شريط الأخبار

قراءة إسرائيلية للتسلح العسكري في الشرق الأوسط .. عدنان أبو عامر

12:08 - 12 تموز / نوفمبر 2009

بقلم: عدنان أبو عامر

تعتبر منطقة الشرق الأوسط من أكثر المناطق اشتعالا في العالم، بفعل التوتر السائد، وما تمر به من إرهاصات تمهد لمواجهات مستقبلية، الأمر الذي يفسر عمليا توجهها نحو التعاظم العسكري المتزايد بين دولها، والمجموعات المسلحة التي تعمل من داخلها، ولهذا فهي تعتبر اليوم من أكثر "الزبائن" الأكثر طلبا لشراء السلاح في العالم.  هذا التحليل سيكون أساسا في دراسة ومراقبة حجم التعاظم العسكري لدول المنطقة، وتحديدا في توجهاتها الحثيثة لحيازة مختلف أنواع الأسلحة من دول العالم، وقدراتها الذاتية على إنتاج السلاح، إلى جانب الموقف الإسرائيلي منها، سواء من باب "تضخيم الصورة" لاستدرار مساعدات أمريكية، أو ربما "ضخ" المزيد من تجارتها التسليحية!.

الموازنات العسكرية

واصلت دول المنطقة خلال العامين الأخيرين جهودها الحثيثة لحيازة الأسلحة، وتطمح لأن تكون من أهم الدول في العالم في هذا المجال، وحسب المعطيات الإحصائية التي نشرتها الخدمات البحثية التابعة للكونجرس الأمريكي أوائل عام 2009، فقد وقعت دول الشرق الأوسط بين عامي 2004-2007 على اتفاقيات شراء واستيراد أسلحة بمبلغ يصل إلى 63.055 مليون دولار.

وتم توقيع 30% من قيمة العقود بين عامي 2000-2003، بمبلغ يصل 33.287 مليون دولار، بنسبة شكلت 22% من مبيعات سوق السلاح العالمي!؛ وبالتالي فإن التفسير المنطقي للفرق بين القيمتين في كلا الفترتين يشير إلى تنامي مشتريات السلاح العالمي وتعاظم مبيعاته، الأمر الذي يؤكد حقيقة تصدر دول الشرق الأوسط لقائمة مشتري السلاح العالمي. وتأخذ هذه النسب في الازدياد عاما بعد عام، في إشارة إلى طبيعة الوضع الجيو-سياسي المعقد في المنطقة، الذي يضج بسلسلة من الصراعات والنزاعات المتواصلة، وبتدخل ملحوظ من أطراف وجهات دولية، وهو تدخل ينبع أساسا من حيويتها إستراتيجيا، وأهمية مواردها الطبيعية، وتحديدا النفط. الخبير العسكري الإسرائيلي الأكثر شهرة "يفتاح شافير" أشار في تقرير صدر له أواخر أكتوبر الماضي 2009، أنه خلال السنوات الأخيرة حل تنام وتعاظم ملحوظ لدى دول الشرق الأوسط في حيازة الأسلحة وشرائها؛ حيث أخذ هذا التنامي يظهر بصورة بادية للعيان خلال السنوات الخمس التي تلت عملية "عاصفة الصحراء" عام 2003. وفي الوقت الذي جاء فيه التدخل العسكري من قبل الولايات المتحدة ليصرف الأنظار عما أسماه "التهديد العراقي"، لكن وجودها (الاحتلال الأمريكي للعراق) شكل عامل عدم استقرار داخل العراق ذاته، وهدد استقرار معظم دول المنطقة في مرحلة لاحقة. كما أن غياب هذا "التهديد" من وجهتي النظر الإسرائيلية والأمريكية، عمل على تغيير ميزان القوى السائد لدى دول الخليج، وجعل عددا منها تشعر عن قرب بخطورة التهديد القادم من إيران هذه المرة!. ويسعى "شافير" إلى "تسويغ" التخوف العربي من "التهديد الإيراني"، لاسيما على صعيد التسلح، ويرى أنه يتكون من عدة مركبات أساسية:-

1- القوة العسكرية الآخذة في التزايد، لاسيما القوة البحرية في مياه الخليج، ما يجعل إيران تستطيع بأريحية كاملة التأثير سلبا على حرية الملاحة في عرض المياه الدولية، وما يرتبط به من تصدير للنفط من خلال مضيق هرمز.

2- الطموح النووي الإيراني، الذي انكشف للعالم عام 2002، وما يشكله من تهديد على جيرانها من الدول العربية، وعلى استقرار منطقة الشرق الأوسط برمتها.

