شريط الأخبار

بلاد مقسمة منذ الان.. هآرتس

01:22 - 22 حزيران / يناير 2010

بقلم: يورام كانيوك

لن تكون دولتان للشعبين، فمنذ زمن بعيد صرنا شعبين لبلدين. من بلاد تل أبيب نحن نعرف قدرا أقل عما يجري في عوفرا مما عن الحياة في شيكاغو. نحن لا نسافر الى هناك. هم يأتون الى هنا بين الحين والاخر مع بنادق ام 16، كي ينشدوا نشيدا عبريا تعلموه ونحن نسيناه.

جدار الأمن نجح أكثر مما فكر أن يكون. بلاد تل أبيب ليست فقط تل أبيب، فهي نصف القدس المتواضعة وهي ايضا كل ما يقع من عسقلان وحتى عكا. بلاد يهودا تحكم يهودا، وكذا ما كانت عليه مملكة اسرائيل قديما هنا وهناك. وحتى محرري صحف يهودا والسامرة يقومون بعملهم في تل أبيب. والتقسيم ليس جغرافيا. مملكة يهودا تقيم وجودها على الارض الاسرائيلية المقدسة. وهي تعيش حيثما عاش العبريون، هم بنو اسرائيل قبل أن يصبحوا يهودا، الفي سنة. عبريتها قديمة ومبطنة بقدر اكبر بتأثير الكتابات العبرية التي يسمونها يهودية.

ليهودا حاضر يقظ، وماض نافد حتى قبل الفي سنة لم يكن له مستقبل. انظر يوسف بن متتياهو. لديها اصنام، وليس أرباب. هم عبدة اصنام وليس عبدة يهوا. مملكة تل أبيب تقع في ما كان اساسا بلاد الفلستينيين. الصهيونية، التي كانت حركة وطنية علمانية، تحدثت باسم "صهيون" ولكنها وقعت في حب السهل الساحلي. الحركة الوطنية العربية هي الاخرى اغرتها مدن الشاطىء. سواء اليهود ام العرب اقسموا للقدس في اثناء النزاع المتواصل ولكنهم سكنوا بعيدا عنها.

دولة تل أبيب

عبرية دولة تل أبيب هي اليوم لغة هزيلة للغاية. موسيقى شعبية، مثلا، تسمى "موسيقى فولك"، و "وفولك" معناها  بالالمانية  "شعب". ناطقون بلسان دولة تل ابيب يسيرون في طريق ابائنا واجدادنا الذين اهملوا العبرية في صالح لغة الفرنجا في الزمن العتيق وانتقلوا الى الارامية. أنا أقرا حقا الصحافة اليهودية. فيها حكمة ومعرفة يهودية تقليدية وغير تقليدية، ولكن ليس فيها رحمة. ليس لها اخلاق بل يد حديدية وما ليس قائما، وهم يسمون هذا "اخلاقا يهودية". يوجد هناك أنانية ضيقة الافق تولد حاجة الى السيطرة على شعب برأيهم مسموح ظلمه.

المحاكم في مدينتهم الكبيرة القدس لن تحكم بعقوبة على يهودي ظهر في التلفزيون يطلق النار فيقتل عربيا في ظهره، لان العربي هو ملك متروك. وعليه فليس لديه مشكلة مع اقتلاع اشجار الزيتون ويمكنه بهدوء أن يبصق على جيش اسرائيلي الذي في غياب وزير دفاع فخور بجيشه أو رئيس اركان عبري، مسموح لسكان البلاد الجبلية أن يسموا جنود تل أبيب "نازيين" وان يبصقوا عليهم ويخرجوا أنقياء. صحيح في الجيش يخدم ايضا يهود. ولكن ليس لزمن طويل. الحاخامون يريدون رب الجيوش ورب الجيوش لا يحمي وطنا بل يقسم بمحو عملاق الذي هو كل الشعوب في العالم باستثناء اليهود.

50 كيلو متر من جادة روتشيلد

كمن قاتل في القدس في سبيل قيام دولة يهود في 1948، ليس لدي فكرة عما يحصل حقا في الجانب الاخر. في ذاك الخارج الذي يوجد على مسافة 50 كيلو متر من جادة روتشيلد. حكومة تل أبيب في غالبيتها الساحقة هي حكومة يهودية ومعظمها يسكنون في دولة تل أبيب.

