شريط الأخبار

إسرائيل آناكرونيزم .. إسلام أوزقان

01:52 - 01 حزيران / ديسمبر 2009

بقلم: إسلام أوزقان

تعني كلمة آناكرونيزم عدم انسجام خصائص المادة الواردة في الحدث مع الشريحة الزمنية التي مرت فيها الأحداث التاريخية. وفيما يتعلق بكلمة آناكرونيزم المتشكلة من اتحاد كلمتي (آنا) التي تعني التخلف و(كرونيز) المعنية بالزمن في اللغة اليونانية تستخدم موسوعة ميدان لاروس بشأنها عبارة دمج العصور مع بعضها البعض. ولدى قيامنا بالتعبير عن آناكرونيزم بكلمة واحدة نستطيع القول -وبكل راحة- إنها (خطأ تاريخي).

وبتعريف آخر تعني كلمة آناكرونيزم إظهار الإنسان أو المواد داخل شريحة زمنية لم يعش أو لم يتواجد فيها بعد، ويمكننا أن نقول لذلك بأنها تعني: (جمع الأحداث الخاصة لعصور شتى أو الأشخاص داخل نفس الشريحة الزمنية بغية خلق تأثير مثير). هذا وإذا تطلب الأمر منح مثال مبسط، فإن القول بأنه تم استخدام صواريخ سكود في حرب جالديران بين السلطان سليم الأول والشاه إسماعيل الصفوي في عام 1514 يعني أنه تم اتخاذ موقف آناكرونيزمي.

وفي الحقيقة تعني الكلمة أن التناقض المتبلور نتيجة محاولتنا جمع الأحداث التي وقعت في دورتين تاريخيتين مختلفتين وكأنها حدثت في نفس الدورة موقف آناكرونيزمي غير متزن.. إنه موقف غير متزن بسبب عدم تواجد الانسجام بين المعطيات المتواجدة لتشكيل الروابط بين الوقت الحاضر والماضي، أي غياب الانسجام التام مع المعطيات التاريخية.

ووفقا لذلك فإن الوضع البنيوي الجغرافي الحالي لإسرائيل متناقض ومصطنع وغير متزن، وإن كون إسرائيل عنصرا أجنبيا بكيانها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي في المنطقة سبب لأن تكون حالة من حالات الآناكرونيزم.

اليهود.. وتوقف التاريخ منذ 4000 عام

تشكل إسرائيل التي ليست لها أية علاقة سياسية واجتماعية مع بلدان المنطقة بنية لا تعرض تكاملا عضويا مع المنطقة بدءا من النظرة إلى الحياة والعالم وحتى الحياة اليومية، ولذا فإن استمرار بنية من هذا القبيل تطلبت منذ البداية جمع معطيات خاطئة وكاذبة لتكتسب منها المشروعية التاريخية، وهذا ما فعلته الصهيونية التي تعد أيديولوجية التأسيس لإسرائيل، والتي حرفت المعطيات التاريخية بهدف جني المشروعية لها من التاريخ.

وعلى سبيل المثال تتضح هذه المعطيات فيما ذكره رئيس إسرائيل السابق عيزرا وايزمان خلال الكلمة التي ألقاها في ألمانيا عام 1996، إذ يقول: (كنت عبدا في مصر.. استوليت على جبل الطور في سيناء.. وعبرت مع ياوشوا وأليا نهر الأردن.. ودخلت أورشليم مع ديفيد.. وتعرضت للنفي مع زدكيا.. ولم أنس ذلك بينما كنت في ضفاف نهري بابل.. ولدى استرجاع الخالق أسرى الصهيون أسست حلما بين الذين أنشئوا مخلفاتهم.. تشابكت مع سكان روما وطُردت من إسبانيا وقُتلت من خلال إحراقي في أعقاب ربطي بخازوق في ميونخ.. قرأت توراة في اليمن وفقدت عائلتي في كييف.. وأصبحت رمادا في كازبلانكا.. وتمردت في وارسو ونُفيت.. وهاجرت إلى الأراضي الإسرائيلية التي ولدت فيها ورجعت إليها.. إنني يهودي رحال يقتفي آثار أجداده.. وإن أجدادي أيضا يقفون الآن هنا كما رافقتهم إلى هناك.. إنني يهودي رحال على كتفه رداء وفي يده عصا الأمل.. أقف على مفرق زمن يؤدي إلى أربع طرق رئيسية في نهاية القرن العشرين.. لا أعرف من أين أتيت وأحاول معرفة الجهة التي أتوجه إليها بالأمل والقلق).

