شريط الأخبار

أوباما قبل عام غيره بعد عام .. محمد العجاتي

07:04 - 21 تموز / فبراير 2010

بقلم: محمد العجاتي

أعلن أوباما صراحة في تصريح لمجلة «تايم» الأميركية فشل واشنطن في تحقيق الإنجاز المأمول في الشرق الأوسط، كما أكد انه هوّل من قدرته على تحقيق إنجازات في حل مشكلة الشرق الأوسط، سواء أثناء الحملة الانتخابية أو مع بداية رئاسته. ولفهم هذا التصريح في سياقه الصحيح يجب علينا مراجعة ما أنجزه الرئيس الأميركي في العام الأول من ولايته والذي شهد شهره الأخير - ديسمبر 2009 - ثلاثة خطابات متتالية، الأول كان في قاعدة وست بوينت فى نيويورك، بمناسبة إرسال 30 ألف جندي إضافي إلى أفغانستان؛ وبعدها كان خطابه في أوسلو بمناسبة الحصول على جائزة نوبل للسلام، والثالث في كوبنهاغن في ختام أعمال مؤتمر المناخ.

أي منصف سيقدر التركة الثقيلة التي ورثها أوباما عند دخوله إلى البيت الأبيض، سواء على مستوى الحروب المتورطة فيها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، أو الأزمة الاقتصادية، وكذلك الانتهاكات التي تعرضت لها الحريات الشخصية خاصة للأقليات بعد 11 سبتمبر؛ ما يؤكد صعوبة قياس مدى نجاح أوباما في إحداث التغيير الذي كان شعارا لحملته الانتخابية. إلا أن ما يمكن رصده خلال هذا العام هو مدى قدرته على الثبات على برنامجه، وتهيئة الرأي العام الأميركي لقبول التغييرات المطروحة في هذا البرنامج، فعلى أساس هذين البعدين يمكننا التعرف الى مدى إمكانية تنفيذ برنامجه للتغيير في المرحلة المقبلة.

عن البعد الأول يمكننا رصد تراجع شديد ما بين خطاب جامعة القاهرة في يونيو وبين خطابات ديسمبر، ليس فقط على مستوى السياسات، لكن كذلك على مستوى المبادئ الحاكمة لهذه السياسات: فمفهوم الشراكة الذي طرحه أوباما في جامعة القاهرة، تراجع عنه بشدة وعلى مستوى العلاقة مع العالم الثالث، جاء خطاب كوبنهاغن ناسفا لهذه الشراكة. أما عن الشراكة مع العالم العربي، فقد كان التراجع قبل ذلك، تحديدا عندما بارك مخطط نتنياهو بتجميد الاستيطان لمدة لا تزيد على عشرة أشهر، بعد استبعاد القدس، واستكمال وحدات تم التصريح ببنائها، يصل مجموعها في الواقع إلى ما يقرب من ضعف ما كانت تبنيه إسرائيل في السابق خلال الفترة الزمنية ذاتها؛ وهو ما يعتبر تحايلا واضحا على مطلب واشنطن السابق بتجميد المستوطنات؛ بل ان أوباما اعتبر هذه الخطة رد فعل إيجابيا من جانب إسرائيل، وألقى الكرة في الملعب العربي، بدعوته العرب لاغتنام هذه الفرصة بأن يتجاوبوا معها على الفور عن طريق استئناف المفاوضات. حتى على مستوى العلاقة مع أوروبا، نجد أن خطابه في وست بوينت جاء كنوع من التوريط لأوروبا في سياسات خارجية ترسمها الولايات المتحدة، حيث بدا إشراك أوروبا نوعا من توزيع العبء العسكري والاقتصادي للأزمات الدولية ـ خصوصاً في أفغانستان والشرق الأوسط ـ على أطراف أخرى على الساحة الدولية.

