شريط الأخبار

قراءة في نتائج انتخابات جامعة بيرزيت../ هاني المصري

09:28 - 04 تشرين أول / أبريل 2010

قراءة في نتائج انتخابات جامعة بيرزيت هاني المصري

لو شاركت حركتا "حماس" و "الجهاد الاسلامي" في انتخابات جامعة بيرزيت لتوفرت لدينا أداة للقياس حول اتجاهات الرأي العام الفلسطيني. فالجامعة تعكس دائماً صورة عن الوضع الفلسطيني العام، فهي تشبه ولاية ايوا الاميركية التي تكون الانتخابات فيها مؤشراً، نادراً ما يخطئ، عن نتائج الانتخابات الرئاسية الاميركية.

 

لكن ( لو تفتح عمل الشيطان ) فحركتا "حماس" و"الجهاد الاسلامي" لم تشاركا في الانتخابات، و لديهما مبرر وجيه للمقاطعة، لذا لا ينفع اعتبار الانتخابات التي جرت اداة للقياس. فالكتلة الإسلامية اصدرت بياناً تبرر مقاطعتها أكدت فيه أن أكثر من سبعين من أعضائها في سجون السلطة وأوردت اسماءهم، وأن كل أعضاء مجلس الطلبة وكل عضو تفرزه الكتلة الإسلامية لمجلس الطلبة يتم اعتقاله.

 

لم أصدق ما جاء في البيان وسألت فصائل أخرى ومنظمات تدافع عن حقوق الانسان والطلبة، حول صحة ما جاء فيه، فأكدوا جميعاً صحة ما جاء فيه.

 

ان الاعتقالات للطلبة وخصوصاً للكوادر القيادية يعني أن ركناً اساسياً من اركان حرية ونزاهة وديمقراطية الأنتخابات غير متوفر، وهذا يضع القوى السياسية والكتل التي شاركت بالانتخابات ولجنة الانتخابات المركزية والشخصيات الاعتبارية، كل وفق مسؤولياته وصلاحياته، في موقع المسؤولية ازاء كيفية السماح باجراء انتخابات وسط هذه الاجواء غير الديمقراطية، وبالتالي مطالبة بتوفير حرية ونزاهة وديمقراطية الانتخابات القادمة.

 

على السلطة أن توفر الحرية والشروط الديموقراطية، وبعد ذلك، اذا قاطعت "حماس" أو غيرها الانتخابات تكون هي من يتحمل المسؤولية عن عدم المشاركة. اما بدون ذلك فالسلطة هي التي تتحمل المسؤولية، وهذا يمس بشرعية الانتخابات.

 

وهنا لا ينفع القول إن سلطة "حماس" تمارس القمع في غزة، وتمنع الانتخابات، وهذا صحيح، ولكن أن يكون هنالك سارقون لا يعطي لأحد الحق بالسرقة، وأن يكون هنالك قمعيون لا يعطي لأحد الحق بالقمع. فحقوق الانسان وحرياته الفردية والعامة يجب ان تصان في الضفة والقطاع، ولا يجب اعتقال أحد على خلفية انتمائه السياسي والحزبي والادعاء بأنه اعتقل على خلفية جنائية بدون توجيه اية تهم ولا تحويلة الى المحاكم المدنية لتبت بأمره، على اساس ان المتهم بريء حتى تثبت ادانته.

 

آثرت أن ابدأ كما بدأت قبل أن أقرأ نتائج انتخابات جامعة بيرزيت.

 

كان عدد اصحاب حق الاقتراع هذا العام 7128، مارس منهم الافتراع 4121 اي أن نسبة الاقتراع 6ر57% ، وكان عدد الأوراق الباطلة 299 ورقة اقتراع، وعدد الاوراق الفارغة 196ورقة، اي أن الأوراق الباطلة والفارغة تشكل ما نسبته 12%.

حصلت كتلة الشبيبة على 31 مقعداً، وتحالف اليسار على 16 مقعدا، وتجمع المبادرة 3 مقاعد، والتيار القومي على مقعد واحد.

