شريط الأخبار

مسارات التفاوض وساحات الصراع .. رضوان السيد

12:08 - 12 تشرين أول / ديسمبر 2009

بقلم: رضوان السيد

بعد عام 2001 وهجمات «القاعدة» على الولايات المتحدة، وبخاصة بعد الغزو الأميركي للعراق، ظهرت بؤر للتوتر في أنحاء مختلفة من الشرق الأوسط الكبير. كانت هناك من جهة أفغانستان فباكستان. ثم العراق فلبنان. ثم الصومال فالسودان. ودخلت اليمن في الحرب السادسة ضد الحوثيين الذين حاولوا قبل شهرين التوغل داخل الأراضي السعودية. وبعد هدوء التزمته سائر الأطراف في النصف الأول من عام 2009، باعتبار ذلك «فترة سماح» للرئيس أوباما، عادت الساحات الأصيلة والبديلة للاشتعال. فشاعت التفجيرات والانتحاريات والتمردات المسلحة والتوترات السياسية في أكثر الساحات السابقة. فلو تأملنا الساحات التي كانت مشتعلة سابقا لوجدناها مشتعلة من جديد، باستثناء الساحتين اللبنانية والفلسطينية. وقد أُضيفت للساحات السابقة مسألة التحرش بالمملكة العربية السعودية. وذلك في الوقت الذي أُعلن فيه عن توتر في العلاقات بين إيران والسعودية؛ في نظر الإيرانيين على الأقل. فقد دأبوا على مهاجمة المملكة منذ أشهر، تارة بسبب «الإرهاب» الذي يمارس بداخل إيران أو بسبب الحج أو بسبب اضطهاد الشيعة أو بسبب «الاعتداء» على الحوثيين؛ والآن بسبب العالم النووي الإيراني الذي ذهب للعمرة في رمضان الماضي، لكنه بدلا من العودة إلى بلاده، اختفى في غياهب الولايات المتحدة! وذلك شأن ما فعله جنرال إيراني قبل سنتين، لكنه وقتها غادر إلى اسطنبول بعد زيارة لسورية، ومن هناك انتهى في الولايات المتحدة. وباستثناء التركيز على أخبار المعارضة الإصلاحية بإيران في الإعلام، فإن الحملات تأتي كلها من جانب إيران، ومن الجهات الرسمية وغير الرسمية.

والذي نعرفه أن علاقات إيران بالمجتمع الدولي ساءت في الشهرين الأخيرين بعد تحسن قصير المدة. وجاء التحسن المؤقت من قبول إيراني للتخصيب بالخارج، ثم سرعان ما تراجـع الإيرانيون عن عرضـهم رغم اختيار البرادعي وقتها تركيا ـ صديقة إيران ـ ممرا وسيطا لبعث الثقة في نفوس آيات الله والحرس الثوري بوعود المجتمع الدولي. وازداد الوضع توترا في الأُسبوعين الأخيرين عندما خرج النزاع الإيراني مع روسيا الاتحادية إلى العلن، ثم مع الصين؛ بحيث أدرك الإيرانيون أن العقوبات للمرة الرابعة قادمة ـ وبموافقة روسيا والصين ـ إن لم تتنازل إيران فتقبل التخصيب بالخارج.

وهكذا كان المسار كله في الشهور الثلاثة الأخيرة لهذه الناحية ضغوطا على إيران للسير في التفاوض على الملف النووي. وقد تضاءل التهديد بالحرب؛ لكن تصاعد التهديد بزيادة العقوبات. وفي حين صمت العرب جميعا، أعلنت تركيا الوقوف إلى جانب طهران، ليس بمعنى تأييد حصولها على السلاح النووي؛ بل لثقتها بالنوايا الإيرانية السلمية في هذا المجال. وفي الأُسبوع الأخير عاد أردوغان رئيس الوزراء التركي لزيارة إيران، ثم غادر للولايات المتحدة؛ حيث أعلن الرئيس أوباما في مؤتمر صحافي مع أردوغان، أن لتركيا دورا بارزا في الوساطة بين إيران والمجتمع الدولي للتوصل إلى حل في مسألة النووي. والطريف أن أردوغان بواشنطن عاد للثناء على السلوك الإيراني الباعث على الثقة ـ وهذا مفهوم إن كان يريد متابعة وساطته ـ وهاجم في الوقت نفسه السياسات الإسرائيلية كما ظهرت في حرب غزة، وفي تفاقم الاستيطان، وفي الاستعصاء على التفاوض. وهذا يعني أنه في الوقت الذي تتصاعد فيه حظوظ الوساطة التركية بين إيران والولايات المتحدة؛ فإن تلك الحظوظ تتراجع بالنسبة للوساطة التركية بين سورية وإسرائيل. ولاستكمال المشهد؛ فإن إسرائيل تنفرد من بين الجميع منذ أشهر في تهديد إيران بالحرب لمنعها من الوصول إلى السلاح النووي. لكنها في الأسبوعين الأخيرين أعلنت عن رضاها النسبي عن موقف المجتمع الدولي وتصميمه على الحيلولة دون ظهور النووي بإيران!

