شريط الأخبار

غزة بعد العدوان الإسرائيلي : تسجيل 75 حالة لأجنة مشوهين

05:40 - 22 كانون أول / يناير 2010


تسجيل 75 حالة لأجنة مشوهين

أمهات فجعن بمواليد أجهضت جرائم الاحتلال اكتمالهم الجنيني  

غزة بعد العدوان الإسرائيلي: الأجنة..أقفاص صدرية كسرت مفاتيحها بقلوب لم تكتمل

فلسطين اليوم- وكالات

لا تستطيع أم عبد الله النخالة منع نفسها من البكاء كلما رمقت وليدها أو ضمته إلى صدرها. تتأمل تقاسيم وجهه واضعة يدها الأخرى على قلبها من غصة تلازم حلقها، منذ وضعت الجنين الذي طال انتظاره تسعة أشهر بلياليهن، تمنت لو أن موعد الوضّع لم يأت..فوقع الصدمة على مسمعها ينذر بموت قريب.

 

"الطفل غير مكتمل القلب، حيث لا يوجد له بطين أيسر، ولا يضخ الدم للجسم بسبب انسداد الصمام والشريان الرئيس، وهو قد يفارق الحياة في أي لحظة والأعمار بيد الله"، كلمات وقعت على مسمع الأم ككي النار بعد أن هنأها الطبيب بالسلامة، غير مفسح المجال أمامها لتتلعثم بالسؤال عن سبب العلة، فرقم الحالة يقترب من المائة.. "ربما قد تعرضت لمواد كيماوية أثناء الحمل أحدثت خللاً في الجينات وذلك أثر على نمو قلبه بشكل طبيعي".

 

وتقول النخالة لوكالة "قدس برس"، "خلال الحمل لم أشعر بأي تغيرات لدى الجنين، غير أنه كان قليل الحركة داخل الرحم، ويبقى فترات طويلة مستقرا في منطقة واحدة، وقبل أسبوع واحد فقط من ولادتي أخبرني الأطباء أن نبض الجنين ضعيف".

 

وفي يوم الولادة لم تعان الأم من إرهاصات الطلق، مما دفع بالأطباء لإعطائها حقنة "طلق صناعي" لم تؤد إلى نتيجة، ولم تساعدها في تيسير الولادة.

 

وأشارت الأم التي تقطن بالقرب من جبل الريس، شرق غزة، والذي دارت في محطيه أعنف المواجهات خلال الحرب، إلى أن الطفل عندما خرج إلى الدنيا لم يبك كبقية الأطفال، بل خرج له صوت أنين لثوان معدودة، ولم يبك بعدها أو يطلب الرضاعة، وعلى اثر ذلك نقل إلى قسم العناية المركزة في مستشفى النصر، حيث يعاني من وضع صحي خطير للغاية، مبينة أن وزن الطفل عندما ولد كان 3200 غرام، ونقص الوزن إلى 3000 غرام خلال الأيام الأولى من حياته.

 

وتضيف أم عبد الله أن الأطباء أخبروها بأن السبب الرئيس لحالة وليدها استنشاقها لغازات سامة خلال الحرب الإسرائيلية، كما أكدت أنها وفي أثناء حملها لم تستنشق أي مواد مؤثرة خلاف السموم الإسرائيلية، وأن المنطقة التي تقطن فيها تعرضت لغارات إسرائيلية كثيرة، كانت تشعر بسببها بضيق في التنفس.

 

وشنت إسرائيل في 27 كانون الأول (ديسمبر) 2008 حربا عدوانيةً مدمرةً على قطاع غزة استمرت 22 يوماً استخدمت فيها أسلحة محرمة دولياً كالفسفور الأبيض- كما أكد خبراء دوليون- وراح ضحيتها أكثر من 6500 مواطن بين شهيد وجريح ودمر أكثر من 5000 منزل.

 

وتقول وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، إن معدل "الخدج" والأجنة المشوهة ارتفع بشكل ملحوظ بعد انتهاء الحرب الإسرائيلية في 18 كانون ثاني (يناير)2009، مؤكدة أنها لم تسجل حالات تشوه غير معلومة السبب أو طرق العلاج كما الآن.