 

عدد الأصوات الفعلية للمقعد الواحد هبطت من 117 صوتاً العام الماضي الى 71 صوتاً في الانتخابات هذا العام، في حين أن من مارسوا الاقتراع في العام الماضي 5970 صوتاً، وكانت نسبة الاقتراع 21ر84% ، وحصلت كتلة الشبيبة حينذاك على 24 مقعدا، والكتلة الاسلامية 22 مقعدا، و4 مقاعد للشعبية و 1 لحزب الشعب.

 

و اذا انتقلنا الى عدد الاصوات فان كتلة الشبيبة قد حصلت هذا العام على 2200 صوت مقابل 2540 حصلت عليها العام الماضي، اي خسرت 340 صوتاً رغم زيادة من يحق لهم حق الاقتراع، ورغم مقاطعة حركتي "حماس" و"الجهاد الاسلامي".

 

ان هذه النتائج تستوجب من القائمين على الشبيبة وحركة فتح دراسة اسباب التراجع، وهل تعود الى اخطاء في السياسة والعمل النقابي في جامعة بيرزيت لجهة مدى الدفاع عن حقوق ومصالح الطلبة. أو تعود الى انعكاس الوضع العام والسياسة التي تمارسها السلطة وحركة فتح على كتلتها في جامعة بيرزيت، او الى الامرين معاً.

 

ان العام الذي تلا الانتخابات الأخيرة شهد استمرار جمود عملية السلام، وهذا يمكن أن يحسب للسلطة لا عليها لأنه دل على رفض استئناف المفاوضات، كما شهد تأجيل تقرير غولدستون ومن ثم العودة عن هذا القرار، وتفجر فضائح اخلاقية ومالية على خلفية ما اثاره فهمي شبانة، واستمرار التنسيق الامني الفلسطيني - الأسرائيلي، وحملة الاعتقالات واغلاق المؤسسات والحد من الحريات واستمرار تدخل الاجهزة الأمنية في العمل السياسي والنقابي و الشعبي.

 

كما شهد العام الفائت مؤتمر حركة فتح، ولكن يبدو أن النتائج بعد عقده أقل من التوقعات التي سبقته. وحققت السلطة في هذا العام تقدما اقتصاديا وامنيا تحت مظلة خطة انهاء الاحتلال وبناء مؤسسات الدولة، ولكن ضمن استمرار الجدل حول موقع ودور حركة فتح في الحكومة، وما هي العلاقة التي تربط ما بين السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية.

 

لا يعني ما سبق صحة أن تسارع حركة حماس لاعلان الفوز في الانتخابات التي قاطعتها. حيث اجرى بيان صادر عنها حساباً غريباً خلص الى أن اصوات "حماس" في انتخابات جامعة بيرزيت زادت 150 صوتاً عن الأصوات التي حصلت عليها العام الماضي!!

 

لو طلبت "حماس" من أعضائها وانصارها علنا أو سرا المشاركة في الانتخابات والأمتناع عن التصويت أو التصويت لليسار أو المبادرة كان يمكن فهم هذا الادعاء، ولكنها دعت للمقاطعة ومارستها فعلا.

 

فاذا درسنا مقاطعة حركتي "حماس" و"الجهاد الاسلامي" نجد أنها يمكن أن تمثل في افضل الحالات (85 % نسبة التصويت عام 2009 - 58% نسبة التصويت هذا العام ) يكون الفارق هو27% من حجم المصوتين. فلا يمكن اجراء الحساب باعتماد مجموع من يحق لهم حق الاقتراع، لأن نسبة 15 ــ 20 % من الطلاب لا يمارسون حقهم الانتخابي في جميع الانتخابات التي جرت في جامعة بيرزيت.