ماذا فعلت إيران لمواجهة الضغوط عليها من جانب الأميركيين وحلفائهم؟ هناك تصعيد في الخطاب الإعلامي حتى تجاه روسيا والصين. وقبل أيام هاجم السيد الخامنئي الولايات المتحدة وبريطانيا. ويتحدث الأميركيون عن تحركات إيرانية بأفغانستان، كما يتحدثون عن دعم إيراني للحوثيين. بيد أن الجبهتين في غزة ولبنان ظلتا هادئتين. وهذا قد يعني أن إيران لا ترى نفسها في ضيق شديد بحيث تلجأُ إليهما. لكنه قد يعني أيضا أنها تريد الاستجابة في النهاية للعروض الدولية إذا تأكدت أن العقوبات آتية. لكن هذا كله يعني أيضا أنه لا علاقة للتوتير الإيراني في مواجهة السعودية بالنزاع الدائر بين طهران والمجتمع الدولي. ولذلك يظل الأمر محيرا، يصعب تعليله أو تفسيره.

ولنتأمل المسار التفاوضي الآخر، أي المسار الإسرائيلي/الفلسطيني والسوري. فلا شك أن إسرائيل تعرضت طوال الأشهر الأحد عشر الماضية لضغوط شديدة من جانب الأميركيين والأوروبيين لوقف الاستيطان، والدخول في التفاوض مع الفلسطينيين على حل الدولتين. وفي شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بدا كأنما تمكن نتنياهو بـ«صموده» إلى جانب المستوطنين والجمهور واليهود الأميركيين، من كسر اندفاعة أوباما، وإرغامه على تشديد الضغط على الفلسطينيين والعرب للقيام بأمرين: دفع الفلسطينيين للتفاوض من دون شروط، ودفع العرب إلى اتخاذ إجراءات «لبناء الثقة مع إسرائيل» تشجيعا لها على التفاوض! وبدا لأول وهلة أن الطرفين الفلسطيني والعربي يفكران بالمزيد من التنازلات استماتة من أجل التفاوض. ثم جاء تقرير غولدستون فرفع من معنويات الفلسطينيين، وجاءت تفاخرات الإسرائيليين وشماتتهم بأبو مازن، واستكانة الإدارة الأوبامية أمام الاستيطان؛ كل تلك العوامل تجمعت لتدفع العرب لرفض الضغوط الأميركية، والوقوف وراء أبو مازن في شرطيه: وقف الاستيطان، وتحديد المرجعية أو المآلات: أي حدود 1967، والدولة المستقلة. ووسط هذا الجمود المستشري خرج الروس داعين لمؤتمر دولي ما قبل به الإسرائيليون وتوجس منه الأميركيون بعد أن كانوا قد أيدوه علنا في أنا بوليس عام 2007. ثم اندفعت دول الاتحاد الأوروبي لاتخاذ قرار يوم الثلاثاء الماضي، يقول بالدولة الفلسطينية التي عاصمتها القدس، في حدود عام 1967. كما يقول بوقف الاستيطان، وبعدم شرعية السور الواقي. وهاج الإسرائيليون وماجوا، وما استطاع الأميركيون مشاركتهم في ذلك رغم عدم تحبيذهم لصدور القرار الآن. وفي الفترة نفسها التي حدثت فيها هذه التطورات، أي شهري أكتوبر ونوفمبر(تشرين الثاني)؛ فإنّ الدبلوماسية الفلسطينية أنجزت أمورا أيضا. فقد أعلن أبو مازن عن نيته عدم الترشح للرئاسة مستقبلا، مع بقائه في منصبه لحين الانتخابات. وأعلن عن توقيعه للمقترح المصري الخاص بالتصالح مع حماس، مع امتناع حماس. ثم قام بجولات في العالم العربي، وفي أوروبا؛ مكررا شرطيه للتفاوض: وقف الاستيطان، وإيضاح المرجعية. ولكي يخفف نتنياهو من الضغوط عليه فقد أعلن عن وقف جزئي للاستيطان خارج القدس. بيد أن ذلك ما لقي صدى إلا لدى الأميركيين، الذين اضطروا لاحقا للصمت والتسليم أمام المبادرة الأوروبية.

وهكذا فإن إسرائيل ـ رغم اختلاف الموقع والمضمون ـ تجد نفسها في موقع يشبه الموقع الإيراني. ولن يتخلّى الأميركيون والأوروبيون عن ضمان أمنها ومستقبلها؛ لكن من دون الضفة الغربية وغزة. ورغم أن العقوبات لن تهددها مثل إيران؛ فالواضح أنها بين أحد خيارين: إما قَبول التفاوض بالشرطين المعروفين، أو الذهاب إلى الحرب التي تغير المشهد والموضوع. ومن الواضح حتى الآن أن أحدا لن يسمح لها بمهاجمة إيران أو لبنان، ليس لأنه لا مبرر لذلك فقط؛ بل ولأن الحرب ستنشر التوتر والخراب، وستُبقي المشكلة على ما هي: أراض عربية محتلة في فلسطين وسورية ولبنان، ومطلوب من الإسرائيليين الخروج منها منذ القرار رقم 242 في عام 1967.

لا تبدو إيران، كما لا يبدو حزب الله بلبنان، مستعجلين على الحرب. والكلام على الحرب كثير في إسرائيل دونما غطاء من أحد إقليمي أو دولي حتى الآن. بيد أن الساحات العراقية واليمنية والصومالية والسودانية والأفغانية والباكستانية عادت للاشتعال، وفي ذلك حالة جَزْرٍ لنفوذ الولايات المتحدة ولهيبتها بالمنطقة، من دون أن يعني ذلك انفراد «القاعدة» بنشر التوتر والتفجير في كل الساحات، كما تذهب لذلك كل من إيران والولايات المتحدة!

 

انشر عبر