شريط الأخبار

خيار الثقافة.. خيار الأمة.. علي عقلة عرسان

04:56 - 28 حزيران / نوفمبر 2009

خيار الثقافة.. خيار الأمة.. علي عقلة عرسان

  

 

كل عام وأنتم بخير

 

هدية المقاومة للأمة وللمقاومين تصميم وصبر وتحرير خمسمئة من الأسرى والمعتقلين في سجون العدو الصهيوني، بينهم البرغوثي وسعدات، في صفقة شاليط.

 

وهدية الكيان الصهيوني وحليفه الأميركي للمفاوضين خداع كبير قدمه نتنياهو باسم حكومته، وبشر به الوسيط الأميركي لاستئناف المفاوضات من واشنطن، بتزامن لافت للنظر، وهي تعليق الاستيطان لعشرة شهر يتم التركيز فيها على إنجاز ثلاثة آلاف وحدة سكنية ومدارس وكنس وخدمات توسعية للمستوطنات في الضفة الغربية، وتستمر وتيرة الاستيطان عالية في القدس؟! وهل يمكن أن ينجز أكثر من ذلك في عشرة أشهر؟ وهل يكون الاستيطان قد توقف فعلاً ولو لساعة وحدة؟ إنها خديعة العدو لتحميل السلطة الفلسطينية مسؤولية إجهاض عملية السلام إذا لم تقبل هدية نتنياهو.؟!

 

فهل يبقى أمام الأمة العربية سوى خيار المقاومة لتنقذ ما يمكن إنقاذه، وتدفع الاستهتار والاستهانة والمهانة والعدوان؟ وهل المقاومة سوى وعي بالحق ورؤية لطرق الوصول إليه بالمعرفة والعلم والوعي والإيمان والتضحية واستخدام القوة ضد من لا يفهم سوى منطق القوة؟! وهل يمكن أن تكون المقاومة خيار الثقافة ومن ثم تصبح خيار الأمة؟                                                                                                                 

 

ثمة علاقة جدلية، حيوية وعميقة، فيما أرى، تقوم بين من يكتب سفر خلاصه بدمه، ومن يكتب، من أجل الخلاص، أسفاراً بقلمه. أحدهما يدعو إلى تجسيد رؤية، ويمتطي صهوة الحلم مدخلاً لتغيير الواقع، يرتاد ويختطّ طرقاً يدعو إلى السير فيها، والآخر يجعل من اقتحام عالم الرؤية والحلم بعزم روحه وطاقة جسمه، ومن سلوك طريق الوصول إلى الهدف، أمراً ممكناً وبمتناول المجتهد الجريء.

 

وحين يحنِّي الدمُ تراب الوطن، وتلامس قدسَ أقداسه سلامياتُ الحروف الممتدة في عروق الجسد والأرض والشعب والتاريخ، وتخضل اخضلال العين بالدمعّ، وتضرب جذورها عميقاً في تربة الإبداع والانتماء، وتذهب بعيداً في التأثير في أرواح وقلوب وعقول وضمائر، ويغدو حداؤها مسموعاً ومؤثراً.. عندها يوقظ القلبُ عزماً في القلب، وتجد الروحُ طريقها إلى الروح، ويهز القولُ  شجرةَ العطاء في كل نفس فيسَّاقط جناها بطولات وتضحيات هي ثمر العز طرياً وطلياً، ويُبعث فيها وهجَ التاريخ وزهوه، فتجود فداء واستشهاداً على طرق الحرية والكرامة والتحرير.. وينتج كل ذلك مناخ تفاعل العطاء الوطني والقومي والإنساني وتبادله، بين كلمة مسؤولة نذرت نفسها للحق والحرية والحياة، وإنسان حر تتلخّص معاني الحياة عنده في موقف شريف ووقفة جهاد تكرِّس عزاً على أرض وطن عزيز ونصراً لعقيدة وحرية وشعب يتوق للحرية والكرامة.. إنسان يحركه الانتماء والإيمان والوعي المعرفي بإرادة جبارة دافعين إياه نحو سلوك طريق التنفيذ بشجاعة، وتخلق الكلمة الصادقة فيه مناخ النضال، وتثمر روحه عزماً وأملاً ونوراً، فتجود بدم زكي يغذّي مشكاة النور والأمل على طريق مجد الإيمان ومجد الإنسان ومجد الحرية والأوطان.

