شريط الأخبار

الرئيس محمود عباس والمرحلة الجديدة .. الصادق المهدي

12:06 - 16 تشرين أول / ديسمبر 2009

بقلم: الصادق المهدي

المسألة اليهودية صناعة أوروبية. واللاسامية ظاهرة أوروبية. والصهيونية رد فعل اليهودية الأوروبية على الاضطهاد الأوروبي. والوعد بوطن عبري في فلسطين، وعد أوجبته الصراعات الأوروبية. والهولوكوست جحيم أشعلته لوثة أيديولوجية أوروبية.

وقرار الاعتراف بدولة إسرائيل في 1948 قرار دولي دعمته إرادة أميركية أوروبية. هذه حيثيات الخطيئة التي ارتكبت في حق شعب لا ناقة له ولا جمل في ما أصاب اليهود، وفرض عليه أن يدفع الثمن، بل وأن يحتمل كل أصناف المعاناة التي تحملها اليهود على أيدي الأوروبيين!

هذا النزاع الأكثر حدة في الشرق العربي، وافد إليه من خارجه، وتتحمل الأسرة الدولية الأميركية والأوروبية مسؤولية سياسية وأخلاقية عن المأساة الناجمة عنه.

وفي ظروف الحرب الباردة (48-1989) صارت إسرائيل حليفا استراتيجيا للمعسكر الغربي، وبعد حوادث 11/9/2001 تجدد دور إسرائيل حليفا للولايات المتحدة في الحرب العالمية ضد «الإرهاب»، معرفا بصورة تشمل العنف العشوائي وحركات التحرير.

مشروع السلام الحديث المنطلق من مؤتمر مدريد (1991)، لم ينطلق من المسؤولية الدولية عن صناعة الأزمة، بل كان نتيجة لانتصار الحلفاء في حرب الخليج الثانية والحاجة لاسترضاء الحلفاء العرب.

أشبه بحركة علاقات عامة، لذلك لم تتتابع نتائجه بالحزم والجدية اللازمة، وبقي في خانة الشعارات الفوقية.

نعم جرى تفاوض فلسطيني إسرائيلي في أوسلو يلتزم بأهداف مدريد للسلام الشامل، وأفرز اتفاقا أدى لقيام سلطة انتقالية منزوعة الدسم في غزة وأريحا، في مايو 1994، ولكن قسما مهما من الفلسطينيين عارض اتفاق أوسلو، وفريقا مهما إسرائيليا أعلن العزم على إلغائه.

منظمة التحرير الفلسطينية صمدت في تأييدها بقيادة الرئيس ياسر عرفات، الذي اعتبره المفاوض الإسرائيلي مراوغا وتعامل معه بصورة مذلة إلى أن اغتاله، فانتخبت منظمة التحرير الرئيس محمود عباس خلفا له. ولو أنها قررت سبر غور عملية السلام بتقديم كل التنازلات الممكنة لإقناع إسرائيل بصدقها في الالتزام بعملية السلام، لما فعلت أكثر من انتخابه رئيسا مراهنا بصورة مطلقة على عملية السلام.

ولكن في هذا الأثناء برزت الحقائق الآتية:

أولا: اتجه صناع القرار الإسرائيليون بصورة مستمرة لليمين المتشدد، حتى صار أرييل شارون الذي لا يؤمن بحل الدولتين ولا بالانسحاب من الجولان، أي لا يؤمن باتفاقية مدريد 1992 ولا باتفاقية أوسلو 1994، رئيسا للوزراء. واتصل هذا التوجه إلى أن انتخب الثنائي الحالي الأكثر تشددا وإنكارا للحق الفلسطيني والعربي: نتانياهو وليبرمان.

ثانيا: مشروع خريطة الطريق الذي تبنته الأسرة الدولية كخطة علاقات عامة بعد غزو العراق في 2003، وعقد اجتماعان في شرم الشيخ وفي العقبة لتفعيله؛ لم يحظ بالجدية اللازمة:

• فرعاة خريطة الطريق أربعة: الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وروسيا، والأمم المتحدة، ولكن القمتين كانتا برعاية أميركا وحدها.

• الخريطة تتطلع لسلام شامل، ولكن القمتين غيبتا سوريا ولبنان.

• من أهم أسباب التمهيد للتفاوض إعلان وقف إطلاق النار والالتزام به. ولكن الطرفين الأميركي والإسرائيلي يتعاملان مع فصائل المقاومة الفلسطينية باعتبارها إرهابية، فكيف يمكن الاتفاق على وقف إطلاق النار دون مشاركتها؟

• الطرف الإسرائيلي أعلن 14 تحفظا على خريطة الطريق أفرغتها من جوهرها.