 

ويعزو مدير عام اللجنة العليا للإسعاف والطوارئ الطبيب معاوية حسنين في وزارة الصحة هذه التشوهات نتيجة للأسلحة الفتاكة التي استخدمت ضد المدنيين خلال حرب غزة، مثل الفسفور الأبيض و"الدايم" وانفجار الوقود الهوائي الذي يخلف سحابة من ذرات الوقود التي تحترق، وتؤدي إلى تفحم الهدف الذي يتم تعريضه لهذا النوع من الذخائر.

 

وأظهرت الفحوصات التي أجريت على عدد كبير من جرحى العدوان أن الاحتلال استخدم أسلحة محرمة دولياً بنص قانون الإنسان الدولي الذي يحظر استعمال أي نوع من السلاح ضد المدنيين العزل يؤدي إلى تهتك خلايا الجسم وبتر أجزاء منها.

 

واستخدم الجيش الإسرائيلي قنابل الدايم والفسفور الأبيض والقنابل المشحونة باليورانيوم المستنفذ بكثافة في مناطق عدة من قطاع غزة، من بينها شرق مدينة غزة، وفي منطقة المغراقة، وغرب النصيرات، وشرق حي الزيتون بغزة، وفي شمال قطاع غزة لاسيما في عزبة عبد ربه والقرم والعطاطرة والسلاطين.

 

وأوضح حسنين لوكالة "قدس برس"، إن وزارة الصحة أحصت بعد عام على الحرب نحو 75 حالة تتشابه فيها حالات التشوه، بشكل يؤكد أنها ليست بفعل عوامل وراثية، مستدركاً "إن أي من التشوهات في الجينات إذا ما كتبت الحياة للطفل ومارس حياته بشكل طبيعي فسينتقل هذا الخلل إلى أولاده وراثياً".

 

وذهب المسؤول الصحي إلى القول "وجدنا حالات تشوه لمواليد حملت بهن نساء خلال فترة الحرب وبعدها، وأثبتت نتائج الفحوص والعينات التي أخذت بواسطة مستشارين وخبراء بعلم الأجنة أنهم أصيبوا بهذه التشوهات جراء استخدام الأسلحة المحرمة دوليا"، متوقعا أن يؤدي ذلك إلى ما اسماه "مآس وراثية" أخرى خصوصا مرض السرطان كنتيجة حية لاستخدام الأسلحة الفتاكة.

 

وتقول "اعتماد" وهي سيدة فلسطينية فضلت عدم استعمال اسمها الحقيقي إن طفلها الأخير الذي يبلغ ثلاثة أشهر يعاني من إضمحال في الرئتين وانسداد في أحد صمامات القلب.

 

وتؤكد الأم والتي لديها خمسة أطفال أن تفاعل طفلها ليس كما أخوته الأربعة وهم في مثل سنه فهو قليل البكاء ويتلقى الرضاعة بشكل سليم.

 

ويقول صالح أبو ليلية الذي يقطن في خيمة شمال قطاع غزة إن طفلته التي اقتربت من إتمام عامها الأول لا تستطيع الاحتفاظ بحليب أمها في معدتها سوى لساعات معدودة، مشيراً إلى أن زوجته استنشقت غاز الفسفور حين ضربت الطائرات الإسرائيلية أراضي بلدة بيت لاهيا حيث فقد منزله.

 

وكانت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، قد سجلت في تقرير نشراً مؤخراً، ارتفاع في عدد المواليد المشوَّهة ومعدلات الإجهاض المبكِر، وهو ما عدته ظواهر "خطيرة وغير طبيعية" بعد عامٍ من الحرب.

 

وكشفت "الضمير" أن عدد حالات الأطفال المولودين بتشوُّهاتٍ خلقيةٍ خلال ثلاثة أشهر آب وأيلول وتشرين الأول "أغسطس وسبتمبر وأكتوبر" من عام 2008 في قطاع غزة قبل العدوان بلغت (27) حالة فقط، فيما بلغت في نفس الفترة من العام 2009 بعد العدوان (47) حالة؛ ما يعني تضاعف عدد الحالات.

 

ووفقاً لبيانات وزارة الصحة فإن 50 % من التشوُّهات تتركَّز في الجهاز العصبي والتصاقٍ في الأعضاء.

 

ويقول أستاذ علم وظائف الأعضاء بالجامعة الإسلامية البروفسور ماجد ياسين: "إن الإشعاعات لها أنواع كثيرة وأبرزها إشعاع اليورانيوم المستنفد الذي يؤثر على الخلايا الجينية لدى الجنين ويشوهها".

