شريط الأخبار

"إسرائيل" تعربد وتتحدى .. إنما برعاية أميركية .. بلال الحسن

05:16 - 14 كانون أول / مارس 2010


بقلم: بلال الحسن

أعلنت الدولة العظمى، حامية إسرائيل، أي الولايات المتحدة الأميركية، أنها لا تستطيع أن تلعب دورا أساسيا وبارزا في المفاوضات التي انتدبت نفسها للإشراف عليها بين العرب وإسرائيل، وبين الفلسطينيين وإسرائيل. تقدمت أمام العالم، وطرحت بجرأة، أنها تريد الإشراف على مفاوضات ناجحة، شرطها الأول أن توقف إسرائيل بناء المزيد من المستوطنات. رفضت إسرائيل المحمية، ورضخت الدولة العظمى الحامية. وهنا بادرت الدولة العظمى إلى الإعلان عن استعدادها لإدارة مفاوضات غير مباشرة بين الفلسطينيين وإسرائيل، لا تستند إلى أي شرط، ولا تستند إلى أي مرجعية. مرة أخرى بادرت الدولة المحمية إلى الإعلان، يوم محاولة البدء بالمفاوضات غير المباشرة، إلى الإعلان عن بناء جديد للمستوطنات، ولم تعلن الدولة الكبرى الحامية، أي اعتراض، أو أي احتجاج، حتى إن المفاوضات أصبحت معرضة للخطر، ويجوز هنا التساؤل إن كانت ستتم أم لا.

تبدو هذه الصورة المعروضة أمام القارئ مملة للغاية، فلا أحد يصدق أن إسرائيل ترفض ما تريده أميركا. ولا أحد يصدق أن أميركا لا تستطيع أن تفرض على حكومة إسرائيل قرارا سياسيا بسيطا من نوع بدء مفاوضات غير مباشرة، وربما غير ملزمة. ولا أحد يصدق أن المفاوضات غير المباشرة إن بدأت ستسفر عن أي نتيجة عملية جديدة. فقد بات معروفا وشائعا أن إسرائيل لا تريد البحث في القضية الفلسطينية الأصل، ولا تريد البحث في حق العودة للاجئين، ولا تريد البحث في انسحاب إسرائيلي كامل من أراضٍ احتُلّت عام 1967، ولا تريد إزالة المستوطنات، ولا تريد الموافقة على إنشاء دولة فلسطينية مستقلة في حدود أراضي 1967. وبات معروفا وشائعا في المقابل أن إسرائيل تريد نصف الضفة الغربية، وتريد مياه الضفة الغربية، وتريد سماء الضفة الغربية، وتريد المياه الإقليمية لقطاع غزة، وتريد التمركز العسكري على امتداد نهر الأردن. كل هذا تريده إسرائيل، وكل هذا تعرف أميركا أن إسرائيل تريده، ومع ذلك فهي تأتي إلى المنطقة بكل هيبتها لتقول لنا إنها ستدير مفاوضات غير مباشرة، وتتعهد لنا أنها ستنتهي في حدود عامين، وتريد منا أن نصدق هذه الكذبة الأميركية الكبرى.

إن الولايات المتحدة الأميركية تدير هذه الكذبة منذ العام 1991، يوم بدأت مفاوضات واشنطن بعد انعقاد مؤتمر مدريد، حيث جرت مفاوضات مباشرة برعاية أميركية، إنما من دون أي مرجعية مبدئية أو قانونية. وتكرست منذ ذلك الحين قاعدة أن "المفاوضات وحدها هي مرجعية المتفاوضين"، وكانت تلك القاعدة تعني أن الطرف المحتل، أي الطرف الأقوى، هو الذي يقرر (يفرض) نتيجة التفاوض. وحدثت آنذاك حادثة فريدة من نوعها، حين أبلغ رئيس الوفد الفلسطيني المرحوم حيدر عبد الشافي، وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر، أن الوفد الإسرائيلي لا يترك للوفد الفلسطيني ما يبحث فيه سوى قضايا جمع "القمامة"، فردّ عليه بيكر بجدية: "إذا أسرعوا وبادروا إلى البناء على أساس ذلك". إن هذا القول يلخص جوهر وحقيقة الموقف الأميركي، فلإسرائيل أن تشترط ما تريد، وللمفاوض الفلسطيني أن يحاول انتزاع شيء ما، ولو من بين أكوام القمامة. وحاليا تكرر الولايات المتحدة الأميركية الشيء نفسه. إن همها الأساسي هو أن تبدو كجهة دولية فاعلة، وأنها تتحرك ولا تقف جامدة. وهي تقدم لإسرائيل من أجل الحصول على هذه "الصورة"، موافقة على كل إجراءاتها، وتترك للمفاوض الفلسطيني أن يندب حظه. وإذا كان البعض يظن أننا نبالغ في تقديم هذه الصورة، فلنسجل أقوال نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، عند وصوله إلى إسرائيل يوم الإعلان عن بدء عملية التفاوض غير المباشر.