 

والعلاقة الجدلية ذاتها تقريباً تنشأ بين أولئك الذين يخلصون كلياً لتلك المهمة، وبين الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي يعيشونه ويناضلون من أجل تغييره، فالمرء ابن المناخ الذي تهب عليه كلَّ يوم نسائمهُ ورياحهُ ويتقلب على صفائح حَرّه وقَرّه.

 

وإذا كانت الكلمة الحرة ذات إسهام في صنع قرار المقاومة ودفعها وفعلها وإذكاء نارها المقدسة، فإنها إنما تستنبِت شرفها ومقومات وجودها وحيويتها وتأثيرها في تربة الحق والعدل والجهاد والاستشهاد، في الإصرار على المقاومة بالكلمة والموقف والسلاح من أجل تحرير كل ذرة من تراب الوطن، وتحرير المواطن، وإشراق غد انتصار الحق والعدل والإنسان. وعلى طرق مقاومة الاحتلال الصهيوني الذي يعلن في كل يوم عن عودة عنصرية نازية جديدة أكثر حقداً وخطراً على الإنسانية والقيم من نازية هتلر.. نازية تهدد "بحرق تراب لبنان" وتنتشي بتدمير غزة وارتكاب جرائم إبادة ضد شعبها وجرائم ضد الإنسانية في كل بقاع فلسطين. على طريق تلك المقاومة العربية الإسلامية ضد الصهيونية الهمجية والنازية الجديدة، تزهو الكلمة الموقف بأهلها وبأن تنتمي إلى المقاومة وتمجِّدها وتساهمَ في إذكاء شعلتها، وبأن تتسامى إلى مقام الشهادة بترانيمها لتُقْبل هناك وشاحاً، أو زينة على وشاح يطرزه الدم الطهور.

 

وما ينبغي أن يؤكد عليه الكتاب خاصة والمثقفون عامة هو حاجتنا إلى استمرار المقاومة النوعية في هذه الظروف التي ينمو فيها سرطان الاستيطان والتآمر الأميركي- الصهيوني على مواقع الصمود والمقاومة في الوطن، وتحقَن اتفاقيات الإذعان السابقة بما ينعش مسيرة الاستسلام ويوطد لإسرائيل ومشروعها أركاناً في أوطاننا. هذه المقاومة تستحق أن تنصر وأن يستلهم جهادها، وأن ترفَع الرؤوس عالياً بها، وأن يستنبت شرف الأدب في محاريبها.  

 

ومن أولى واجبات المثقفين، فيما أرى:

 

1 ـ أن يرفض أي تفريط مهما كان ضئيلاً بقضية الأرض والشعب، ويرفض في المقدمة أي اعتراف بالكيان الصهيوني المحتل وأي شكل من أشكال تطبيع العلاقات معه، حتى لو اعترفت به الدول العربية كلها وطبعت علاقاتها معه، لأن أي اعتراف بالعدو كياناً في فلسطين هو سحب للاعتراف بتاريخية الشعب الفلسطيني في وطنه وبثبات حقه فيه واستمرار ذلك الحق بصورة لا تقبل التقادم ولا تسبغ شرعية من أي نوع على المغتصبـ وتبقي إرادة المقاومة من أجل التحرير وشعلتها متقدة.. ذلك لأن قضية فلسطين قضية عدالة وحرية وشعب ولا مساومة على العدالة والحرية وقضايا الشعوب، بأي شكل من الأشكال، وهي قضية أمة وليست قضية قطر ونظام وحاكم، يقرر بشأنها ما يشاء ويفرض قراره على الأمة بقوة الاحتلال وحلفائه وعملائه.

 

2 - الدفاع عن شرعية المقاومة ومشروعيتها، لاسيما في ظل ظروف وسياسات وحملات إعلامية صهيونية وأميركية وغربية وحتى عربية أحياناً، تريد أن تسبِغ عليها صفة الإرهاب، وتسحب عنها المشروعية وتحملها مسؤولية تدمير "السلام" وفرصه!؟ فالمقاومة ضد الاحتلال حق مشروع لمن تقع أرضه تحت الاحتلال، وهذا الحق الذي تقره الشرائع والقوانين الدولية وأعراف الشعوب، ينبغي الدفاع عنه في معارك الشعوب ضد الاستعمار والعنصرية، وهو من أوّل الواجبات وأقدس المهمات.

 

3- استلهام تضحيات المقاومين وبطولاتهم ومعاناة أسرهم، في الإبداع الأدبي والفني، وتقديم المقاومة إلى المواطنين والرأي العام بأجلى صورها وأرفع قيمها وأنصع تلك القيم، ورفع نماذجها قدوة، وإعلاء قيمة الفداء التي تقدمها تلك النماذج مثلاً يحتذى، لاسيما في المدارس والجامعات وأوساط الشعب.

