شريط الأخبار

الحل النهائي عند نتنياهو هو الوضع الحالي .. رضوان السيد

11:46 - 11 تشرين أول / نوفمبر 2009

بقلم: رضوان السيد

عندما التقت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون مع أبو مازن في أبو ظبي، ما كذبت عليه، بل صارحته بأنه "ليس في الإمكان أبدع مما كان". وقالت له: إن نتنياهو لن يتنازل أكثر، لكن استمرار الهدوء على الجبهات، والدخول في التفاوض، سوف يوقظ الآمال لدى الشعبين بالاستقرار والسلام. وستكون الضغوط من الأميركيين والأوروبيين والروس قوية، بحيث يضطر الإسرائيلي للقبول. ويبدو أن فكرة "الضمانات" ما طرحت من الجانبين.

فالسلطة الفلسطينية صارت مقيدة الأيدي والأرجل بضغوط الرأي العام الفلسطيني والعربي وليس بضغوط حماس. فأبو مازن ما عاد يستطيع الدخول في العملية إلا بشرطين: وقف الاستيطان، وايضاح مرجعية التفاوض.

وكان التنازل الذي قدمه الرجل من قبل فيما يتعلق بتأجيل البت بتقرير غولدستون، مرده الى وعد أميركي بأنه إن فعل ذلك، فسيسهل اقناع نتنياهو بالتفاوض بشروط مقبولة. بيد أن هياج الرأي العام العربي من جهة، وتشبث إسرائيل بمقولة "التفاوض وحتى بدون شروط" من جهة ثانية، دفعا السلطة والعرب الى طرح التقرير من جديد حيث حصلت الموافقة عليه، فأحيل الى الجمعية العمومية للأمم المتحدة.

بيد أن فصل التقرير فصل مضى وانقضى وما نحن فيه فصل آخر. إذ اعتقد نتنياهو أن اندفاع الأميركيين واضطرار الفلسطينيين، سيدفعهما للقبول بأي شيء.

وقد ثبت ذلك لدى الأميركيين، لكن السلطة الفلسطينية ما استطاعته للأسباب السالفة الذكر. وهكذا وبعد تسعة أشهر من الضغط على إسرائيل انصب الضغط على أبو مازن مرة واحدة لدفعه للقبول بالتفاوض مع استمرار الاستيطان. ودونما ايضاح لأهداف التفاوض وغاياته! وعندما لم تنفع همسات جورج ميتشل ومناشدات هيلاري كلينتون في جذب ابو مازن بعد الدرس الذي تلقاه، أعلن الأميركيون عن غضبهم وقالوا إن الفلسطينيين يضيعون الفرص عبثاً! بيد أن الوزيرة الأميركية التي ذهبت لمنتدى المستقبل بمراكش فوجئت بأمرين: هياج وزراء الخارجية العرب هناك، والأمر الثاني اجتماع الملك الأردني والرئيس المصري (اللذين لهما اتفاقية سلام مع إسرائيل)، وإعلانهما عن دعم أبو مازن في رفضه لعدوانية نتنياهو! وهكذا وبعد أن أكدت كلينتون بمراكش أن ما قدمه نتنياهو غير كاف، وأن الولايات المتحدة لا تزال تقول بلا شرعية الاستيطان، جاءت الى مصر لتسمع نغمة مختلفة بعض الشيء. فالمصريون يطلبون للفلسطينيين والعرب ضمانات في أمرين: التفاوض على سائر المسائل بما في ذلك القدس والمستوطنات، والثاني أن يكون هدف التفاوض إقامة الدولة الفلسطينية في حدود العام 1967.

وهكذا فإن المخرج من المأزق الذي تعرضه مصر (وربما الأردن) يتعلق ببدء التفاوض دون وقف الاستيطان لكنه يريد تأكيدات أميركية على معالجة كل مسائل الحل النهائي بما في ذلك المستوطنات والقدس الشرقية، وأن تقوم الدولة الفلسطينية خلال سنتين. وقد ذكرت كلينتون ذلك بالفعل أو تعهدت به علناً بعد مقابلتها الرئيس مبارك.