ثالثا: أثناء عملية السلام تطور تحالف أميركي إسرائيلي عززته بصورة غير مسبوقة إدارة الرئيس جورج بوش الابن (2000-2008)، وواصلت إسرائيل أثناءه سياسة الاستيطان التي التزمت بوقفها، واعتدت على المدنيين في مذبحة غانا، وغزت لبنان، ودمرت غزة، مؤكدة أنها غير عابئة بعملية السلام وهادفة لفرض إرادتها من جانب واحد.

نعم، تذرعت بأنها تدافع عن أمنها وتطالب بوقف المقاومة تماما شرطا لعملية السلام، والحقيقة:

- أنه في كل اتفاقيات السلام المماثلة، لا تقف المقاومة إلا ضمن اتفاق سياسي.

- أن إسرائيل لم تطلق أسيرا، ولم تحقق انسحابا، ولم تتراجع في أمر، إلا في إطار تبادل أسرى أو مواجهة مقاومة، كما حدث في لبنان وغزة.

الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما قال حديثا مختلفا عن سلفه، مطلقا آمالا عريضة. ولكنه عين في فريقه كثيرا من حملة الفكر القديم، ويواجه الكونغرس الذي يحتل فيه اللوبي الإسرائيلي مركزا هاما. وسيستمر هذا التراجع، ما لم يدرك الأميركيون أنهم لا يستطيعون الاستمرار في دعم العدوان الإسرائيلي والاحتفاظ بصداقة العرب!

التوجه نحو اليمين المتشدد في إسرائيل والركون للتحالف الأميركي، مكن إسرائيل أثناء 17 عاما عمر عملية السلام من تعزيز موقفها: ضمت إليها 45% من أراضي الضفة ووسعت المستوطنات، واصلت تهويد القدس وتهديد المسجد الأقصى، أقامت الجدار العنصري العازل.

وكلها إجراءات عدوانية غير قانونية تجرد إقامة دولة فلسطينية من أية جدوى.

كان الرئيس محمود عباس التجسيد الحي للرهان على عملية السلام، والموقف الصحيح هو أن يؤكد عدم ترشيحه، ويعلن بأقوى صوت ممكن نهاية عملية سلام لم تحقق سوى تمكين إسرائيل وتمزيق الصف الفلسطيني. يقول لكل المخادعين: إذا المرء لا يلقاك إلا تكلفا فدعه ولا تكثر عليه التأسفا!

على أن تتنادى الفصائل الفلسطينية لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني، وانخراط الكافة في منظمة تحرير فلسطين، والالتفاف حول الصمود والمقاومة، وهي لا تعني العنف وحده، بل كذلك تفعيل دور الشعب الفلسطيني في كل مكان. موقف ينبغي أن تدعمه الشعوب العربية والإسلامية، بل كافة الشعوب المؤمنة بحقوق الإنسان وحرية الشعوب.

أما الموقف العربي الداعم، فيتخذ استراتيجية القوة الناعمة:

1. وقف كافة أشكال التعامل مع إسرائيل ما دامت تحتل أراضٍ عربية.

2. دعم القضية باستنهاض الرأي العام العالمي لأقصى درجة، كقوة كبرى غير مرئية عبرت عن نفسها لدى غزو أميركا للعراق (2003) وغزو لبنان (2006) وغزو غزة (2008)، قوة مستمدة من عوامل كثيرة، فمنذ نهاية الحرب الباردة تكونت مئات المنظمات المعنية بحقوق الإنسان؛ وثورة الاتصالات مكنت مئات الفضائيات والإذاعات من كشف الأحداث في كل مكان مباشرة.

وتكونت آليات كثيرة للمساءلة عن التعديات على حقوق الإنسان، كمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ومكتب الأمم المتحدة الخاص بالمسؤولية عن حماية الشعوب من الإبادة، والمحكمة الجنائية الدولية؛ وتمكين المحاكم الوطنية في كثير من البلدان، من محاكمة الجناة مهما اختلفت جنسياتهم.

3. مجلس حقوق الإنسان أجاز تقرير غولدستون، وهذا مدخل للقانون الإنساني الدولي وآلياته، من منظمات ومحكمة جنائية، ومحاكم البلدان التي تحاكم مواطني بلدان أخرى ارتكبوا جرائم حرب أو جرائم إبادة أو جرائم ضد الإنسانية.

4. هنالك مقومات لوبي حقاني قوي جدا داخل الولايات المتحدة وأوروبا، ينبغي استنهاضه لهذه المعركة المصيرية.

5. احتواء أية استقطابات أيديولوجية أو مذهبية في المنطقة إزاء مصالح أهلها العليا.

6. تقوية دفاع كافة الدول العربية، لتدرك إسرائيل أنها لن تستطيع العدوان على الحق العربي دون أن تدفع ثمنا غاليا.  

انشر عبر