3- التسلح الإيراني المتزايد خلال السنوات الأخيرة في مجال الصواريخ بعيدة المدى، مما يرفع من مستوى التهديد القادم من طرفها.

4- التدخل الواضح والملحوظ في مختلف صراعات المنطقة: العراق، لبنان، الساحة الإسرائيلية الفلسطينية، وتقديمها المساعدات والدعم لجهات "معادية"، ما يرفع من حدة عدم الاستقرار الإقليمي.

سوق بيع التسلح

 

"التقدير الإستراتيجي" الصادر عن معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب في يوليو 2009، يشير للدول التي تقوم بتزويد "سوق السلاح الشرق أوسطي" على النحو التالي:-

1- الولايات المتحدة: توفر النسبة الأكبر في سوق السلاح العالمي لدول المنطقة، وبين عامي 2004-2007، وقعت على عقود شراء أسلحة لدول المنطقة، باستثناء تركيا، بقيمة تصل إلى 20.655 مليار دولار.

المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل بملايين الدولارات بين 2000-2006

السنة

المنح العسكرية

إجمالي المساعدات

2000

3.120.000

4.129.10

2001

1.975.60

2.876.10

2002

2.040.00

2.848.00

2003

3.086.40

3.742.10

2004

2.174.03

2.687.03

2005

2.220.00

2.630.00

2006

2.280.00

2.560.00

المجموع

4.497.603

2.165.233

واشنطن بالمناسبة لا تبيع فقط سلاحا لدول المنطقة، بل تمنحها مساعدات مادية نقدية لتشتري بها أسلحة أيضا من سوق السلاح الأمريكي، وعلى رأس القائمة توجد إسرائيل، التي تلقت عام 2008 المنصرم 2.4 مليار دولار، وسيرتفع هذا المبلغ في السنوات العشر القادمة.

وبعد إسرائيل، تأتي مصر، والعراق، والأردن، ولبنان، وتونس، واليمن، وجزء منها يتلقى مساعدات نقدية بحتة، وجزء آخر يتلقى مساعدات عسكرية، وفي هذا الإطار أعلن رسميا عن صفقات لبيع الأسلحة الأمريكية لدول الخليج بـ"عشرين مليار دولار"، وتحديدا للسعودية، والإمارات، والبحرين، والكويت، وقطر، وعمان.

2- روسيا: أوائل عام 2000، بدا واضحا أن موسكو تعود لتحتل موقعا متقدما في سوق السلاح العالمي، خاصة لدول المنطقة، وجاءت البداية الأولى مع الجزائر؛ حيث وقعت عقدا لبيع أسلحة روسية بقيمة سبعة مليارات دولار، قبل ثلاث سنوات، واعتبرت اختراقا لطريق كان مغلقا علـــى الروس لـــعدة سنوات.

ووفقا للتقدير الإستراتيجي الإسرائيلي، قد شملت الصفقة دفاعات جوية، دبابات متطورة، طائرات حربية مقاتلة، كما توفر موسكو دفاعات جوية، وصواريخ أرضية ذات مديات قصيرة، وطائرات حربية.

3- الاتحاد الأوروبي: الذي تمتلك دوله تاريخا حافلا من العلاقات العسكرية مع دول المنطقة، وربما أن الصفقة الأوروبية الأكثر شيوعا تتعلق ببيع طائرات "التيفون" للسعودية، وقدرت بـ"سبعة مليارات دولار"، ساهمت فيها شركات بريطانية، وألمانية، وإيطالية، وإسبانية. ولعل الكل يذكر ما أثير حولها في بريطانيا من إشاعات حول حصول مسئولين بريطانيين على رشاوى من نظرائهم السعوديين، وفي مجال السلاح البحري اشترت الجزائر والمغرب بعض القطع البحرية من فرنسا، وكذلك فعلت مع الإمارات العربيــة، والكــويت.

زبائن شراء السلاح

"عنات كورتس وشلومو بروم"، من أكثر الباحثين الإسرائيليين تخصصا في الملف الشرق أوسطي، قدما استعراضا مشتركا نشر في الأول من نوفمبر 2009، حول أهم دول المنطقة الحريصة على اقتناء السلاح، على النحو التالي:-

1- السعودية: التي تشعر بتهديدات حقيقية، داخلية وخارجية، سواء من قبل إيران خارجيا، وتنظيم القاعدة داخليا، وتمتعت في السنوات الأخيرة بأرباح خيالية جراء ارتفاع أسعار النفط، ما جعلها تذهب باتجاه تنمية قدراتها العسكرية والتسليحية في عدة مجالات مختلفة، وبمستويات كبيرة، وهي تفضل أن تدخل في صفقات شراء أسلحة من مصادر مختلفة ومتعددة، ولذلك فإن الجيش السعودي مجهز ومسلح بأسلحة وأدوات قتالية مصدرها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا.