والواقع الظاهر للعيان أن الوضع ليس على ما يرام لكل الأطراف وبخاصة الطرفين العربي والأميركي مع الفارق طبعاً. فالفلسطينيون لن يستطيعوا البدء في التفاوض إلا بالشرطين، رغم انفتاح المصريين. وما تقوله كلينتون عبثي حتى لو كانت جادة فيه. والذي يقبل الموافقة على إقامة دولة فلسطينية بحدود 1967 بما في ذلك القدس وبدون المستوطنات بعد أشهر أو سنة، كيف لا يتمكن من إيقاف بناء المستوطنات لستة أشهر أو تسعة. ولست أدري على أي أساس استند أوباما في تفاؤله في كلماته الكثيرة وكأنما هو لا يعرف مدى انحياز المؤسسات الأميركية لإسرائيل بالباطل قبل الحق!

والوقت الآن ليس لشتم أوباما أو حتى الولايات المتحدة، وإنما التفكير بماذا نفعل في عهد حكومة نتنياهو التي لا تريد السلام ولا تستطيعه؟! صائب عريقات دعا للتفكير في حل الدولة الواحدة ذات الشعبين ما دام هدف إقامة الدولة المستقلة يوشك أن يسقط، وهذه فكرة جريئة لكنها أبعد من حل الدولتين. فالحكومة الإسرائيلية تتحدث ودونما اعتراض من أحد عن "يهودية دولة إسرائيل". ومن الواضح أن هذا لن يكون إذا صار الفلسطينيون فيها النصف أو أكثر. وهكذا فالإسرائيليون لا يريدون السلام والانسحاب، كما لا يقبلون أن يعيش العرب واليهود معاً في دولة واحدة يتساوى فيها الناس في الحقوق والواجبات، وهي ثنائية القومية! فالوضع المثالي الذي يقولون به إذن هو الوضع الحالي حيث هم دولة محتلة تستمر في بناء المستوطنات على الأراضي التي تحتلها بالقوة.

ويقوم جيشها في كل فترة بغارات على مناطق احتلاله وخارجها لمكافحة الإرهابيين والمتمردين على الاحتلال بالذات! والقرارات الدولية تتوالى وسوف تتوالى، لكن ليس لدى المجتمع الدولي العزيمة على فرض قراراته منذ القرار رقم 194 عام 1947!

ماذا نفعل إذن والآن؟ من نافلة القول الدعوة إلى التوحد الفلسطيني/ الفلسطيني. لكن حماساً لن توافق على أي حل مهما حاولت مصر. لأن الحل سيتضمن إجراء انتخابات تخشى حماس خسارتها. ولأن أفق السلام مسدود فتستطيع حماس الاعتصام بغزة كما فعلت حتى الآن، لأن كل الآخرين لا يملكون أفقاً آخر يعرضونه على الشعب الفلسطيني.

فالكرة الآن في ملعب السلطة الفلسطينية التي راهنت على السلام. وتستطيع حماس أن تقول إنها أدركت منذ البداية أنه لا أمل في التقدم باتجاه استعادة الأرض والاستقلال من طريق التفاوض، ولذلك فهي تتشبث بالسيطرة على غزة لحين بروز شيء جدي في الأفق. وإذا كنا نذكر ذلك عن حماس، فلننتبه إلى كرة النار المرمية باتجاه عباس إذ أجاب عباس عليها بالإعلان عن عدم ترشحه للرئاسة الفلسطينية مرة ثانية بعد شهرين. وهو يعتقد بذلك انه يُرعب الأميركيين والإسرائيليين، لاتجاه الأمور الي التطرف وتراجع معسكر الاعتدال. وقد يزعج ذلك الولايات المتحدة بالفعل لبعض الوقت، أما الإسرائيليون فسيسرهم الخبر، لأنهم يستطيعون القول بالفعل: ما عاد عندنا شريك للتفاوض معه! على أن ذلك كله قد لا يكون أكثر من ألاعيب تطرأ عليها عوامل التغيير والتبديل. لكن يبقى أنه لا ينبغي الاستخفاف بخطاب محمود عباس الذي وردت فيه مسألة الإعراض عن الترشح للرئاسة. فهذا الموقف ينبغي أن يساوقه موقف عربي بدأ بالفعل بدعوة لجنة المتابعة للاجتماع بالجامعة العربية، ثم ينبغي أن يعقب ذلك إدارة عربية فلسطينية للمسألة، تشارك فيها سائر الأطراف.

والذي أعتقده أن الأميركيين والأوروبيين محتاجون لمحمود عباس وللعرب أكثر بكثير من حاجة عباس والعرب لهم، فالآن الآن، تبدأ الاستراتيجية العربية للتفاوض على أساس المرجعيتين: حدود العام 1967، والمبادرة العربية للسلام.

انشر عبر