أما عن موقفه من الحروب الأميركية فخطابه في نيويورك هو أشبه بخطابات إدارة بوش، فقد أكد على ضرورة الحروب لحماية الأمن القومي الأميركي. وتحدث عن دور الولايات المتحدة في نشر الديموقراطية، وأخلاقيات الحرب التي تحترمها الولايات المتحدة، متجاهلا أنه لم تخلُ حرب خاضتها الولايات المتحدة من استخدام الأسلحة المحظورة دوليا: من قنبلتي هيروشيما وناغازاكي الذريتين في نهاية الحرب العالمية الثانية، إلى قنابل النابلم في فيتنام، وصولا إلى القنابل الفوسفورية في العراق. كما جاء خطابه عن إيران وكوريا الشمالية في أوسلو أكثر عنفا وتشددا عن ذي قبل، إذ لم يشر كعادته لأهمية النهج الدبلوماسي في التعامل مع هاتين القضيتين، بل أصر على ألا تخدع دول كإيران وكوريا الشمالية النظام الدولي.

ناهيك بقضايا كثيرة كان يمكن لأوباما أن يقوم باختراق فيها يدعم توجهه المطروح للتغيير، إلا أنه خلال هذا العام لم يحدث أي تغيير ملحوظ فيها، مثل المواقف الأميركية من المحكمة الجنائية الدولية، أو قضايا البيئية ومشكلة الاحتباس الحراري، أو قضايا حقوق الإنسان ومدى استعداد الإدارة الأميركية للضغط على الأنظمة الشمولية في العالم.

إذا نظرنا الى المستوى الداخلي، فسنجد تراجعا عن إغلاق معتقل غوانتنامو، ثم تعديل ذلك إلى نقل معتقليه إلى سجون أخرى؛ وبطئاً في سياسات التعامل مع الأزمة الاقتصادية، ما يجعلها لا ترقى حتى لتجارب مثيلة مرت بها الولايات المتحدة ـ كسياسات «العقد الجديد» التي انتهجها الرئيس روزفلت في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي لمواجهة الأزمة آن ذاك؛ بالإضافة الى تأخر في إقرار برنامجه للرعاية الصحية وما يصاحبه من معارضة من جانب قطاع كبير من الرأي العام بفعل ضغوط الاحتكارات الأمريكية خاصة في مجال التأمين والأدوية، رغم إقراره منذ أيام في الكونغرس.

أما عن قدرته على تهيئة الرأي العام للتغيير المتوقع، فيبدو أنه يواجه صعوبات ضخمة؛ إذ أظهر استطلاع رأي أجري لصالح شبكة «سي.ان.ان» الإخبارية الأميركية في النصف الأول من شهر نوفمبر، أن معدل تأييد المواطنين لأوباما انخفض لأول مرة تحت حاجز 50%. ووفقا لنتائج لاستطلاع C.N.N وصف 48% من الأميركيين المشاركين فيه أداء الرئيس بأنه جيد، بتراجع قدره 7 نقاط، مقارنة باستطلاع مماثل جرى قبل أشهر. وعزا المراقبون هذه النتائج المخيبة للرئيس الأميركي إلى ارتفاع معدلات البطالة، والوضع الاقتصادي السيئ للبلاد. الأخطر هو أن فئات كانت داعمة له بدأت تغير من توجهاتها أمام التراجعات السياسية التي سبق أن أشرنا إليها، إذ اظهر نفس الاستطلاع أن 66% من الشباب يعارضون سياسات أوباما في أفغانستان. فالخطر ليس أنه لم ينجح في كسب رأي عام جديد لبرنامجه فحسب، وإنما كذلك بدأ يفقد من رصيده السابق، ما يجعل قدرته على التغيير أكثر صعوبة في الفترة القادمة.

لا يمكن أن ننكر أن أوباما سيظل ظاهرة مهمة، فوصول شاب من أصول افريقية إسلامية للبيت البيض رافعا شعار التغيير، يعد تتويجا لنضال الحقوق المدنية الذي دام أكثر من ثمانين عام، واستكمالا للديموقراطية الأميركية على المستوى القانوني والسياسي. أما على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، فسيطرة الشركات الاحتكارية الكبرى، ووضع الأميركيين ذوي الأصول الأفريقية واللاتينية، الذين ما زالوا يشكلون القسم الأكبر من المهمشين والفقراء بلغ عددهم المئة مليون مواطن، ما زالت تمثل أكبر مشكلة أمام الديموقراطية الأميركية وأمام اكتمال ظاهرة أوباما، الذي ما زال ـ رغم كل شيء ـ يحمل الكثير من النيات الحسنة، لكن علينا أن ندرك أنه ليس فقط بالنيات تتحقق الآمال، فكما يقال «الطريق إلى جهنم مفروشة بالنيات الحسنة».

انشر عبر