شريط الأخبار

جدار غزة الفولاذي.. مصر هي المتضرر الأكبر .. د. باكينام الشرقاوي

12:14 - 30 كانون أول / ديسمبر 2009


بقلم: د. باكينام الشرقاوي*

بالرغم من الصدمة الكبرى التي أوقعها شروع مصر في بناء الجدار الفولاذي على حدودها مع قطاع غزة، لكن لنحاول مناقشة دلالات وآثار هذا القرار مناقشة عقلانية تعتمد على لغة المصالح القومية وتحترم ضرورات الأمن العليا؛ فبحسابات المكسب والخسارة تبدو سلبيات القرار أوضح بكثير من إيجابياته بحيث تؤثر تداعيات ما بعد بناء الجدار سلباً على كل من القضية الفلسطينية وعلى مصلحة مصر القومية ودورها الإقليمي.

ويمكن رصد التأثير على أكثر من محور:

البعد الإنساني والأمني

في الأسابيع الأخيرة حذرت تقارير الصليب الأحمر والأمم المتحدة من الآثار الكارثية للحصار على الاقتصاد وعلى معيشة الفلسطينيين في غزة وعلى نقص المواد التموينية والوقود والمواد الطبية ومواد إعادة الإعمار، وكررت هذه التقارير الدعوة لرفع الحصار.

وقد دفعت الحالة المتردية لسكان القطاع منسق الشئون الإنسانية في الأمم المتحدة إلى وصف الحصار بأنه "اعتداء على الكرامة الإنسانية". وهناك توقعات بألا يصمد القطاع أكثر من عشرة أيام بعد إتمام الجدار في ضوء غياب واضح للسلع الأساسية. وبالفعل شهدت أسعار السلع والبضائع في غزة ارتفاعا ملحوظا في الأيام القليلة الماضية.

ولا يجب الفصل بين البعدين الإنساني والأمني في هذه المسألة، إذ إن خطورة الوضع الإنساني وحدها كفيلة لإدراك التداعيات الكارثية لبناء هذا الجدار على الحياة اليومية للفلسطنيين في قطاع غزة –الذين يعانون بالفعل من نقص شديد في أساسيات الحياة-، لكن للأمر أيضا أبعاد أمنية لا يمكن إغفالها؛ فتشديد الحصار على قطاع غزة يخلق قنبلة وشيكة الانفجار على الحدود عندما يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام خيار وحيد، وهو محاولة فك الحصار بالقوة، وبالطبع ستكون الحدود المصرية هي ساحة مرشحة للمواجهة مع توقع رد فعل مصري عنيف، وهنا تكون الكارثة بحق.. ونصبح أمام سيناريو رهيب لا تحمد عقباه.

وفيما يخص عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات، فهي من المشاكل الواردة على جميع الحدود المصرية وليس فقط في الـ 14 كيلومترا الخاصة بالحدود مع غزة، ومن الممكن اتخاذ الإجراءات الاعتيادية الكفيلة لدرء هذه المخاطر بدون الحاجة إلى استعداء حماس أو إلى التسبب في مجاعات ومزيد من الكوارث للأشقاء الفلسطينيين.

ولا يجب التغافل عن حقيقة واضحة وضوح الشمس هي أن الأنفاق نتيجة وليست سببا للمشكلة، بمعنى أن فتح معبر رفح بطريقة علنية وشرعية يكفل السيطرة الكاملة للحكومة المصرية على حركة البشر والتبادل التجاري في المنطقة، بدون الحاجة إلى أجهزة وإنشاءات بملايين الدولارات أو الاستعانة بخبرات أجنبية؛ فالأنفاق لم تظهر إلا بعد إغلاق منافذ الحياة فوق الأرض أمام مليون ونصف فلسطيني محاصرين منذ أربع سنوات (نصفهم من الأطفال). ووفق القانون الدولي تظل غزة أرضاً محتلة، ويعد حصارها من الجرائم ضد الإنسانية ونوعا من الإبادة الجماعية لسكانها، فضلاً عن كونه من جرائم الحرب بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، فقد أوجب القانون الدولي فك هذا الحصار وكفالة الحد الأدنى من الظروف الإنسانية لبقائهم.

دلالة التوقيت

بينما تتجه بعض القوى الغربية، خاصة غير الرسمية منها، إلى التنديد بالحصار في الذكرى السنوية الأولى للعدوان الإسرائيلي الإجرامي على غزة، يتجه الدور المصري إلى التكامل مع الأدوار الأمريكية والفرنسية والإسرائيلية في إحكام الحصار على القطاع. والتوقيت له دلالاته بالنظر إلى بداية تبلور اتجاهات جديدة ناقدة في الرأي العام الغربي (خاصة الأوروبي منه) تجاه إسرائيل وممارستها عقب العدوان؛ فقد بدت عدة شواهد في الأفق تشير إلى حدوث مراجعات في كيفية إدراك عدد من الدوائر الغربية للكيان الصهيوني.

