا يوجد سياج محيط أو لافتة تحذيرية أو حتى خارطة تبين وجود منطقة ألغام هنا أو هناك.  فقد  قامت قوات  الاحتلال  بزراعة هذه الألغام بشكل عشوائي، ولا تزال حقول الألغام تعيق استخدام وتطوير الأراضي التي يمنع المزارعون أصلا من الوصول إليها بحجة أنها مناطق مغلقة.

يواجه الكثير من المزارعين  في الأغوار الفلسطينية صعوبات اقتصادية لأن معيشتهم تعتمد على المحاصيل الزراعية وتربية الماشية، ويتجنب السكان الكثير من  المناطق خوفًا من أن تكون مزروعة بالألغام، فبعض الألغام مزروعة مباشرة قرب المنازل والمدارس والشوارع.

                                      حماية المدنيين

يذكر أن إسرائيل لا تلتزم بالمواثيق والقوانين الدولية التي تدعو إلى الحد من انتشار الألغام، بل إنها ترفض مجرد تزويد الجهات الدولية المختصة بخرائط تبين موقع الألغام ، فهي لم تكشف عن مكان وجود جميع الألغام الأرضية في  الضفة الغربية والجولان، ولم تقم بتعيين أو مراقبة حقول الألغام المعروفة، رغم أنها إحدى الدول المشاركة في البروتوكول الثاني الأصلي للمعاهدة الملحقة  باتفاقية حظر أو تقييد استعمال أسلحة تقليدية مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر لعام 1995.

ووفقا لهذا البروتوكول، يجب على إسرائيل حماية السكان المدنيين من آثار الألغام التي تزرعها، بالإضافة إلى تعيين ومراقبة المناطق الملغومة المعروفة.

وبحسب مؤسسة الحق الفلسطينية فإن على  إسرائيل التزامًا قانونيًا بتزويد الحماية للمدنيين في الأغوار الفلسطينية  من الألغام الأرضية المزروعة من الاحتلال، و تعتبر مجموعة الحق أن اتفاقية جنيف الرابعة تقضي بتزويد  الحماية للسكان المدنيين، بشكل فردي وجماعي، وتحديدا الذين يجدون أنفسهم تحت سيطرة دولة محاربة أو قوة محتلة ولا يعتبرون مواطنين فيها  "في أي لحظة بأية طريقة مهما كانت".

   يشار إلى أن محافظة طوباس توجهت إلى الجهات الإسرائيلية أكثر من مره من خلال الارتباط العسكري الإسرائيلي، مطالبين بتحديد مواقع الألغام ووضع لافتات تحذيرية تبين وجود منطقة ألغام، إلا أن الجانب الفلسطيني لم يحصل على أي جواب من الإسرائيليين، وهذا دليل واضح على استهتار الاحتلال بحياة المواطنين الفلسطينيين  وعدم التزامه بالقوانين الدولية التي تمنع انتشار مثل هذه الألغام.

                                 ضحايا الألغام

تقع قرية يرزة شرق مدينة طوباس وتبعد عنها حوالي 10كم، وقد أذاقها الاحتلال ومازال يذيقها العذابات نتيجة ممارسات قواته ضد سكان القرية التي يقطنها اثنتا عشرة أسرة هي المتبقية في القرية بعد أن هجر الاحتلال سكانها.

   تعد قرية يرزة من المناطق العسكرية المغلقة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي حيث تستخدم أراضيها ساحات للرماية، وتستعمل فيها مختلف أشكال التدريبات العسكرية، وذلك لطبيعة المنطقة الجبلية والشجرية حيث تحاكي الجنوب اللبناني، ويعاني السكان من تلك التدريبات، سواء التدريبات العسكرية المباشرة أو من المخلفات التي تتركها قوات الاحتلال خلفها كالألغام الأرضية، بالإضافة إلى ما تقوم به من محاصرة القرية وحرمانها من أدنى الخدمات الحياتية التي تفتقر لها باعتبار المنطقة عسكرية مغلقة يمنع دخول المواطنين إلى القرية أو الخروج منها .

 وتعتبر الأجسام المشبوهة (الألغام) من المخاطر التي يعاني من ويلاتها المواطنون في قرية يرزة والتي وقع ضحيتها عشرات الحالات مابين شهيد ومصاب، إما من خلال الإصابة المباشرة من عمليات التدريب العسكري أو من خلال القنابل والألغام التي خلفتها قوات الاحتلال، فلا يزال هذا الواقع المأساوي مستمرا حتى يومنا، بتجاهل إسرائيلي متعمد.