 

         والمثقف مسؤول، بحكم الموقف والاختيار والوعي، عن إظهار قيمة المقاومة وضرورتها وفضائل القائمين بها؛ فمن يقضي من أجل الوطن، ويضحي بمستقبله ومستقبل أطفاله ليس كمن يتاجر بالوطن وقضاياه والشعب ودمائه ثم ينام مرتاحاً آمناً، ويجني ما يجني على حساب راحة الآخرين وأمنهم وحيواتهم؟! ومن يدفع دمه ليعيش الآخرون بكرامة ليس كمن يمتص دم الآخرين ليعيش هو برخاء، على هامش القيم والكرامة. إن من واجب المثقف أن يبرز ذلك ويدافع عن الفضائل والقيم.

 

4- على المثقف وسادن الثقافة المسؤول تاريخياً عن دورها ومكانتها ودورها، ألا ينهزم من الداخل، فيلحق الهزيمة بالآخرين، وألا يعمل على غرس روح الهزيمة في الأجيال، وألا يضع ثقل الوعي الثقافي في خدمة العدو أو في مجرى فعل سلبي داخلي من شأنه تفتيت الثقة وإضعاف الإرادة الوطنية أو تدميرها وإغلاق منافذ الأمل والعمل أمام الناس، ليقودهم من بعد إلى الاستسلام وهو يتغنى بواقعية انهزامية يكون من نتائجها القضاء على المعطيات الإيجابية التي تمكِّن الفرد والأمة من الثبات على المبادئ والتمسك بالحقوق، والمبادرة إلى فعل منقذ في كل اتجاه؛ والتنبه إلى أوضاعها واستدراك احتياجاتها بكل السبل.

 

         فالثقافة التي توحي بالهزيمة أو تصنعها أو ترسخها، ثقافة تقوم بدور الطابور الخامس في الداخل، تشوه وتشوش وتضعف وتشتت الرأي والرؤية، وتعمل على كسر ظهر المقاومة بدلاً من القيام بإسنادها معنوياً على الأقل، وهي من ثم تشل الإرادة وتكسر ظهر الوطنيين، وتسلم الشعب للغفلة والتغفيل والتضليل والتجهيل، والوطن والأمة إلى الهزيمة والخنوع والضياع.

 

5- على المثقف أن يقدم، على أرضية الوعي والانتماء والعلم والإيمان والعمل بكل ذلك، خطاباً بنّاءً يقيم قوام الحق ويصب في مجرى التحرير والحرية والعدل، ويسعى إلى إقناع أبناء الأمة بأن قضية التحرير هي قضية أجيال وليست قضية جيل أو قضية حاكم يمكن أن يفرط بها أو يقرر بشأنها ما يشاء.. وبأن قضية الفئة المقاوِمة هي قضية الجميع، ومسؤولية دعم تلك الفئة مسؤولية الجميع، لكي تغدو المقاومة خياراً وطنياً وقومياً، وقضية شعبية وفعلاً مشرفاً، وهذا يستدعي منه:

 

أ‌-    التدقيق في نوع الخطاب الثقافي المطلوب في الظروف والأوضاع الراهنة. وتقديم هذا الخطاب بمسؤولية، مهما كانت نتائج تقديمه مكلفة له، لاسيما في ظل وجود:

 

ـ ضخ إعلامي مضاد للأمة العربية والمقاومة.

 

ـ  ووجود أنظمة عربية مستسلمة أو تدعو إلى الاستسلام وبيدها وحدها قرار السلم والحرب ومعظم مقومات ذينك الفعلين، وتغيب الشعب وإرادته، وتأخذ بمبدأ خطير هو الاعتراف بالعدو الصهيوني دولةً في فلسطين وعلى حساب أهلها المشردين عنها، في حدود ما احتله ذلك العدو من أرض فلسطين قبل الرابع من حزيران 1967 وتقبل مبدأ المساومة على حق العودة والقدس، وهو موضوع قرار القمة العربية في بيروت عام 2002 الذي كرسته قمم عربية لاحقة.

 

ـ ووجود " مثقفين" يقدمون خدمات للعدو يعجز هو عن تقديمها لنفسه، ويسوغون التعامل معه، ويقدم بعضهم الخيانة على أنها وجهة نظر.

