شريط الأخبار

من الأقوى؟ ..نصري الصايغ

10:02 - 30 تموز / يناير 2010

من الأقوى؟ ..نصري الصايغ

 

دولتان عظميان: الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. الأولى، لم تتعب بعد من خوض معاركها العسكرية والدبلوماسية والمالية والاقتصادية، ولم تتوقف كذلك عن التدخل في شؤون الدول، حساباً وعقاباً، مع القليل من المكافآت المسمومة.

كأن الكرة الأرضية، مشاع مباح.. بصمات قبضتها فوق جسد هذا الكوكب. الولايات المتحدة، هكذا كانت وهكذا ستكون، أكان رئيسها جورج دبليو بوش، أو باراك أوباما.

الثانية، دولة اسرائيل العظمى، فهي تخوض معاركها العسكرية وتستعد لها، كأنها في حرب دائمة. في أقل من عامين، شنت حربين مدمرتين ـ باءتا بالفشل ـ ولكنها تستعد لشن حروب جديدة، وتجري تدريبات عسكرية جادة، تعقد صفقات تسلح حديثة، تنتج تقنيات لصدّ الهجمات، وتصنع «القبة الحديدية» لتلافي ما يمكن من دمار الصواريخ البعيدة المدى.

دولة اسرائيل العظمى هذه، وهي تستعد لشن الحروب على لبنان وفلسطين وغزة، تضع الخطط الأمنية والعسكرية والدبلوماسية، لمنع إيران من استكمال برنامجها النووي... هي حاضرة في خارطة الحصار المفروض على إيران، وتحرض على المزيد، وتسعى لرفع «التهديد الايراني» إلى مستوى التهديد للعالم بأسره.

هذه الدولة العظمى، لا تتوقف عن اختراق الحصون الأمنية الغربية المنيعة، والحصون العربية المهترئة، لاغتيال علماء ذرة، وقادة مقاومة، تلاحق وتطارد وتصفي، والعالم يفرك يديه فرحاً، ويُصاب بالحسد، لأنه عاجز عن ارتكاب جرائم فاقعة أخلاقياً، هي حاضرة في البلاد العربية: حضور مميز في القاهرة، حضور فعال في إقليم كردستان العراق، حضور لافت ومعزز في دول الخليج... خدمات أمنية وعسكرية وسياسية لكل فتنة تندلع في أي بقعة في العالم العربي.

هي نافذة، وتعمل ليل نهار، لاستمرار نفوذها في الغرب: استصدار قوانين تمنع نقد الصهيونية ونقد سياسة إسرائيل لأن النقد يقع في خانة العداء للسامية... الكونغرس الأميركي، خاتم في إصبعها. موظفو الخارجية الأميركية، يقرأون كل يوم برنامج الواجبات الاسرائيلية. لا يُردّ لها طلب. وإذا ما طاردها غولدستون، سعت لدى دول الغرب، لتعديل القوانين الملزمة بمحاسبة مجرمي الحرب.

هي دولة بكامل حيويتها ولياقتها الوجودية، ولا تهمل شاردة أو واردة في العالم، وتتصرف، كأن هذه الكرة الأرضية، يلزم ان تكن في خدمتها، وأن هذا الكوكب المسكون من بشر، يجب أن يقر بحق اسرائيل، في ان تفعل ما تشاء، وترتكب ما تشاء، وتفتك بمن تشاء، بإرادة «شبه سماوية»، وليس من حق أحد أن يوجه إليها سؤالاً أو اتهاماً أو لوماً.

ألم يقل شيمون بيريس، «نحن أمة ليست كالأمم».

هي دولة عظمى، استطاعت أن تخضع عدداً باهظاً من الدول العربية من دون حروب، وتعمل على تأليب «الأشقاء العرب لإسرائيل» لمحاصرة دول عربية نادرة، لا تزال ترى في إسرائيل عدداً، من دون أن تمسها هذه الدول بوردة.

هي حاضرة في كل المحافل. حضورها محوري. ليست ملحقاً بأحد. ما تريده، تطالب به جهاراً. ما لا تريده تمنع التكلم فيه. تحرس مجلس الأمن بواسطة كلاب حراسة غربيين، يمنعون أي شكوى عربية من عبور البوابة الدولية لمقر الأمم المتحدة... حاضرة في كواليس مجلس الأمن. وحضورها متعدد اللغات. تتحدث الصينية والهندية واليابانية والألمانية... ومشتقات اللاتينية... وصار بإمكانها ان تتحدث بلسان عربي بليغ، لحماية أنظمة القطعان العربية، من شر العروبة، ولمنع تأدية أي واجب عروبي إزاء العرب.

هي تخوض معركتها في الداخل: نمو مستدام، زراعة متقدمة، علوم مبتكرة، صناعة متفوقة، هاي تك يعتمد عليه، استيلادات أمنية وخبرات لا تحصى، حراسة مشددة لمنشآتها، جدار فصل على ما تعتبره حدودها، جدار فصل مصري/إسرائيلي على غزة.

وهي حاضرة كي تمنع قيام فلسطين. حتى بصيغة «غير قابلة للحياة» وكي تمنع الفلسطيني من الوجود. وعليه، وهي لا تخشى العالم كله، لأنه عالم رخو سياسياً وأخلاقياً، ومقبوض عليه اعلاميا واقتصاديا وماليا وعسكرياً من قبل حليف مطيع، هو الدولة الأعظم في هذا الكوكب... ولا تأمن لأحد، ولا تتكل على أحد، ولا تسلم أمرها لأحد، وتتولى تنفيذ رؤيتها للدولة اليهودية، بحدود مائعة.

حدود إسرائيل، هي حيث تصل مستوطناتها.. ومستوطنات اسرائيل. تهوّد الأرض، وتهوّد الشعب، ولا قدرة حتى لأوباما، بتقديم نصيحة ملزمة، لوقف الاستيطان. ومع ذلك، فإن إسرائيل متعثرة جداً: فائض القوة لديها، غير قابل للاستعمال والحسم، في كل من لبنان وفلسطين وايران.

هذه الدولة العظمى، تخشى ان يكون مآل سياساتها العسكرية، كمصير الولايات المتحدة الأميركية في أفغانستان، وكمصير السوفيات سابقاً، وتخاف من معركة، «العدو» فيها غير مرئي، ولا شبيه له في الحروب السابقة.

الدولتان العظميان، عظميان في كل شيء، باستثناء كسب الحروب. ولذلك، كثرت التهديدات الاسرائيلية والتطمينات العربية، وبات تسريب المعلومات عن قرب اجتياح سهل البقاع بجيوش إسرائيلية برية، قيد التداول الإعلامي. لكن الحقيقة، ان اسرائيل، لا يقين لديها، بأنها ستكسب، ولو أن بعض اليقين حاصل، لأقدمت من زمن بعيد على اجتياح لبنان.

الميدان الوحيد الذي تفوز فيه إسرائيل، هو تهديد الأرض عبر زمن استيطاني مسعور. هذا هو رهانها، وليس بمستطاع «عرب تبني الهزيمة»، إلا أن يغضوا الطرف كثيراً، ريثما ينشأ جدار الاستيطان الاسرائيلي الكبير، لتقوم أنظمة التخلي على حراسة بواباته.

    

انشر عبر