شريط الأخبار

فلسطين ؟أين هي؟ .. هآرتس

12:40 - 13 حزيران / يناير 2010

بقلم: الوف بن

لنفترض ان تتحقق النبوءة المتفائلة للمبعوث الامريكي جورج ميتشل، وأن يعلن بعد سنتين في مراسم احتفالية اقامة  فلسطين المستقلة. سيبث الحدث في زمن المشاهدة لكن سيفضل اكثر الاسرائيليين مشاهدة "الأخ الاكبر 6"، أو "البقاء 7"، أو البرنامج الساخن التلفزيوني القادم. لا بسبب معارضتهم دولة فلسطينية،بل بسبب عدم اكتراثهم. فلا يهمهم لا فلسطين ولا شملسطين.

إن اكثر الاسرائيليين مقطوعون اليوم عن النزاع مع الفلسطينيين ولا يحتكون بهم. فهم يرونهم شخوصا غير واضحة في الاخبار: فمحمود عباس أو اسماعيل هنية يخطبان، ونساء يغطين رؤوسهن يندبن في مآتم، ورجال يجرون مع حاملات وراء سيارة اسعاف، ومقنوعون يطلقون صواريخ القسام. لا يوجد عند الاسرائيليين اهتمام بمعرفة اكثر من ذلك. تبعد نابلس ورام الله نحوا من اربعين دقيقة سفر عن تل ابيب، وهما موجودتان في نظر الناس في تل ابيب في كوكب آخر، فنيويورك ولندن وتايلاند أشد قربا منهما.

المستوطنون وراء جدار الفصل هم الاسرائيليون الوحيدون الذين يقابلون الفلسطينيين، وذلك في الأساس من خلال نافذة السيارة في الشوارع المشتركة. والمستوطنون كذلك مثل الفلسطينيين مقطوعون عن سكان غوش دان أو حيفا أو بئر السبع الذين لن يجتازوا الجدار أبدا. فليس عندهم ما يبحثون عنه في الون موريه أو يتسهار أو بسغوت. يمكن السفر الى المستوطنات الكبيرة مثل معاليه ادوميم واريئيل بغير رؤية الفلسطينيين تقريبا.

إن سياسة العزل هي التركة الحقيقية لاريئيل شارون، الذي بنى جدارا في الضفة، وخرج من غزة وطرد الفلسطينيين عن سوق العمل في اسرائيل. لم يؤمن شارون بالسلام ولم يصدق "العرب". لقد أراد فقط أن يدفع عن اليهود إضرار جيرانهم "الظامئين للدم"، السيء. إن إبعادهم عن العيون يمكن الاسرائيليين من العيش وكأنه لا يوجد نزاع، بحيث يوجد قليل من المستوطنين في الاطراف والجنود في خط المواجهة. كذلك لا تخيف "المشكلة السكانية" عندما تكون سجينة وراء أسوار وجُدر.

اعتمد اقتصاد اسرائيل في الماضي على عمل الفلسطينيين، لكن الاسرائيليين الكبار السن فقط هم الذين ما زالوا يذكرونهم في المطاعم، وفي مواقع البناء وفي محطات الوقود. تبقى الصداقة هنا وهناك، فالنُدل في مطعم "206" في كريات شاؤول يجمعون بقشيشات من اجل الصديق الفلسطيني الذي قدّم ذات مرة للموائد وهو محصور الآن في غزة. تنتمي قصص كهذه الى زاوية الفلكلور. فالجهاز الاقتصادي الاسرائيلي متجه الى وول ستريت لا الى شارع الشهداء. والبورصة تكاد لا تتأثر بأحداث الأمن الجاري، واسعار العقارات ترتفع كثيرا كأن الحديث عن هونغ كونغ لا عن دولة مهددة موجودة في خطر حرب دائمة.

ضاءل الجيش الاسرائيلي، الذي ارسل اجيالا من الاسرائيليين الى المناطق تعريض جنوده للفلسطينيين. فقد غدا عدد أقل من الناس يخدمون في الخدمة الاحتياطية عامة وفي الضفة الغربية خاصة. وقلص الجيش النظامي شغل وحداته العملياتي في المناطق ونقل جزءا كبيرا من مهمات العمل الشرطي في الضفة الى لواء كفير المتخصص. ويرى محاربو سلاح الجو الذين احتملوا عبء الحرب في غزة الفلسطينيين مثل بقع بكماء على شاشة الطائرة من غير طيار.

تزيد العزلة الفرق بين شكل رؤية الاسرائيليين لدولتهم وشكل رؤية العالم لها. فالاعلام المحلي يصف اسرائيل على انها قوة تقنية دقيقة غربية، كأنها فرع عن منهاتن وهوليوود. والاعلام الاجنبي يغطي نزاعا: عمليات واغتيالات، ومستوطنات ومحادثات سلام. عندما يرى الاسرائيليون الذين لم يزوروا قط مستوطنة انفسهم في الـ "سي.ان.ان" يشعرون بالاهانة ويقولون لسنا كذلك. هذه دعاية معادية للسامية.

إن الاجانب الذين يزورون اسرائيل يدهشون لتبينهم أن واقع الحياة هنا مقطوع عما سمعوه في البيت. فهم يتوقعون رؤية دولة تمييز عنصري عنيفة، ويفاجئهم انه لا توجد مراحيض وحافلات مفصولة لليهود وللعرب. يتخيلون جماعة محافظة تلبس ربطات العنق، ويدهشهم الحياة الليلية في تل ابيب. يسيرون في الشوارع ويدركون انهم يرون في لندن أو باريس من العرب اكثر مما يرون في اكثر مدن اسرائيل.

بسبب العزلة وعدم الاكتراث، لا يوجد ضغط عام على الحكومة للانسحاب من المناطق ولاقامة دولة فلسطينية، وتنحصر معارضة مبادرة السلام الامريكية في اليمين المتطرف، أما اكثر الاسرائيليين فلا يعنيهم الامر ببساطة، لقد تخلوا عن المناطق منذ زمن. اذا نجح ميتشل في بعثته فسيسمعون ويحولون قناة التلفاز.

انشر عبر