 

ومهما كانت متطلبات تحويل ذلك الخطاب إلى فعل قوة يؤدي إلى يقظة ونهضة وحالة إيجابية ونتائج عملية على الأرض، ومهما كانت متطلبات ذلك قاسية أيضاً. فَنَفَسُ الأمم لا يقاس بنفس الضعفاء من أفرادها، أو بنَفس أفراد بل أجيال أحياناً من أجيالها.

 

ب- تقديم أنموذج المواطن المنتمي بمسؤولية، علمياً وعملياً، في وعيه وسلوكه وممارساته، ليعطي لخطابه مصداقية وواقعية محسوستين وملموستين، فمن دون المصداقية والواقعية يتحول الخطاب إلى شعار فارغ؛ وما أكثر ما عانينا من الشعارات الطنَّانة الفارغة من كل مضمون عملي ومرتسم واقعي.. وقد لا يكون العيب في الشعار أحياناً، وإنما في الأداء الذي يحكمه أو يتحكم بنتائجه ومصداقيته ومفعوله، وفي من يحرفونه عن أهدافه التي وضع من أجلها لغايات أو أمراض في نفوسهم.

 

6- على المثقف أن يشكل ثقلاً في الحضور الجماهيري والاقتناع الشعبي والحشد الشعبي أيضاً وراء الإرادة السياسية القومية والمقاومة وفعل التحرير، وأن يساهم في صنع إرادة التحرير ومناخه وتعزيزهما، وأن يشكل حضوراً في ساحة القرار السياسي ليدفع باتجاه ما يدعم المقاومة ويصعدها على أسس من الكفاءة والقوة والاقتدار. فاستخدام مصداقية "الثقافي" وتأثيره وأدواته وبعده المعرفي والتاريخي.. كل ذلك مندوب إليه في ظرف تحتاج فيها الأمة إليه. وحين ينجح المثقف في إعطاء المقاومة صبغة شعبية شاملة يضع الأمة، بإرادة حية، على طريق النهضة والتحرير والتقدم.

 

         فالمواجهة أتون يصهر معدن الشعب ويطهره ويخلصه من الشوائب ويبرز خصائصه، والمواجهة امتحان يؤدي دخوله بثقة واقتدار إلى ولادة جديدة يُقبل فيها المرء على الحياة ويتصدى لتحدياتها وصعابها؛ والمثقف شعلة هذه المواجهة ونورها، فليكن له فضل ما خُلِق له أو ما نذر نفسه له.

 

7- أن يخلق مناخ المقاومة، نفسياً واجتماعياً، وأن ينميه ويدافع عنه، ويعمل على توفير الرَّفد له، من خلال استنهاض الروح المؤمنة وتجليات عطائها، والتركيز على القيم الوطنية والانتماء الوطني والقومي، وعلى المسؤولية الفردية والجماعية تاريخياً عن الوطن والمواطَنَة والمواطن والأمة، عن الحق ومن يدافع عنه، عن الحرية ومن يمهرها بدمه وبكل مقومات راحته ومستقبله.

 

         وأن يتواصل المثقف مع المقاومة تواصلاً حياً، بالوسائل المتاحة، فالمقاتل يشعر بتدفق الثقة في روحه والقوة في أعصابه كلما شعر بجدوى الفعل الذي يقوم به وردود ذلك الفعل وتجلياته في الناس؛ ويتم ذلك بفاعلية إذا استشعر وجود الآخرين معه وتقديرهم لأدائه وتضحياته ومعاناته، وتقديرهم لتضحيته وشجاعته، وحبهم له واحترامهم لدوره واعترافهم بفضله.

 

         والمثقف أهل لأن يقدم ذلك للمقاوم، مع كل ما يثبِّت وجوده ويدعم ذلك الوجود، ويخلّد الأداء النوعي المبدع الذي يقوم به.

 

8- تأكيد المثقفين على التضامن والتكامل الاجتماعي مع المقاتلين وأسرهم، مع المقاومة وشهدائها وأهل أولئك الشهداء؛ وهذا عامل من أهم العوامل التي تدفع أداء المقاومة إلى الأمام، ويخلق حالة اجتماعية فيها الاطمئنان النسبي على الأقل والمسوِّغ المؤثر، الذي يمد المقاوم بالزاد المادي والمعنوي، فضلاً عن مده بتكاليف التجهيزات والمعدات والعدد. وتعزيز موقف المقاوم واختياره بكل ما في الكلمة من طاقة على الأداء بإقناع وإمتاع وإبداع، والعمل على خلق ذلك الفضاء الذي يمتد عبر تاريخ الأمة بين نماذج مجاهديها وأبطالها وقادتها ووطنييها الحقيقيين وبناة مجدها وبين هؤلاء الذين يقاومون اليوم ويصنعون التاريخ المعاصر للأمة. والوسائل إلى ذلك كثيرة وما يبدعه الإيمان والتصميم من تلك الوسائل أكثر بكثير.