   وفي أثناء تجوالك في قرية يرزة تجد مدى خطورة تلك الألغام من خلال  آثارها المباشرة على أجساد المواطنين، أو من خلال أم تتذكر ابنها الشهيد عندما ترى أقرانه يتجولون في القرية.  ويعد بكاء الحاجة ميسر مساعيد على ابنها الذي فقدته عام 1992 في انفجار جسم مشبوه من مخلفات قوات الاحتلال، أثناء رعيه الأغنام مع ابن عمه الذي بترت قدمه أيضا، نموذجا لمعاناة المواطنين في قرية يرزة من خطر الاحتلال ومخلفاته.  وبالرغم من مرور أكثر من سبعة عشر عاما على استشهاد إبراهيم مساعيد ابن السبعة أعوام في تلك الفترة، إلا أن هذه الأعوام لم تمح صورة إبراهيم من ذاكرة أمه التي تراه  يكبر كما أبناء قريته يرزة، ولم تصدق أنه غاب عن عينيها إلى الأبد.  يشار إلى أن الطفل إبراهيم استشهد في منطقة قريبة من حاجز التياسير العسكري أثناء قيامة برعي الأغنام مع ابن عمه حافظ مساعيد الذي يكبره بأربعة أعوام والذي روى لنا قصته مع ابن عمه: " في أثناء مسيرنا مع مواشينا؛ إذا بنا نجد لعبة صغيرة، فبادر الطفل إبراهيم باللعب بها ولم نكن نعلم بأن ما نمسك به هو الموت الذي أهداه لنا الاحتلال؛ فاستشهد ابن عمي إبراهيم، أما أنا فقد فقدت قدمي التي بترتها القنبلة عندما انفجرت بابن عمي. ويتمنى حافظ مساعيد أن لا تتكرر مثل تلك الحادثة مع غيره وأن لا يذوق أحد طعم المعاناة التي يعانيها باستشهاد ابن عمه وبتر قدمه.

   لم تكن قصة إبراهيم مساعيد الوحيدة؛ بل هناك العديد من القصص الأخرى، فقصة محمود حامد عنبوسي لم تكن بعيدة عن قصة إبراهيم والذي استشهد أثناء رعيه الأبقار في منطقة الخلايل بقرية يرزة، فيروي أحد شهود العيان لحادث استشهاد محمود: "إن محمود كان شابا ذكياً، وبلغ عمره لدى استشهاده خمسة عشر عاما. 

وبينما كنت اجلس على التلة المقابلة لمحمود وهو يرعى مواشيه، إذا بصوت انفجار كبير وتصاعد كثيف للدخان من مكان صدور الانفجار، وبعد وصولي إلى المكان رأيت محمود وقد فارق الحياة، بعد أن مُزِّق جسده، حيث أصيب في مختلف أنحاء جسمه".

ولو تتبعنا بقية القصص، من حوادث انفجار الألغام واستشهاد أو إصابة الذين سقطوا في قرية يزره أو في المناطق المجاورة، نجدها تتشابه وتتلاقى في نقطة واحدة وهي سعي الاحتلال إلى تحريم الأرض على أبنائها، وكل من يدخلها سيدفع ثمنا باهظاً  لمخالفته الأوامر العسكرية الإسرائيلية، وقد يكون هذا الثمن الموت أو  بتر احد أجزاء الجسم؛ وبالتالي  إعاقة المصاب أو تشويه جسده.

يشار هنا إلى أن الاحتلال لم يتخذ الإجراءات الوقائية لمنع تكرار الحوادث، مثل إعداد لوائح توضح أماكن وجود الألغام، أو إزالة المخلفات العسكرية من المناطق الرعوية والزراعية.

                       التوعية من الألغام و مساعدة الناجين

 لا يوجد حاليًا برامج حكومية أو محلية حول التوعية من مخاطر  الألغام.  ويتواجد أقرب مستشفى للأغوار الفلسطينية الشمالية في مدينة جنين، علما بأنه يبعد أكثر من ستين كيلومترا من خرب الأغوار، ويعتبر الطريق محفوفا بالمخاطر والحواجز العسكرية، فضلا عن وعورته.

ولا  يوجد في  محافظة طوباس سوى مراكز للرعاية الأولية، وهكذا فالعلاج الطبي الطارئ المطلوب في الحالات الخطيرة الناتجة عن الإصابة بالألغام غير متوافر بالسرعة والفعالية الكافية بالإضافة إلى انعدام تسهيلات إعادة التأهيل الحكومية أو المحلية من أجل ضحايا الألغام.  كما  أن برامج الأمم المتحدة أو أي برامج أخرى ممولة دوليًا للتوعية من الألغام أو مساعدة الضحايا، تعتبر غير فعالة في الأغوار الفلسطينية. 

 

انشر عبر