وتكمن خطورة المرحلة الحالية في أن تحركات ومواقف القوى العربية تؤثر على هذا المنحى الجديد البادئ في التشكل على استحياء: إما بتدعيمه والمساهمة في إعادة بناء الصورة الإسرائيلية في الذهنية الغربية العامة على المدى المتوسط والبعيد.. وإما بتثبيت الصورة الحالية عند تقديم طوق النجاة لإسرائيل من خلال مساعدتها على إحكام الحصار على غزة وتصوير حماس كعقبة أمام السلام؛ فإسرائيل أصبحت في حاجة للعرب من أجل حماية صورتها أمام الغرب، والدليل عدد من الوقائع: (تقرير جولدستون، والملاحقات القضائية لعدد من المسئولين الإسرائيليين، وإدانة ستة عشر منظمة دولية غير حكومية للحصار والدعوة لإنهاءه، وحملة المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل في بعض جامعات بريطانيا والولايات المتحدة وكندا، وتقارير الصليب الأحمر الدولي وهيئات الأمم المتحدة المختلفة، ومسيرات التضامن مع غزة، والقوافل الدولية لمساعدة القطاع وفك حصاره)، ولذا من الأفضل أن تتكامل الجهود المصرية مع هذه المحاولات لا أن تتجاهلها أو تُعرقلها أو تُجهضها.

صورة النظام المصري

إن الصورة التي تبنيها الدولة لنفسها تعد أحد أهم مصادر القوة الناعمة، التي استطاعت دول كثيرة استثمارها لتغيير نمط علاقاتها الخارجية (مثل تركيا "أردوغان" وإيران "خاتمي") وتعمل دول أخرى بشتى الطرق على الحفاظ على صورتها الإيجابية كأحد أهم أدوات إنجاح سياساتها الخارجية (مثل إسرائيل). وهنا فإن قرار بناء الجدار يدعم فكرة تحالف الدولة المصرية مع إسرائيل وتلاقي الأمن القومي المصري مع أمن الدولة العبرية، لاسيما وأنه منذ العدوان على غزة تسعى إسرائيل بكافة الطرق لإحراج مصر وتصوير نفسها كحليف للدول العربية المعتدلة وعلى رأسها مصر، في مواجهة المقاومة باعتبار أن العدو المشترك أضحى هو الإسلام المتطرف، وخطوة بناء الجدار تقدم لإسرائيل على طبق من فضة الحجة الداعمة لادعائها هذا.

لقد كرست مصر صورتها كدولة "معتدلة" في الأذهان الغربية ولا تحتاج لمثل هذه الخطوة لتعزيز تلك النظرة، بل إنها قد تزيد من اهتزاز صورتها كوسيط نزيه ومتوازن في أعين عدد من الدوائر الإقليمية والغربية التي ما زالت تؤمن بوجود حدود لانحياز مصر لحركة فتح وسقف محدد لضغطها على حماس.

ومن ناحية أخرى، لابد من إعادة النظر في فكرة أن بقاء واستمرارية النظام تتطلب بالضرورة تنازلات على مستوى سياسة الدولة الخارجية، وهي نظرة قاصرة تغفل عما يمكن أن تمثله سياسة خارجية قوية ومستقلة من تدعيم لمكانة وشرعية وصورة النظام داخليا وخارجيا.

وعلى صعيد آخر، فإن طبيعة الإنشاءات المعقدة الحديثة والمتطورة تكنولوجيا (ألواح فولاذية، أسلاك شائكة، قنوات مائية ومجسات) تعطي انطباعا عن تصميم مصري على تشديد إغلاق المنفذ الوحيد غير الإسرائيلي لغزة على العالم؛ مما ينقل العلاقة بين مصر وحماس من علاقة التحفظ والتوجس إلى علاقة العداء السافر، الأمر الذي يزيد من تأزم الموقف ليس فقط على الحدود بل في النظرة العربية لمصر ولدورها في المنطقة.