 

         وتلك المسؤولية بوجهيها المادي والمعنوي من أهم ما يمكن أن يوظف المثقفُ جهده لخلقها وإنعاشها وتوفير قيمها ومقوماتها في النفوس.

 

         ولا يكون ذلك بالخطاب "البرجعاجي" ولا برفع الشعار، ولا بالكلام الإنشائي المنمق المرسل من بعيد، عبر أجهزة الاتصال ومجالات النشر، على أهمية ذلك وضرورته، وإنما يكون بالتواصل الحي مع المقاومة في مواقعها من جهة، ومع الأوساط الاجتماعية التي يخرج منها المقاومون من جهة أخرى، ومع ما يتركه الشهداء من أثر وتاريخ ومسؤوليات اجتماعية. ويعزِّز ذلك تبني الثقافة للمشكلات والقضايا الخاصة والنوعية التي لتلك الفئات والعمل على حلها وإيصال صوت أصحابها إلى حيث ينبغي أن يصل.

 

فاستقراء التاريخ واستذكار مواقعه ومواقف صَنَعَتِهِ.. سبيل، وإظهار الحق التاريخي في الأرض سبيل، وحماية المقدس والعقيدة سبيل، والدفاع عن قيم الأمة وحقوقها ومصالحها ووجودها سبيل، وحماية الأهل والأطفال والمستقبل سبيل، والوطنية بجلاء معانيها وقيمها المشرقة مجسَّدة في فعل منقذ.. سبيل. ومن يؤمن بقضية يبدع في إيجاد سبل خدمتها ونصرتها وتخليدها.

 

ولا أريد أن أغفل واجباً على الثقافة حيال الوطن والإنسان من جهة وحيال المقاومة في وضع يعاني منه الوطن والإنسان معاً من جهة أخرى، وأعني بذلك العمل في جبهة الوطن الداخلية للقضاء على الفساد والإفساد، وتحرير المواطن من الجهل والخوف وتخفيف معاناته، ومقاومة من ينتهك حقوقه ويلغي حرياته ويمنعه من ممارسة دوره وحقه في المشاركة في صنع القرار واستشراف المستقبل بمسؤولية واعية لالتزاماتها ومحيطها وظرفها وأدواتها وغاياتها، ويؤثر على أدائه في مناخ ديمقراطية نظيفة وسليمة، أو أقرب ما تكون إلى النظافة والسلامة. فالثقافة التي تصنع مواطناً حراً تهيئ عملياً لوطن حر، وتقيم من كل مواطن حصناً للحرية ومدافعاً عنها ومقاوماً في سبيلها، سواء أتعرضت الحرية للانتقاص منها بفعل عدوان خارجي على الوطن يجعل كل مواطن منقوص الحرية أو سليبها، أم بفعل يقع على المواطن من جراء ممارسة سلبية داخلية تجرده من حقوق المواطنة وتضعف معاني الانتماء للوطن.

 

فالوطن الحر يقيمه الأحرار ويدافعون عنه، والحرية لا تتجزأ، وهي تتكامل مع واجبات وحقوق اجتماعية وتكتمل بها وبالوعي التام بالحق والعدل وصلاح الغاية والوسيلة معاً. وللحرية شرطها البشري والاقتصادي والسياسي والحقوقي، في كل ميدان من تلك الميادين التي هي مجال عمل مثقف يبدع في خدمة العاملين المخلصين في الجبهات جميعاً، جبهات البناء الداخلي وجبهات الدفاع والتحرير.

 

إن محاربة الفساد نوع من تعزيز المواطنة الصالحة ومن ثم المقاومة الناجحة، وبالتالي تعزيز قوة التحرير والحرية والبناء السليم: تربوياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، ومن يساهم في بناء وضع وطني وقومي سليم هو الآخر يمكِّن من استشعار الواجب والمسؤولية في الدفاع عن الوطن والتضحية من أجله، ويدفع باتجاه المقاومة:

 

- مقاومة الانهزام وعوامله في الأعماق الفردية والآفاق الاجتماعية والوطنية والقومية.