قال بايدن: "أنا أرى في نفسي صهيونيا، ولا حاجة إلى أن تكون يهوديا لتكون صهيونيا".

وقال بايدن: "لقد شاركت في الماضي عدة مرات، في مؤتمرات رابطة الصهيونية العالمية، لتجنيد الأموال لدولة إسرائيل".

وقال مخاطبا نتنياهو في مؤتمر صحافي مشترك: "لقد قمتَ سيدي رئيس الحكومة، في السنة الأخيرة، بخطوات هامة: تجميد البناء في المستوطنات (!!)، وتسهيلات في حرية الحركة في الضفة الغربية (!!)".

وقال بايدن: "إن حجر الأساس في علاقتنا هو التزام الولايات المتحدة التام تجاه أمن إسرائيل، وأنت تعرف أن لا فرق بين الولايات المتحدة وإسرائيل عندما يدور الحديث عن أمن إسرائيل".

هذه نتف من أقوال بايدن في إسرائيل، وحين يسمع نتنياهو هذه الأقوال، فمن المؤكد أن حالة من الدلال المفرط ستنتابه، حتى ليتجرأ بعد ذلك على معاكسة بايدن. وهو ما حصل فعليا عندما أعلن بحضوره بناء 1600 وحدة سكنية جديدة.

وحتى نضع الأمور في سياق سياسي أوضح وأشمل، نقول إن ثلاثة عوامل تقرر مصير التفاوض: العامل الدولي، والعامل الفلسطيني، والعامل العربي.

حال العامل الدولي هو كما رأينا، من تراجع الرئيس أوباما، إلى حنان جو بايدن في التعامل مع نتنياهو، وبذلك يصبح العامل الدولي منحازا كليا إلى إسرائيل.

أما حال العامل الفلسطيني، فقد بدأ برفض التفاوض قبل وقف كامل للاستيطان، وانتهى بطلب تغطية عربية أولا لعودته إلى المفاوضات، وقدم له العرب التغطية التي أراد، وظن أنها ستكون كافية لحمايته، ولكنه تلقى طعنة نجلاء عندما جدد نتنياهو بناء المستوطنات، حتى إن منظره التقليدي ياسر عبد ربه، خرج على الناس غاضبا يصيح: "إن حكام إسرائيل عصابة من العنصريين".

أخيرا.. هناك حال العامل العربي، وهو حتى الآن صامت إلا من معلومات نقلتها بعض المراجع الفلسطينية، وقالت فيها إن بعض الحكومات العربية تعتبر أن قرار التوجه نحو المفاوضات غير المباشرة لم يعد قائما.

وبهذا نجد أنفسنا أمام انحسار وتدهور للعوامل الثلاثة مجتمعة، والتي تشكل معا، رافعة المفاوضات مع إسرائيل، بل ونجد أنفسنا أيضا أمام انهيار الرافعة نفسها، وأمام تحدٍّ إسرائيلي وقح وفجّ للعرب جميعا.

في علم السياسة، عندما تتواجه دول في حالة حرب، ثم تنتقل إلى مرحلة التفاوض والتسويات، فإن انهيار عملية التفاوض لا يعني إلا العودة مجددا إلى حالة الحرب.

والعودة إلى حالة الحرب لا تعني الذهاب إلى الحرب فورا، ذلك إن الظروف الموضوعية تدفع الأمور كلها نحو حالة الحرب.

ومن يراقب تحركات الجيش الإسرائيلي، يعرف أن إسرائيل تفكر تماما بهذه الطريقة.. والسؤال بعد ذلك: كيف تفكر الدول العربية؟

ما لا بد من معرفته هنا، هو ذلك الحديث المتكرر عن انفجار انتفاضة فلسطينية ثالثة، يزيد من احتمالات انفجارها الخطر المحدق بمدينة القدس، والذي يأتي بعد بدء الهيمنة الإسرائيلية على الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال عند بيت لحم. وما لا بد من معرفته هنا أن فلسطينيي 1948، المهددين بالترانسفير من قِبل حكومة إسرائيل، سيكونون هذه المرة جزءا من الانتفاضة الجديدة، بل وقد يكونون عاملا أساسيا فيها.

ننبه إلى ذلك بعد أن سمعنا أمس، مستشارا في الرئاسة الفلسطينية، وهو ينفي احتمال قيام انتفاضة ثالثة، ويهدد من يفكرون بذلك بالويل والثبور. فماذا يقال لهذا المستشار الذي لا يرى شيئا مما يجري حوله؟.

انشر عبر