شريط الأخبار

تركيا وإيران والعراق: هل تلتقي التناقضات؟ ..د. بشير موسى نافع

08:41 - 14 تموز / يناير 2010

تركيا وإيران والعراق: هل تلتقي التناقضات؟ ..د. بشير موسى نافع

 

أن تركيا تلعب دوراً نشطاً في محيطها الإقليمي، هي حقيقة لم يعد حولها من خلاف. يثير بعض هذا الدور في المجال العربي إعجاباً ويقابل بالترحيب؛ ويتسبب بعضه الآخر في امتعاض خفي أو صريح، ويجد معارضة.

ولكن دائرة الدور التركي لا تقتصر على المجال العربي، بل تتسع لتصل إلى البلقان، وسط أسيا، والقوقاز. هذه هي دائرة تركيا الجغرافية، وهي دائرة تركيا الثقافية والتاريخية كذلك. وإن كانت حكومة العدالة والتنمية عقدت العزم منذ وصولها للسلطة في نهاية 2002 على تعزيز الدور التركي في السياسة الخارجية، فقد كان واضحاً لدى مهندسي هذه السياسة أن الأولوية لابد أن تعطى للمحيط التاريخي والثقافي والجغرافي. الأقنوم الأول في سياسة العدالة والتنمية الجديدة هو تصفية المشاكل العالقة في علاقات تركيا بجوارها؛ أما الأقنوم الثاني فيؤكد على ضرورة بناء الاستقرار الإقليمي وتصدي أبناء الإقليم أنفسهم للأزمات ومصادر التوتر، ومحاولة وضع حد لتحويل المنطقة إلى مسرح للتنافس بين القوى الدولية وصفقاتها. في العلاقة المثلثة بين تركيا وإيران والعراق، تبرز محددات السياسة التركية الجديدة في صورة واضحة، وتبرز أيضاً بعض من أكبر العقبات التي تواجهها، العقبات التي تعود إلى ترسبات تاريخية وثقافية وسياسية، لن يؤدي تجاهلها إلا إلى عواقب باهظة التكاليف.

تقف تركيا في سياستها تجاه إيران مع حق الجمهورية الإسلامية في امتلاك التقنية النووية السلمية، وتعارض انتشار السلاح النووي في المنطقة. وقد أعرب المسؤولون الأتراك مراراً عن معارضتهم القاطعة لاندلاع أية حرب جديدة في الجوار، سيما استخدام القوة لحسم الخلاف الإيراني الغربي حول الملف النووي. الموقف التركي هذا يضع أنقرة في تناقض واضح وصريح مع الدولة العبرية، التي تسعى إلى دفع الولايات المتحدة والقوى الغربية إلى تدمير المنشآت الإيرانية النووية؛ وهو الأمر الذي يعرفه الأتراك تمام المعرفة. وفي وقت تثير السياسة التركية جدلاً واسعاً، داخل تركيا وخارجها، حول ما إن كانت حكومة العدالة والتنمية تأخذ تركيا بعيداً عن تحالفاتها الغربية، تخاطر أنقره باتخاذ موقف مبدئي من إيران وملفها النووي. ولم يكن غريباً، بالتالي، أن تحاول دوائر غربية مناصرة للدولة العبرية تصوير زيارة رئيس الوزراء التركي، الطيب رجب إردوغان، الأخيرة لطهران، وكأنها تؤشر إلى ذهاب تركيا إلى المعسكر الآخر، معسكر المعادين للغرب وخصومه في المشرق.

تلتقي العلاقات الإيرانية التركية في موقع آخر، حيث يلعب البلدان دوراً متزايداً، ومتبايناً بعض الشيء: العراق. فمنذ بداية الاحتلال، انتهجت الإدارة الأمريكية في العراق سياسة خرقاء، ارتكزت إلى إطاحة النظام العراقي وإلى تقويض بنية الدولة العراقية كلية، جيشاً وأجهزة أمن ودوائر حكم ومؤسسات إدارة، وإلى تولية قوى المعارضة العراقية الخارجية، التي أيدت الغزو والاحتلال، مقاليد الحكم الجديد. وقد نجم عن السياسة الأمريكية تطوران هامان: الأول، كان أن تحول العراق إلى ساحة مفرغة من القوة، وقوة الدولة على وجه الخصوص. وباشتعال المقاومة العراقية، لم يعد بإمكان إدارة الاحتلال أن تحل ولو جزئياً محل جهاز الدولة العراقية. أما الثاني، فكان أن تولت قوى وعناصر سياسية عراقية، معارضة سابقة، تحتفظ بعلاقة تحالفية مزدوجة مع إيران وإدارة الاحتلال، الحكم والسيطرة على مقدرات الدولة العراقية الجديدة. فراغ القوة، من ناحية، والتحالف مع إيران، من ناحية أخرى، وفرا لجارة العراق الكبرى فرصة سانحة، وغير مسبوقة، لمشاركة الأمريكيين مشاركة فعالة في التسلل إلى أغلب مرافق العراق الجديد والتحكم بمقاليده. ولكن النفوذ الإيراني في العراق أصبح مشكلة في حد ذاته؛ فبدلاً من أن تعمل إيران على المساهمة في حل إشكاليات العراق والمساعدة على تحرره واستقلاله، أصبح الدور الإيراني عامل تفاقم للأزمة العراقية.