ولعل طريقة الكشف عن بناء الجدار التي تمت على يد إسرائيلية ثم غربية -مع صمت مصري تلاه خطاب رسمي يرفع لواء السيادة المصرية والأمن القومي- كرست من تلك الصورة السلبية، وكشفت عن عمق التناقض بين القرار المصري وثوابت المصلحة القومية المصرية والعربية المتجذرة في الوعي المصري والعربي لعقود طويلة. وكانت مصر قد اعترضت على الاتفاق المبرم بين الولايات المتحدة وإسرائيل في الساعات الأخيرة لإدارة الرئيس بوش، وهو الاتفاق الذي يخول الدولتين العمل على جبهات عديدة من بينها الأراضي المصرية لإحكام الحصار على غزة، وقام الاحتجاج المصري على أساس أن هذا الاتفاق يعتدي على سيادتها وأُبرم دون وجودها ويُنفذ على أراضيها، ولا يخدم اشتراك مصر في التنفيذ فكرة الدفاع عن السيادة الوطنية.

دور مصر في عملية السلام

ستظل القضية الفلسطينية هي المحك الأول لدور مصر الإقليمي ومكانتها في المنطقة، ويفرض تعقد الوضع وتشابك المتغيرات في هذا الصراع على الجانب المصري مراعاة مجموعة من المعايير، لا تجعل الموقف المصري أسير حساسية النظام من إحدى القوى الفلسطينية (حماس)؛ فإصرار مصر على إرضاخ حماس هو مدخل غير صحيح للمضي في عملية السلام، بل لعله الاقتراب الذي يجمع مصر (شاءت أم أبت) في خانة واحدة مع إسرائيل، مما يفقدها كثيرا من مصداقيتها اللازمة حتى تلعب دور الوسيط والشريك القادر على حسم الأمور أو على الأقل منع تدهورها.

إن القدرة على الوصول إلى كافة الأطراف بفعالية وكسب ثقتهم هي الخطوة الأولى اللازمة لوساطة حقيقية تجد مخرجا للأزمات وحلولا للمشاكل، وليس وساطة تدور في دوائر مفرغة بين نفس الحلفاء وفي داخل ذات المعسكر ولا تضيف جديدا؛ فامتلاك ورقة التواصل مع الجميع حتى من تختلف معهم ضرورة وليس اختيارا لإدارة هذا الملف بنجاح، والمقصود هنا تواصل حقيقي وليس دعائي إعلامي قاصر على تصريحات المسئولين وشاشات التلفزة.

وقد بدت بوادر تراجع قدرات مصر على إدارة هذا الملف في ظهور الحاجة لوساطات أخرى غير مصرية (مثل الوساطة الألمانية في صفقة تبادل الأسرى أو التركية في فك الحصار)، ذلك بفعل الانحياز المصري لطرف دون آخر؛ الأمر الذي هز صورة مصر كوسيط محايد. ومن هنا فلا يجب أن تقود مخاوف النظام المصري من كل ما هو إسلامي إلى الدفع بسياسات تؤثر على دور مصر في القضية المحورية في سياستها الاقليمية. وكما تحافظ مصر على علاقاتها مع تل أبيب حتى تزيد من القدرة المصرية على التأثير في سياسات إسرائيل، فمن باب أولى اتباع هذا النهج مع حماس.

ومن ناحية أخرى، فإن إحكام الحصار على غزة لا يخدم التحرك العربي مع إدارة أوباما لاستعادة التفاوض الفلسطيني - الإسرائيلي، فإضعاف حماس لا يعني تقوية الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بل ازدياد خلل ميزان القوة لصالح مزيد من التعنت الإسرائيلي.. فكيف تبدأ المفاوضات بعد الفشل في إيقاف الاستيطان ثم تدهور الأوضاع في غزة.. هل يصب ذلك في مصلحة عملية السلام أم في مصلحة إسرائيل منفردة؟.. لم يعد أحد يذكر أن اسرائيل كقوة احتلال واستيطان هي العقبة الكبرى أمام تطبيق حل الدولتين، وأن النهج الإسرائيلي الثابت منذ اتفاقية أوسلو هو العمل على تأجيل أي مفاوضات جدية لقيام الدولة الفلسطينية، حتى قبل ظهور حماس واشتراكها في الحكم.

المصالحة الفلسطينية - الفلسطينية

تحتاج أزمة فقدان الثقة ما بين الفرقاء الفلسطينين إلى وسيط قوي ولكن غير متحيز، يملك رصيدا من المصالح المتبادلة مع الطرفين، وقادرا على التعامل مع مطالب ومخاوف كل جانب بنفس القدر أو على الأقل بدون انحياز معيب.