 

الوحدة أعطت قوة مضاعفة

 

Yن المفاجأة في انتخابات جامعة بيرزيت كانت حصول تحالف اليسار على 16 مقعداً اي 1101 صوت، وحصول المبادرة على ثلاثة مقاعد اي 223 صوتاً، في حين أن تحالف اليسار والمبادرة لم يكن موحدا، ولم تحصل اطرافه في العام الماضي سوى على 5 مقاعد تمثل 677 صوتا. اي هنالك هذا العام زيادة كبيرة في الأصوات وصلت الى حوالي 650 صوتا، اي أن وزن اليسار زائد المبادرة تضاعف من حيث حجم الأصوات التي حصل عليها. ان هذا يمثل أكثر من32% من الاصوات ، وحوالي 40 % من عدد المقاعد، وهذا يمثل 16 % اذا شاركت "حماس" بالانتخابات.

 

وحتى لا يغرق احد بالتفاؤل، بان هذا قابل ببساطة للتعميم على مواقع اخرى، فان ما جرى ببيرزيت يسجل لصالح الكتل الطلابية اليسارية هناك التي انتصرت بوحدتها على فئوية فصائلها وآثرت الاتحاد على كل المصالح الفردية. ويسجل هذا الموقف بشكل خاص لكتلة الجبهة الشعبية التي وافقت ان تحصل على حصة مساوية لحصة حزب الشعب والجبهة الديمقراطية رغم أنها تمثل وزناً أكبر منهما بكثير كما دلت جميع الانتخابات السابقة.

 

فما جرى في بيرزيت لم يحدث في جامعة الخليل، ولا يصلح وحده لاعتباره سابقة قابلة للتكرار في الانتخابات القادمة سواء كانت طلابية أو محلية أو تشريعية ورئاسية، ما لم تتوفر الإرادة لدى قيادات الفصائل والأحزاب اليسارية، والقناعة العميقة بان وحدة اليسار قوة، وان ما سيحصل عليه وهو موحد اضعاف ما يحصل عليه وهو متفرق.

 

كما أن الائتلاف الوطني الديمقراطي حتى يكون منصفا للمشاركين فيه و قابلا للتعميم يجب أن يتم توسيعه لضم أكبر عدد ممكن من القوى والعناصر المستقلة الوطنية والديمقراطية، ويستند على معايير موضوعية وديمقراطية. فلا يمكن أن يقوم دائما على تنازل التنظيم الذي له حصة كبيرة محسومة في موقع ما.

 

إن هناك معايير علمية يمكن أن يتفق عليها، مثل أن يؤخذ بالحسبان عند توزيع الحصص نتائج الانتخابات السابقة، واجراء استفتاءات علمية، وتشكيل لجنة أو لجان حكماء من شخصيات مشهود لها بالوطنية والكفاءة وليس لها اطماع شخصية، وغير مرشحة بالانتخابات.

 

إن وحدة التيار الوطني الديمقراطي يمكن أن تؤدي الى ولادة التيار الثالث الذي طال انتظاره وهو مهم لاحداث التوازن، والحد من الاستقطاب الحاد وطالما تمت الدعوة له بدون طائل.

 

يبقى أخيرا أن ما جرى من انتخابات في الجامعات أو للصحافيين والكتاب، اظهرت من الظواهر المقلقة أكثر ما حققت من استحقاقات قانونية و ديمقراطية ووطنية. فاذا استمرت الأجواء غير الديمقراطية، واذا استمر الانقسام، واذا جاءت الانتخابات لتعميق وتكريس الانقسام، ورافقها زيادة تدخل السياسة والسياسيين والأمن والاجهزة الامنية في الانتخابات، فهذا من شأنه، كما حدث فعلا حتى الآن، ابعاد قطاعات جديدة أوسع وأوسع عن العمل الوطني والديقراطي والنقابي، فنحن لسنا بحاجة الى مثل هذه الانتخابات.

 

فالعمل من اجل اجراء الانتخابات يجب ان يسير بشكل متواز مع توفير الشروط الديقراطية التي بدونها لا شرعية للانتخابات، ويجب أن يسبقه ويرافقه ويلحق به تركيز جدي على انهاء الانقسام، حتى تكون الانتخابات عندما تجري فرصة لتوحيد الشعب الفلسطيني وليس مدخلا لزيادة انقسامه.

 

فلا يكفي أن يقول أحد إن خلاف "فتح" و"حماس" لا يلغي الانتخابات! 

 

انشر عبر