الدولة التل أبيبية تعيش رغم الحكومة. رغم رئيس الوزراء. دولة تل أبيب تعج بالحياة. لا يهم امها ماذا كتب يهودا الموالي. فهي تعيش في ساعتها الخاصة. ضحلة جدا ولكنها حيوية. وهي رحيمة بالفعل ولكنها استبدلت الرحمة بطمأنينة المنتصرين: هي تعيش في بلاد "لا يهمني". وتعيل دولتين، تخلق معرفة ثقافة، وكذا مالا ايضا، ولكنها منقطعة عن الحماسة المثالية التي كانت تعتمل في دماء ابائها واجدادها. في دولة يهودا يعرفون حقا الايديولوجيا ولكن الايديولوجيا الذي حكمها هو أنهار الدم.

اليهود، بمن فيهم ايضا الاذكياء والمتعلمين، يتأثرون مما يحصل في الخفاء في كل زاوية في الاراضي المحتلة. وبدلا من الوقوف في الثغرة يتصرف حاخاموهم بقدر اكبر فأكبر كالدراويش الشيعة. في دولة تل أبيب الثقافة هي ثلاث قنوات مع 4 في المائة مشاهدة مع الاغلبية الساحقة الملتصقة ببرنامج الاخ الاكبر وتعتقد ان هذه ثقافة. في دولة تل أبيب يوجد ايضا جوائز نوبل. وان كان واحد من الحائزين عليها يوجد في مملكة يهودا. الملاحق الثقافية في صحف اليهود تفوق معظم الصحف الثقافية لدولة تل أبيب ولكن هذه كلمات جميلة وليست افكارا أو افعالا جميلة.

دولة يهودا

في العام 1949 قامت الكنيست الاولى على اساس وثيقة الاستقلال. جاء فيها انه في غضون وقت قصير سيسن دستور لاسرائيل. هيلل كوك وعاري جابوتنسكي انسحبا من الكنيست احتجاجا على أنها غير قانونية. بسبب بن غوريون واستسلامه للمتدينين توجد اليوم دولة تل أبيب، ولكن لا توجد فيها قومية اسرائيلية. بعد 61 سنة وصلنا الى دولة أبرتهايد شريعة مع طرق لشعب واحد فقط وهي متطرفة مثل ايران. في دولة يهودا تسيطر دولة يمينية دينية – متطرفة، تفرض الرعب على الدولتين معا ايضا.

كان مسموحا لليهود، الذين يعدون 0.2 في المائة من سكان العالم، و 27 في المائة من الحائزين على نوبل في الفيزياء، و 31 في المائة من الحائزين على جائزة نوبل في الطب، ان يكونوا اكثر ذكاء من الفرسان الثلاثة اياهم: بيبي، باراك ويشاي، الذين يديرون هنا دولة بديلة لكل ما كان قبلهم.

ذات يوم، بعد نهاية هاتين الدولتين، اسرائيل ويهودا سيقوم في العالم يهودي يكتب كيف أن بن غوريون، ذاك الرجل العظيم الذي عمل بكد شديد لاقامة دولة مع عشرة الاف بندقية، في حرب وحشية، ذبح فيها 1 في المائة من عموم الحاضرة اليهودية، كيف سمح ذاك الرجل لشعب اسرائيل المتجدد بالتنازل عن الدستور.

اغلبية في الدولتين تسعى لاقامة دولة شريعة في يهودا، وان كان من الافضل لمعظمهم السكن في كيساريا وليس في الخليل حيث دفن اباء الامة. لن تكون على ما يبدو حرب أهلية مثلما ظننت ذات مرة، إذ لا يوجد من يقاتل فيها. التل أبيبيون، رغم قوتهم الكبيرة كمقاتلين في حروب اسرائيل، لن يخرجوا اليوم من فقاعتهم اللطيفة ويهذروا بالعبرية المؤنجلزة، ولن يخرجوا من باب بيتهم لتغيير أي شيء. صحيح أنهم الاغلبية. ولكنهم لا يعرفون كيف يحصوا كم هم.

ليس لدي أي فكرة من سينجو من هذا الشرخ، الذي مثلما كتبت آنفا، لن ينتهي بحرب أهلية. الجيش الذي سيحمي المناطق سيكون جيشا متدينا، يسيطر عليه الحاخامون. الجيش الذي سيحمي اغلبية اجزاء البلاد سيكون اسرائيليا وسيحل علينا السلام وعلى كل الاسرائيلية، وسنقول آمين. دولة خلقها العلمانيون وسيطر على جزء منها المتدينون المسيحانيون. سيحميهم هناك المسيح الذي ينتظرونه ولا يأتي وذلك لان المسيح اليهودي ليس من لحم ودم وأبدا لن يعرف الحاخامون من كانت امه وهو سيعتقل في نهر الاردن وسينتظر بالفعل.

انشر عبر