 

موازين القوى السائدة بين دول المنطقة وإسرائيل، وفقا للميزان العسكري الصادر عن جامعة أكسفورد

 

تركيا

إسرائيل

مصر

إيران

سوريا

العراق

إجمالي الإنتاج القومي (بالمليارات)

425

101.9

188

339.7

41.7

52.3

إجمالي الإنتاج القومي للفرد (بالدولار)

6.600

18.100

2.850

5.000

2.500

2.400

النفقات الدفاعية (بالمليارات)

8.4

11.3

2.8

5.8

2.7

1.3

طائرات مقاتلة

440

460

583

304

589

310

دبابات

4205

3800

3595

1345

4650

2200

 

2- إيران: التي تبدي رغبة جامحة لمزيد من التسلح والتعاظم العسكري، وتخرج تسريبات إعلامية بين الحين والآخر عن صفقات هائلة من شراء الأسلحة الروسية، وتحديدا قطع الدفاعات الجوية، و29 جهازا متطورا من الصواريخ قصيرة المدى، وأجهزة دفاعية جوية طويلة المدى.

3- العراق: يستحوذ على تفكير قادة الجيش العراقي اليوم "تحت الاحتلال الأمريكي" الحصول على الدبابات، وحاملات الجند، والقطع الجوية، ووافق الكونجرس أواخر عام 2008، على صفقات بعدة مليارات من الدولارات، تتضمن اقتناء دبابات حديثة، وحاملات الجند، وطائرات تدريبية، وطائرات حربية مقاتلة، وستكون بحيازته خلال السنوات الخمس المقبلة.

4- الإمارات العربية المتحدة: ويبدي جيشها اهتماما بتسليح نفسه بمستويات هائلة في السنوات الأخيرة، وما زالت تواصل تقوية بنيتها العسكرية والتسليحية.

5- مصر: وتتمتع بمساعدات دورية من واشنطن، تصل 1.3 مليار دولار سنويا، واتفق البلدان في أغسطس آب 2007 على بقائها واستمرارها حتى عام 2018، والمحافظة على إمداد القاهرة بأسلحتها دون أن تؤثر عليها الأزمة العالمية المالية.

وتتركز مطالب الجيش المصري على طائرات الأباتشي والدبابات، علما بأن الصناعات العسكرية المصرية أنتجت ما يقرب من 800 دبابة، بينما الصفقة الأخيرة التي وعد بها الجيش تشتمل على 125 دبابة.

6- إسرائيل: التي تتمتع بمساعدات سنوية من الولايات المتحدة تصل 2.4 مليار دولار، تتجه معظمها للاحتياجات العسكرية، ووفقا لاتفاق البلدين في أغسطس آب 2007، فستستمر هذه المساعدات بوتيرة متزايدة لتصل عام 2018 إلى 30 مليار دولار.

وفي أعقاب حرب لبنان الثانية في صيف 2006، استثمر الجيش الإسرائيلي أموالا طائلة في تجديد منظومات التسليح والذخيرة لقواته؛ حيث انتهى سلاح الجو من تخزين مائة طائرة من طراز F-16I، وخمسة من طراز "ثعبان" للأغراض الاستخبارية وجمع المعلومات، وجزء آخر لأغراض المراقبة، والتحكم الجوي، وكان للمعارك التي خاضها الجيش في لبنان وغزة دور في إدخال تحسينات تقنية وعملياتية على مكوناتها.

المبالغ التي أنفقتها إسرائيل لشراء أسلحة بين 2001-2005

السنة

المبلغ بالألف دولار

2001

770.045

2002

630.853

2003

862.407

2004

1.297.072

2005

2.762.805

المجموع

6.323.182

كما أعلنت إسرائيل عن نواياها بحيازة طائرات من طراز F35 خلال العقد القادم، ومطالبتها بحيازة طائرات متقدمة جدا، لاسيما من طراز C130J؛ حيث تقدمت بطلب رسمي لامتلاك تسع طائرات منها بقيمة 1.9 مليار دولار. وعلى الصعيد السلاح البحري، تمتلك تل أبيب غواصتين نوويتين من طراز "دولفين"، ألمانية الصنع، وهناك احتمال لامتلاك بوارج أمريكية حديثة بقيمة 1.9 مليار دولار.