وتقوم وجهة النظر المصرية على افتراض أن رفع الحصار رهن إتمام صفقة تبادل الأسرى وتوقيع اتفاق المصالحة، وهي أمور على أهميتها تظل جزءا من كل أشمل؛ فالأصلح عدم ربط فك الحصار وفتح المعابر (وهنا على الأقل معبر رفح) بأي من المشاكل العالقة، حيث إن حالة الحصار في ذاتها تؤثر سلبا على الحالة الفلسطينية بشكل يعيق أي جهود لبناء مرجعية فلسطينية موحدة تقبل تنوع وسائل الضغط على إسرائيل سواء بالحوار أو بالمقاومة، وهي الأدوات التي تزداد فعاليتها إذا ما حظيت بدعم الدبلوماسية المصرية.

وهنا ستكون المبادرة المصرية بفتح المعبر بمثابة فاتحة جديدة تكسر الدوائر المفرغة التي تدور فيها القضية منذ سنوات، خالقة مناخا وواقعا مختلفا دافعا للتعامل مع ثوابت القضية وليس فروعها، في حين أن بناء الجدار وتشديد الحصار يؤزم الأمور ولا يقرب بين القوى الفلسطينية، لأن حماس قوة باقية على الساحة الفلسطينية بغض النظر عن مدى قوتها أو ضعفها، بل لعل الإضعاف المبالغ فيه –إن نجح- قد يكون مدعاة ومبررا لردود أفعال غير محسوبة ومتهورة تضر بجميع الأطراف، وتقف إسرائيل في النهاية في موقف المتفرج والمستفيد الأول.

إن القراءة الموضوعية للواقع الفلسطيني الحالي تفرض التعامل مع حماس كفاعل ركن في المعادلة الفلسطينية لا يمكن تجاهله، وإن تم إضعافه لا يمكن إخراجه بشكل كامل من توازنات القوى الفلسطينية أو حتى الإقليمية، وستكون النتيجة مزيدا من الانقسام والتفتت الفلسطيني، وعلى عكس المتوقع ستزداد التحديات أمام صانع القرار المصري.

خريطة التوازن الإقليمي

تمر منطقة الشرق الأوسط بتحولات هامة في توازناتها الإقليمية، وتوثيق العلاقات المصرية الإسرائيلية لتنتقل من الطابع "البرجماتي" إلى الطابع "الإستراتيجي" قد يجهض محاولات رسم معالم جديدة للعلاقات الإقليمية- الإقليمية تُحجم من الدور الإسرائيلي وتعيده إلى الانكماش بعد فترة تمدد طويلة.

وتواجه إسرائيل حالياً مخاطر تراجع دورها وحرية حركتها الإقليمية في ظل عدد من التطورات: الصعود الإيراني والتركي واتجاه الدولتين للتعاون، بل وتوسيع شبكة التعاون الإقليمية لتضم معهما سوريا وبعض الدول الخليجية بدرجات متفاوتة، واحتواء الملف اللبناني. وربما من الأوفق لمصر استغلال هذه اللحظة الفريدة للعمل على احتواء القوة الإسرائيلية وموازنتها سلميا بتمديد شبكة العلاقات مع دول مثل إيران وسوريا إلى جانب تركيا والسعودية، حتى يُخلق شرق أوسط عربي إسلامي في المقام الأول، وهي الخريطة الجديدة القادرة على تحجيم التهديد الإسرائيلي الدائم للأمن القومي المصري والعربي، بل والضغط بجدية على تل أبيب، ومن وراءها واشنطن، للبدء في عملية سلام حقيقية تقود لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة.

إن لإضعاف حركة حماس خسائر تفوق بكثير أي مكاسب مُتخيلة، ومرحلة ما بعد بناء الجدار قد تشهد تداعيات سلبية على أكثر من مستوى، وتُغلب سيناريو استفحال الأزمة على سيناريو الانفراجة؛ فبتشديد الحصار على قطاع غزة، نساعد إسرائيل في مساعيها لاختزال القضية الفلسطينية برمتها في مجرد العمل على السماح للفلسطينيين بالعيش والحياة، بعيدا عن جوهر القضية، ألا وهو تحرير الأرض وإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة حقيقية... إنها السياسة الإسرائيلية في خلق جبهات إضافية، والتي ننساق وراءها مستنزفين الجهد في قضايا فرعية إسرائيلية المنشأ، ليستمر تأجيل مخاطبة القضايا الرئيسية إلى أجل غير منظور.. ولذا فبدلا من بناء جدار والاستمرار في معركة الحصار الفرعية التي تتبنى وجهة النظر الإسرائيلية في المسار الطويل والشروط التعجيزية للتفاوض، فلنتخذ القرار بفتح الحدود بناءً على أسس قانونية وإنسانية وأمنية وسياسية، ونبدأ المعركة الحقيقية الصعبة، معركة السلام العادل.

-------------------

*مدرس بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة القاهرة.

انشر عبر