 

ويضيف المتحدث في حديث لوكالة "قدس برس": "خلايا الجنين في حالة انقسام مستمر وسريع جداً وبخاصة في أول ثلاثة أشهر، فإذا تعرضت لإشعاع يتكسر الحامض النووي DNA لها ويتسبب في إحداث تشوهات في أعضاء الطفل (...) تتمايز خلايا الجنين الجينية عندما تنقسم وتشكل أعضاء وأجهزة الإنسان، فبعضها ينشئ القلب ومجموعة تكون الكبد وهكذا. وعندما تتعرض مجموعة من الخلايا للإشعاع وينكسر حامضها النووي لا يكتمل الانقسام الطبيعي لها، فينقص العضو الذي تشكله أو يزيد حجمه أو لا يستطيع أداء وظيفته".

 

وعن الآلية التي يحدث بها التشوه في أجهزة الجنين أوضح ياسين أن الإشعاع يحول المياه الموجودة في الخلايا إلى جزيئات من الأوكسجين النشط الذي يؤكسد الخلايا ويدمرها وبالتالي يحدث تشوه في الأعضاء.

 

وأكد المتحدث أن أي درجة إشعاع تؤثر على الجنين والإنسان البالغ ولكنها تتباين، مبيناً أن درجة التأثير تزداد كلما ارتفعت جرعة الإشعاع لأن زيادته تزيد النشاط الأيوني للأوكسجين؛ وبالتالي يزيد تأكسد الخلايا وتكسر الحامض النووي لها.

 

ولفت النظر إلى أن الإشعاعات الصادرة عن اليورانيوم المستنفد الذي استخدمه الاحتلال في حربه على غزة- مهما كانت قليلة- لها تأثيرات خطيرة على الأجنة والإنسان في كافة مراحل عمره، موضحاً أن الإنسان إذا استنشق ذرات اليورانيوم يمكن أن تسبب تشوهات لأطفاله في المستقبل.

 

وبين ياسين أن المرأة الحامل يمكن أن تقي نفسها من الإشعاعات النووية بتناول أكبر قدر ممكن من الفيتامينات لاسيما (فيتامين C) الموجود بكثرة في فاكهة الجوافة والحمضيات بأنواعها، لافتاً إلى أن (فيتامين C) يمنع تكون جزيئات الأوكسجين التي تؤكسد الخلايا الجينية وتشوهها.

 

وأوضح أن الإشعاع يزيد من نسبة الإجهاض، لافتاً إلى أنه في الفترة الأخيرة ارتفعت حالات الإجهاض وارتفعت نسبتها من 15% إلى 25 %، ونسبة التشوهات في الأجنة ارتفعت من 5% إلى 15%، وفق نتائج مبدئية لدراسة أجراها مؤخرا.

 

من جانبه قال الدكتور صلاح جاد الله أستاذ الهندسة الوراثية في الجامعة الإسلامية إن الإمكانيات المتواضعة الموجودة في غزة لا يمكن من خلالها إجراء دراسات علمية كبيرة على كمية الأشعة وتأثيرها على المواطنين والأجنة، مطالباً بضرورة إيجاد الأجهزة اللازمة لذلك لحماية السكان من هذا الخطر.

 

وأشار جاد الله في حديث لوكالة "قدس برس" إلى أن أشعة اكس هي عبارة عن جرعات بسيطة من الإشعاع تحدث تشوه في الخلايا الجينية، مشيراً إلى أن عدد من خريجات قسم الأحياء في الجامعة أجروا بحثاً حول أثر هذه الأشعة على الأنبوب العصبي لدى الإنسان ونسبتها، فوجدن أن النسبة ارتفعت بعد الحرب نتيجة زيادة كمية الإشعاعات المنبعثة.

 

وكان فريق طبي إيطالي برئاسة الدكتور باولو ماندوكا أستاذ علم الوراثة بجامعة "جنوه" الإيطالية قد أكد أن "شهادات الأطباء والخبراء الواردة من غزة تشير إلى تشابه في جروح أطفال غزة وأطفال لبنان في حرب تموز 2006، بالإضافة إلى ظهور أسلحة جديدة في حرب غزة لم يسبق استخدامها في لبنان"، حسب تأكيده.

انشر عبر