منذ تكونها كقوة إقليمية في العهد الصفوي، مستقلة عن جوارها الإسلامي، ترتبط إيران بالعراق بارتباطات ثقافية وتاريخية متناقضة. يمثل العراق، من ناحية، خاصرة إيران الاستراتيجية، وباعتباره موطناً للإسلام المبكر، ولمواقع لا حصر لها ذات صلة بتقاليد التشيع الإسلامي، أصبح العراق مصدر إلهام للمسلمين الشيعة، ومصدر شرعية للدول الإيرانية المتعاقبة التي رأت نفسها حارسة للإسلام الشيعي. اهتمام إيران بالعراق، إذن، ليس جديداً ولا مستغرباً. كان العراق طوال قرون ساحة تدافع وصراع بين السلطنة العثمانية والدولة الصفوية؛ ومنذ ولد العراق الحديث في نهاية الحرب العالمية الأولى، وعلاقاته بإيران يشوبها التوتر وفقدان الثقة. وقد كان بإمكان إيران، في لحظة الضعف والأزمة العراقية، الناجمة عن الاحتلال وتقويض الدولة المركزية، أن تؤسس لعلاقة جديدة مع العراق والعراقيين، أن تبني صلات متوازنة ووثيقة بكافة الفئات والقوى العراقية، وأن تمد يد العون للجار المكلوم والمنهك من أجل الخروج من محنته. ولكن إيران لم تتصرف على هذا النحو.

عززت طهران صلاتها بالقوى القومية الكردية، التي تحكم إقليم كردستان العراقي، وشجعت طموحاتها في السعي لإضعاف المركز العراقي، وبناء نظام كونفدرالي هش.

وقد لعب حلفاء إيران في جماعة الحكيم الدور الرئيس في التحالف مع القوى الكردية، وفي تحويل طموحاتهم الكونفدرالية إلى نص دستوري، لا يشرع لإقليم كردي وحسب، بل ويؤسس لإقليم شيعي مواز في المستقبل أيضاً. ومن جهة أخرى، كانت بذور الصراع الطائفي قد بذرت في البلاد منذ لحظات الاحتلال الأولى.

وبدلاً من أن تعمل طهران على محاصرة قوى الانقسام الطائفي، دفعت باتجاه تأجيجها، ليس بدعم الجماعات والأحزاب الطائفية وحسب، بل أيضاً بتعزيز الخطاب الطائفي في البلاد، والترويج لأساطير الأكثرية والأقلية، والدعوة إلى سيطرة شيعية على جهاز الحكم والدولة. وبالرغم من أن ليست ثمة أدلة قاطعة، فقد تداول العراقيون على نطاق واسع تقارير تفيد بمشاركة إيرانية مباشرة في العنف الطائفي الذي شهدته البلاد، سيما العاصمة بغداد، في 2006 2008.

تركيا أبدت هي الأخرى اهتماماً مبكراً بالعراق، ليس لدوافع الجوار وحسب، ولكن أيضاً لروابط التاريخ والثقافة، والمحددات الاستاتيجية المرتبطة بالمسألة الكردية في البلدين. ولكن الأمريكيين أرادوا لتركيا دوراً أمنياً بحتاً، رديفاً لقوات الاحتلال، وعندما تعسر مثل هذا الدور، رفضت واشنطن أن تسمح لأنقرة دوراً سياسياً نشطاً. وليس حتى انهيار المشروع الأمريكي، وأخذت واشنطن قرارها بالانسحاب، أن غضت إدارة بوش الابن النظر عن التحرك التركي في العراق.