إن وايزمان يماثل نفسه في كلمته هذه مع يهود ما قبل 4000 عام، ويتصور عرقا يهوديا ثابتا لن يتغير ويتواصل دون انقطاع منذ محاولة موسى عليه السلام إنقاذ بني إسرائيل في مصر ولحد اليوم.

ويتضح أن اليهود وعلى عكس المجموعات الأخرى لا يعرفون التغير والتحول الذي تعرضوا له. والأهم من ذلك يتغاضى وايزمان عن حقيقة هي: أن اليهودية دين وليست عرقا.

لقد تأثر اليهود من الزرادشتية أثناء منفى بابل، وظلوا تحت تأثير سكان روما أثناء احتلال روما، وفي أعقاب هذه الفترة باتوا أغارقة من خلال انتشارهم في مراكز شتى في المنطقة، كما عاش حوالي 400 ألف يهودي في مدينة الإسكندرية بمصر في أعقاب انتشار المسيحية بثلاثمائة عام؛ ولهذا من غير الممكن أن يكون هؤلاء الأناس جميعا من بني إسرائيل لأنه قد تم اعتناق الدين اليهودي في تلك الفترة من أقوام مختلفين على الرغم من طرح الحاخامات طقوسا شاقة أمام الراغبين في الدخول إلى الدين اليهودي.

بكلمات أخرى.. إن هذا يبين أن اليهودية لم تكن في أي وقت من الأوقات دينا يعود لشعب ما، كما أنه لم يكن ممكنا تحقيق التجانس بين منتسبي دين تأثر بأديان وحضارات مختلفة بهذا القدر حتى إنه نسي التحدث باللغة العبرية، لغة الكتاب المقدس، لقرون عديدة.

ورغم قبولنا بأن قسما من يهود أوروبا قدموا إلى القارة الأوروبية عن طريق الهجرة من قارتي آسيا وإفريقيا، فإن هؤلاء الأناس اختاروا اليهودية دينا لهم بدلا من المسيحية في أعقاب فترة وثنية شعوب أوروبا؛ ولهذا السبب فإن البولندي اليهودي يعتبر إثنيا بولنديا رغم اختياره اليهودية دينا له. ويعد نفس الشيء ساريا بالنسبة لليهود الروس والعثمانيين والقوقاز والبلقان والشرق الأوسط.

وعلى سبيل المثال أيضا يمكن السؤال: ما هي نوعية العلاقة من الناحية الإثنية بين بني إسرائيل والفلاشا (اليهود الإثيوبيين) المنحدرين من العرق السامي، واختاروا اليهودية دينا لهم رغم كونهم زنوجا ومعرضين للممارسات العنصرية في دولة إسرائيل المعاصرة؟

في الحقيقة إن كل ذلك يشير إلى أن أقوال عيزرا وايزمان نتاج خيال حيث لا توجد أية صلة إثنية بين يهود اليوم وبني إسرائيل الذين حاول موسى عليه السلام إنقاذهم قبل 4000 عام، مثلما لا توجد أية صلة قومية عدا علاقة العقيدة بين الشعوب المسلمة.

بيد أن الصهيونية تواصل بالتأكيد ادعاءات بشأن تشكل اليهود من شعب واحد بعدما لم يبذل اليهود طيلة ألفي عام أية مساعٍ بغية العودة إلى فلسطين، وذلك في محاولة منها لطرح منطقي يؤدي لتكثيف أنشطتها الاستعماري مثلما حدث في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

الصهيونية إذن تحاول تكرار التاريخ –وكأنه لم يتغير- من خلال العودة إلى ما قبل أربعة آلاف عام ونقله كما هو إلى يومنا الحالي.

ولدى النظر إلى الحركات القومية الأخرى على سطح الكرة الأرضية يتضح أن أيا منها لا تحاول الانتقال إلى التاريخ ونقله كما هو إلى يومنا الحالي أو تكراره؛ فمثلا التفاحة الحمراء عقيدة القومية التركية تاريخيا، ويفتخر القوميون الأتراك بماضيهم التاريخي القومي العائد لـ "جون تورك والهون"، بيد أنهم لم يحاولوا إطلاقا تأسيس تركيا مجددا في آسيا الوسطى. وحتى القومية الألمانية والنازية لا تتخذ موقفا من هذا القبيل، فهي تدافع عن تفوق الآرية، لكنها لم تفكر إطلاقا بتأسيس دولة في شبه جزيرة الهند العائدة للآريين، ومثال ذلك أيضا صدام حسين، فهو لم يتبن موقفا كوميديا كتأسيس الدولة البابلية الواردة في أيديولوجية حزب البعث الذي سعى من أجل توحيد الثقافة البابلية القديمة مع القومية العربية.