7- سوريا: لم تعمد لشراء صفقات أسلحة من الخارج منذ سنوات طويلة، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لكنها توجهت لحيازة منظومات صواريخ أرض-أرض، وتطورها بمساعدة إيرانية مكثفة، بجانب جهود حيازة سلاح غير تقليدي، وتحديدا الكيماوي. وكان للنجاح الذي حققه حزب الله في حرب 2006، درس مهم فهمه السوريون جيدا، وبصورة مغايرة عن باقي الدول، لجأت سوريا -كما يقول التقدير الإستراتيجي الإسرائيلي- إلى فهم ردعي خاص بها يتمثل في فرض تهديد على سكان دول الخصم، عبر حيازتها لكميات هائلة من الصواريخ، بشكل يمكنها من جباية ثمن باهظ من إسرائيل، إذا ما فكرت بتوجيه ضربة برية ضدها.

8- الأردن: وتعتبر أحد أهم الدول التي تحظى بمساعدات أمنية وعسكرية أمريكية، مع التأكيد على أن حجمها يقل عما تحصل عليه إسرائيل ومصر، وجاءت أكبر الصفقات العسكرية التي أبرمها في السنوات الأخيرة لتركز على تنمية القوات الجوية، عبر حيازة طائرات F16، اشترتها تحديدا من هولندا وبلجيكا، إلى جانب تركيا.

9- الجزائر: أبرمت صفقة سلاح هائلة مع روسيا بسبعة مليارات دولار، وتعتبر بالنسبة لها "صفقة العمر"، وشرعت بتطوير سلاحها البحري بمساعدة فرنسا وألمانيا وبريطانيا، كما تحظى بمساعدات أمريكية عسكرية عام 2008 بقيمة 700 ألف دولار، كما اشترت أجهزة رؤية ليلية وطائرات تجسس.

حماس وحزب الله

بالرغم من الأرقام والإحصائيات الواردة في هذا التحليل، إلا أنه يبدو من الصعب تقدير طبيعة التغيرات التي طرأت على ميزان القوى العسكري في الشرق الأوسط، ومع ذلك، فإن إسرائيل وسوريا، تبدوان الدولتان الوحيدتان اللتان استفادتا جيدا من حرب لبنان الثانية:

- فإسرائيل مثلا تواصل حيازة طائرات حربية مقاتلة مطورة وحديثة، وطائرات تجسس وإنذار، وقدرات للأقمار الصناعية، بجانب اضطلاعها المباشر في شراء منظومات مضادة للصواريخ التي استخدمها حزب الله خلال الحرب.

- وسوريا من جهة أخرى، تعمل بصورة حثيثة على تنمية قواتها، وأعداد قذائفها، ومدياتها الطويلة والمتوسطة.

- أما حزب الله وحماس، اللاعبان غير النظاميين، فقد استفادا كثيرا من أسلوب القتال غير المتناظر، ويواصلان تقوية جناحهما العسكري، في ذات المجالات التي نجحا فيها خلال المواجهتين الأخيرتين، في لبنان وغزة.

يبدو لنا أخيرا، أنه في السنوات القريبة القادمة سيشهد الشرق الأوسط ميزان قوى جديد في ميدان التسلح وحيازته، والدول ذات المدخولات المالية العالية ستواصل شراءها وعقدها لصفقات الأسلحة، لاسيما في مجالي الإنذارات الجوية والاستخبارات، إلى جانب تنمية قدراتها القتالية في مجال محاربة المنظمات العصابية، ومنظومات الدفاع ضد القذائف والصواريخ وحماية السكان المدنيين، مع تنامي خطر حروب العصابات، لاسيما تلك القادمة من خلف حدود تلك الدول. وقبل ذلك وبعده، فإن القراءة الإسرائيلية الموضوعية لتعاظم التسلح في منطقة الشرق الأوسط تشير بما لا يدع مجالا للشك إلى أمرين هامين:-

1- يعتقد صناع القرار الإسرائيليين أن مالكي هذه الأسلحة في معظم العواصم المجاورة، لن يجرئوا على استخدامها ضد دولتهم، في ضوء المعادلة السياسية الإقليمية والدولية التي تفرض سيطرتها على هذه العواصم، لاسيما "السطوة الأمريكية" التي ترى أن الحفاظ على أمن تل أبيب جزء أساسي من حماية واشنطن.

2- لا تخفي إسرائيل تعاقدها الضمني والصريح مع الدول المصدرة للأسلحة على ضرورة عدم استخدامها ضدها من الأساس، ولا أظن أن تلك الدول غائبة عن هذا التعاقد.

3- الأهم مما تقدم أن إسرائيل وحلفاءها في عواصم صنع القرار الدولي تحرص كل الحرص على إيقاظ الفتن الداخلية العربية، وإشعال المزيد من الخلافات الثنائية، بحيث يبدو أن استخدام الأسلحة العربية ضد بعضها البعض أمر أكثر احتمالية من استخدامها ضد تل أبيب!.

انشر عبر