أدركت تركيا من البداية أن استقرار العراق مشروط بالحفاظ على وحدته وبإعادة بناء كيانه ولحمته الوطنية، وأن على العراقيين كبح جماح قوى التشظي الإثني والطائفي قبل أن تنجح في تقويض بنية العراق والتمدد إلى جواره العربي والإسلامي. رأى الأتراك، باختصار، أن مصالحهم لا تختلف عن مصالح العراقيين، وأن استقرار العراق يسهم في استقرار الإقليم ككل. ولذا، فقد سعى المبعوثون الإيرانيون إلى بناء علاقات وثيقة بكافة القوى العراقية، الشيعية والسنية والوطنية، العربية والتركمانية والكردية، الإسلامية والعلمانية. وفي إشارة واضحة إلى حقيقة التوجهات التركية، اتخذت حكومة العدالة والتنمية قراراً بتأسيس قنصلية لها في البصرة، إضافة إلى قنصليتها في الموصل وسفارتها في بغداد.

ولم تكن هناك مناسبة لتجلي الافتراق التركي الإيراني في العراق كما فترة الاستعدادات للانتخابات العراقية البرلمانية القادمة. فمنذ انطلاق الحراك السياسي العراقي نحو الانتخابات، أعادت إيران التوكيد على سياستها الثابتة طوال سنوات في دعم قوى التشيع السياسي، التي لم تسهم في الحياة العراقية السياسة سوى في تكريس الانقسام الطائفي. دعمت طهران إعادة تشكيل الإئتلاف الشيعي سيىء الصيت، وعملت على انضمام التيار الصدري إليه؛ ثم بذلت جهداً ملموساً لدفع المالكي وكتلته الانتخابية للانضواء تحت راية الإئتلاف. في المقابل، دعمت أنقرة الجهود العراقية العاملة على تشكيل تحالف وطني واسع، يضم فئات وقوى وشخصيات سياسية عراقية، مختلفة في خلفياتها الطائفية والإثنية، سنية وشيعية، عربية وتركمانية وكردية، إسلامية وعلمانية. ويعتبر تآلف الكتلة الوطنية العراقية، الذي يضم شخصيات مثل طارق الهاشمي، إياد علاوي، رافع عيساوي، صالح المطلق، أسامة النجيفي، وعشرات من القوى والشخصيات الأخرى، أكبر محاولة منذ الاحتلال لإعادة بناء الوطنية العراقية وأكثرها طموحاً. ولكن أصدقاء طهران وحلفاءها يبذلون جهداً مضاعفاً في الآونة الأخيرة، مستخدمين كافة الوسائل والطرق، القانوني منها وغير القانوني، لمواجهة التحالف الوطني، ومنع بعض من أبرز قادته وقواه، من خوض الانتخابات، كما هو الحال مع صالح المطلق وقائمته، وأربعة عشرة قائمة أخرى.

الملاحظة الهامة أن كلا الدولتين باتت تلعب دوراً رئيساً في تطورات الساحة السياسية العراقية، بينما تراقب الدول العربية الرئيسية المشهد بدون أية محاولة جادة للتدخل، أو حتى للتواجد النشط. والأرجح أن التباين بين مقاربة الدولتين للشأن العراقي لن يؤثر سلبياً على تطور العلاقات الثنائية بينهما، ولا على الموقف التركي من الملف النووي الإيراني؛ وهو الأمر الذي أعاد إردوغان التوكيد عليه خلال مؤتمره الصحافي مع رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري. ولكن هذا التباين بين سياسة طائفية وأخرى وطنية، سياسة تستبطن تقسيم العراقيين وأخرى تعمل على إعادة بناء لحمتهم الوطنية، سياسة ستؤدي بالضرورة إلى التشظي وإطالة عدم الاستقرار وأخرى تستهدف الحفاظ على وحدة العراق واستقراره، لابد أن تكون محل تأمل في طهران والمنطقة ككل. إيران جزء لا يتجزأ من المشرق العربي الإسلامي، كانت هنا منذ قرون وستبقى قروناً أخرى. وخلال السنوات القليلة القادمة، سيكون العراق الامتحان الأبرز، أكثر من أي ملف آخر، للاختيار بين المصالح الإيرانية الضيقة وقصيرة المدى، ومصالح المشرق ككل، واستقرار شعوبه وإدارة شؤونه بيد أبنائه.

 

' كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

 

 

انشر عبر