الصهيونية وتحريف التاريخ

ومن الطبيعي أن أيا من القوميات -وجميع الأيديولوجيات- التي أحضرت بسلسلة من الثناء والمديح في الماضي لم تنظر بحرارة إلى نقل الماضي كما هو لليوم الحاضر. ويعني ذلك أنه لا يمكن مقارنة أية واحدة منها مع أيديولوجية الصهيونية؛ أي أن الصهيونية هي الأولى من نوعها في هذا المضمار. ومن الممكن ملاحظة موقف آناكرونيزم بارز في رجوع الصهيونية إلى كتاب التوراة المقدس الذي يشكل بمعنى آخر مصدرا لتوحيد الأديان.

وحسب الذين يدافعون عن أيديولوجية الصهيونية، فإن المسيح الذي أتى من نسب داود عليه السلام سيجمع جميع اليهود الذين انتشروا في جميع أنحاء العالم مجددا في الأرض الموعودة، وسيعاد إنشاء هيكل سليمان، وسيتم تأسيس مملكة الأمن والاستقرار لليهود.. إن هذا الحنين الذي يزين أحلام اليهود في الدياسبورا ليس جديدا، وإنما تعود جذوره إلى ما قبل العصور.

ويتضح من السطور هذه أن عقيدة الأرض الموعودة ترد في أساس الصهيونية. هذا ويؤمن اليهود أن الأراضي الممتدة من البحر الأحمر في الجنوب إلى الفرات في الشمال ومن البحر المتوسط في الغرب إلى البحر الميت في الشرق أرض موعودة لهم من قبل الخالق، وأن هذه الحدود التي تستند في أساسها إلى التوراة تزين أحلام اليهود مهما تغيرت وجهات نظرهم.

لقد تم هنا تحريف التاريخ والتوجه نحو الأحلام التاريخية إلى درجة يتم عندها استخدام الأمس من أجل اليوم من خلال تماثل كل مؤسسة وبلد ومجتمع في وقتنا الراهن مع الأسماء التاريخية وأسماء الأماكن والبنى الواردة في التوراة، بدلا من تماثله مع أسمائه وكياناته، وكأنهم يعيشون في المملكة التي تأسست في عهد سليمان عليه السلام.

وإذا صح التعبير فإن الحضارات والرقع الجغرافية والشعوب امتزجت مع بعضها البعض، وإن الأعراق فقدت نقاوتها، بينما صعدت العشرات من الأمم الجديدة على مسرح التاريخ، وأزيلت العديد من الأقوام والعشائر التي عاشت قبل أربعة آلاف عام من مسرح التاريخ؛ ولذا فمن يقول بأن الأعراق والأديان حافظت على نقاوتها في نهاية المسيرة التي شهد العالم والتاريخ خلالها تغيرات كبيرة لن يكون قد اتخذ موقفا متزنا.

بناءً على هذه الأسس غير الصحيحة، فإن التاريخ لم يعد –وفق الصهيونية- فرعا من فروع العلم يثبت الحقائق، وإنما أصبح أيديولوجية تحاول تقديم صورة محرفة من خلال طرح الحقائق لخدمة الصهيونية، وإن التاريخ لا يتعدى في هذه الأيديولوجية كونه آلة بسيطة؛ وبهذا تحاول إسرائيل إظهار دورة تاريخية لم تتواجد في الحقيقة، وكأنها تواجدت، بهدف تحويل تكونها إلى حالة صحيحة، وبذلك تسعى إلى جني المشروعية من التاريخ، وهذه المساعي مرغمة للتعرض إلى الفشل جراء احتوائها على آناكرونيزم (الخطأ التاريخي).

وفي الحقيقة فإن حكاية تبلور الصهيونية مرتبطة مباشرة بتبلور الرأسمالية وبظهور طبقة البرجوازية التي عادت اليهود في الدول الأوروبية، وقد استغلت الصهيونية وضع اليهود الذين تعثر عيشهم في المجتمعات الأوروبية وتعرضوا للهجمات العدائية، لتطرح تأسيس دولة يهودية مستقلة بمصادقة ودعم القوى العظمى في تلك الفترة حلاً للمشكلة اليهودية في أوروبا.