 

- ومقاومة فعل القوة الغازية، عسكرياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً.

 

- ومقاومة الاحتلال والاستيطان والمشروع الصهيوني العنصري، الذي هو النقيض لمشروع الأمة النهضوي في الوطن العربي والعالم الإسلامي.

 

إن المقاومة روح معنوية ووطنية وعقيدية وخلقية وإنسانية، تحكم الجسد وتسوقه في طريقها، وبمقدار ما ينتشر الوعي المعرفي ويتجذّر، تنمو هي وتتعمق وتتجذر في الذات وفي المجتمع بنموه وتعمقه وتجذره واستشرافه. والمثقف هو حامل الوعي أو هكذا يفترض به أن يكون، ولذا تقع عليه مسؤولية خلق مناخ المقاومة وحمايتها والدفاع عنها؛ فالعلاقة بينهما علاقة عضوية بالمعنى الدقيق والشامل والواسع للكلمة.

 

فهل يبقى، وحالنا ما نرى ونعرف جميعاً، مبرر لتساؤل يقول: ما الذي يصنعه المثقف للمقاومة وهو لا يملك أمر نفسه ولا حريته ولا أمر الوطن وقراره؟!

 

هنا نتوقف عند حالة لا بد من التوقف عندها، ومسؤولية، لا بد من مواجهتها:

 

الحالة هي: وطن منتهك مستهدف محتلة إرادته وبعض أرضه، ويفتك به المرض والفساد والجهل، وتفترِع أقطاره عصي سُلَطٍ لا تقيم للآخرين وزناً.

 

والمسؤولية هي: من يخرجنا من هذا الوضع أو يدفع باتجاه الخروج منه، وينير شمعة على تلك الطريق ؟!

 

وهنا تبرز مسؤولية المثقف بحكم الوعي والموقع والاختيار.

 

فهل يقع عبء الريادة والكشف والقيادة في عصر العلم والمعلوماتية والمعرفة المتنامية على العامل والفلاح والحرفي؟! أم تراه يقع على عاتق الشرائح الأكثر وعياً واقتداراً التي تصدر أفعالها ومواقفها عن مسؤولية ووعي، وتستخدم  الطاقات والإمكانات والأدوات بوحي من ذينك المسؤولية والوعي؟!

 

السُّلَط العربية قد تكون غارقة في تفاصيل الأداء على أرضية الهزيمة أو الإحباط أو بؤس الرؤية المستقبلية والتصرف الراهن، فمن يقدم لتلك السُّلط روحَ الشعب ومطالبه عبر رؤية تستمد مقوماتها من واقعه وتطلعه واستقراء تاريخه واستنهاض همته وإنعاش إيمانه؟! إنها الثقافة، وإنه التعلق بحب الأمة والوطن والعدل والحرية والناس معاً، ذاك الذي يجعل أداء المثقف أداء شبه نبوي في الاستشراف، وفدائي في تحمل المسؤولية، وعقلاني بمواجهة الأوضاع القائمة، وعملاقاً في التضحية على أرضية التمسك بالحق وإضاءة طريق الناس إلى غدها بتقديم أنموذج الشمعة التي تحترق وتضيء ليمشي الشعب إلى غد فيه الكرامة والسعادة والحرية.

 

إنها ضريبة المعرفة وضريبة الانتماء معاً، وهي نوع من صَعْقِ البرق لأرض تُستنبت فيها روحُ الخصب وتلقن كلمات الحق بصرخات الرعد، وعلى مطر الوعي أن يسقي عطش الروح ويستنبت في النفس زرعها وثمرها الطيب؛ وأهل الكلمة، من بين أهل الثقافة، مسؤولون عن الريادة وتحمل مسؤولية الأداء في العتمة بمواجهة سطوة الجهل والسوط، وعليهم أن يدخلوها صفاً، حزمة عيدان لا يسهل الاستفراد بها عوداً عوداً، ولهم من بعد على الناس ألا يقولوا لهم ما قالت اليهود لموسى :"اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون".

 

وإذا نجحت المقاومة في تقديم نماذج من القيادة والريادة والأداء، ترى نفسها في حالة أبوة مسؤولة عن كل مقاوم، واستثمرت الثقافة هذه الحالة، فإن مناخاً إيجابياً يمكن أن ينتشر ليشكل حالة استقطاب شاملة وراء هذا النوع من الأداء الذي نحتاج إليه في وضعنا العربي الراهن.

 

 

 

انشر عبر