وبهذه الصورة تم من جهة تخلص البرجوازية من بلاء اليهود، ومن جهة أخرى اكتسب الغرب حليفا جديدا ومخلصا هو إسرائيل التي تأسست في منطقة الشرق الأوسط لأن أيديولوجيو ومثقفو وإداريو الدولة الجديدة هم من يهود الغرب المسمى بـ(الأشكنازي).

المسألة إذن أن ضرورة تأسيس دولة شعب اليهود لم تتولد داخل إطار تطور طبيعي لليهود، وإنما نبعت من التناقضات الداخلية للرأسمالية في أوروبا، وبات من الطبيعي تواجد دولة موالية للغرب في المنطقة وتقديم الدعم لها من قبل الدول الغربية ولاسيما إنجلترا، وقد توحدت هذه العوامل كافة، وساهمت كحركة استيطان استعمارية في وصول الصهيونية إلى أهدافها.

واليوم يحاول الإسرائيليون، وهم يطرحون "يهودية" دولتهم أن يكرروا نفس الخطأ التاريخي، وليثبتوا أنهم كيان غريب عن المنطقة لا يستطيعون التكيف مع واقعها، وهذا أيضا خطأ تاريخي.

بيد أنه يمكن القول إنه من المستحيل تواصل هذا النجاح لأن إسرائيل لن تتمكن من مواصلة كيانها بدينامياتها الطبيعية ما دامت لم تتحول إلى جزء طبيعي من الناحية الحضارية والسياسية والثقافية للمنطقة؛ لأنها تعمل فعليا باعتبارها دولة مصطنعة؛ وبالتالي لن تتمكن من مواصلة كيانها في المنطقة -حتى لبضعة أيام- دون دعم الغربي لاسيما من الولايات المتحدة الأمريكية.

أضف لذلك أن الإبادات التي ارتكبتها إسرائيل وانتهاكاتها حقوق الإنسان أكسبت لها حقد وكراهية المنطقة. ولهذا يمكن القول إن إسرائيل باتت مجسما للظلم والغدر والشيطنة والسوء، ويتضح أنه من الأفضل للصهيونية التوجه نحو مياه أخرى بغية حماية كيانها، بدلا من العيش داخل هذا البحر المليء بالكراهية.

الأمر الآخر هو أن التجارب المعاشة بشأن الاحتلال والاستعمار في التاريخ تؤكد صحة الأقوال الآنفة الذكر. لقد أُجريت هذه التجارب ولمرات عديدة من قبل كل من الفرنسيين في الجزائر والإنجليز في أوغندة والغربيين في جنوب إفريقيا وأخفقت جميعها.. إن المحتلين الذين تعرضوا أثناء هذه التجارب لردود فعل شديدة من قبل السكان المحليين اضطروا للرجوع إلى بلدانهم مجددا أو تبنوا ثقافة تلك البلاد وانصهروا مع السكان المحليين.

وفي نموذج جنوب إفريقيا اضطرت أقلية البيض إلى اللجوء للانتخابات وتسليم الحكم للسود بعد نهاية سياسة الأبارتيد التي خلفت وراءها أعواما مليئة بالضغط والقمع.

والجدير بالذكر أن كلا من الولايات المتحدة الأمريكية ونيوزيلندا وأستراليا هم الأمثلة الوحيدة لنجاح سياسة الاستعمار، حيث تمكن الاستعمار الإمبريالي هنا من التخلص من السكان المحليين وتحويلهم إلى وضع الأقلية من خلال قتل الأغلبية.

والنتيجة أن الصهيونية الإسرائيلية التي تُعد أيديولوجية لها خصائص الاستعمار لا تملك حظ تحقيق النجاح ما دام لم يتعرض سبعة ملايين فلسطيني إلى الزوال جماعيا، أو إبعادهم من أراضيهم التي يعيشون عليها منذ آلاف الأعوام؛ فهم باقون للأبد، ولن يسري معهم إلا كما سرت القاعدة طوال التاريخ؛ لأنهم ليسوا كإسرائيل التي تمثل (آنا كرونيزم).

-----

باحث وكاتب تركي متخصص في الفكر السياسي.

انشر عبر