شريط الأخبار

نعم.. ملكي أكثر من الملك.. عقلة عرسان

02:37 - 16 تشرين أول / أكتوبر 2009

نعم.. ملكي أكثر من الملك.. عقلة عرسان

 

استوقفني كثيراً وأثارني إثارة بالغة أوصلتني حد العجب والغضب كلام الرئيس محمود عباس في جنين عن القوى الظلامية، والإمارة الظلامية، والفكر الظلامي..إلخ، في معرض حديثه عن حماس، بعد ضلوعه في مؤامرة تأجيل النظر في تقرير غولدستون المعروض على مجلس حقوق الإنسان في جنيف، وإعطاء الفرصة للعدو ليستكمل إنهاء مفعول التقرير من خلال الضغط والاتصالات، وليجعل من وقفوا إلى جانب الفلسطينيين وغزة يداخلهم اليأس ويندمون على حماستهم في دعم حق من لا يقف إلى جانب حقه. وبدا لي كلامه الذي جاء في معرض الحديث عن المصالحة الوطنية الفلسطينية، استفزازياً لخصومه ليستنفرهم ضد المصالحة، وبعيداً عن أجوائها والاقتراب منها، ونسفاً لكل الجسور التي يمكن أن تقام ليمر عليها الناس نحو تلك المصالحة المنشودة، واستمراراً للتواطؤ مع الصهاينة والأميركيين وبعض الرسميين العرب ضد المقاومة الفلسطينية عامة وحماس خاصة، وطمساً للتضحيات والمعاناة الكبيرة، ولحقوق كل من جُرح أو استشهد هناك في أثناء العدوان الهمجي الصهيوني وجرائمه البشعة على غزة، والحصار الإسرائيلي المستمر على هذه المدينة الباسلة.

إن المصطلحات التي استخدمها الرئيس عباس في هذا التوقيت بالذات مؤسفة وذات دلالات بعيدة ومفاعيل مستقبلية لا يمكن مجاوزتها ببساطة، وهي مصطلحات صهيونية غربية بامتياز، وقد كانت سائدة في ذروة تدمير العراق واحتلاله والهجوم على تيارات وطنية وقومية وإسلامية تتصدى للعدوان الوحشي والاحتلال ولمن يحاولون تدمير الشخصية العربية يضعفون التيارات الوطنية والقومية في الوطن العربي.. وما زالت تلك المصطلحات تُستخدم ضد الإسلام والمسلمين والعرب الذين يتصدون للاحتلال، والاختراقات الثقافية ويقاومون التطبيع مع العدو الصهيوني، ويقفون ضد الهيمنة الغربية والصهيونية على أوطانهم وقرارهم السياسي ومصالحهم، ويتمسكون بدينهم ومبادئهم وهويتهم، ولا يوافقون على التنازل عن حقوق أمتهم، لا سيما حق الشعب الفلسطيني في العودة إلى وطنه التاريخي وإقامة دولته المستقلة بسيادة تامة، ويتشبثون بأرضهم ومقدساتهم وهويتهم وثقافتهم ولغتهم وأحلامهم الوطنية والقومية، ويتصدون لمن يريد تدمير مقومات وجودهم وصمودهم، وخصوصيتهم الروحية والثقافية. 

إن حركة حماس "قوة ظلامية" بنظر الرئيس عباس لأنها ذات خيارات مختلفة عن خياراته التي تقع تحت سقف أوسلو المتدني الذي يواصل تدنيه، ولأنها تقاوم الاحتلال الإسرائيلي والصهيونية العنصرية، وترفض التنازل عن حقها في الدفاع عن نفسها والتعلق بوطنها وبحقوق الشعب الفلسطيني، وتتعرض بسبب ذلك للحصار والملاحقة والإبادة وتشويه المواقف، وحتى للاستعداء الغريب الذي أطلقه الرئيس الفلسطيني في يوم من الأيام حين قال إن غزة موقع من مواقع القاعدة وبن لادن في تحريض على استباحتها وإباحة الدم والأرض فيها، وكذلك في تحريض مكشوف آخر للعدو الصهيوني على شن الحرب العدوانية على غزة بشراكة غير مشرفة، يذكرها ويذكر بها قادة العدو ليجبروا الرئيس الفلسطيني على المضي إلى حيث يريدون، وطلبه يوم ذاك من " إسرائيل" الاستمرار في القتل والتدمير، وهي حرب العدو الصهيوني لإبادة حماس وغزة في إطار "استراتيجية الضاحية" التي تستهدف المدنيين والعسكريين والبنية التحتية وكل شيء إلى حد إلإبادة التامة الشاملة، على الرغم من الدمار والموت الذي حصد آلاف الأبرياء..

واستراتيجية الضاحية خطة عمليات للعدو الصهيوني كتبت عنها في هذا الموقع في 10/10/2008 [[ وقد أعلنها الجنرال غادي آيزنكوت، قائد "المنطقة الشمالية ـ شمال فلسطين المحتلة" في مقابلة مع صحيفة "يديعوت أحرونوت"، وهي خطة إبادة متطورة تستفيد من النهج الصهيوني المديد في هذا المجال، وقد جاءت ثمرة دراسة لواقع ونتائج عدوان " إسرائيل" على لبنان ومقاومته الباسلة في تموز/آب 2006، والمقصود الضاحية الجنوبية لبيروت والاستراتجية المشار إليها هي استراتيجية عمل عسكري جديدة موجهة لمن سوف يستهدفهم العدو الصهيوني. ويقدم آيزنكوت تلك الاستراتيجية بقوله: " في الصدام التالي مع حزب الله لن نكبّد أنفسنا عناء صيد عشرات آلاف وسائل إطلاق الصواريخ ولن نسفك دم جنودنا في محاولة السيطرة على "المحميات الطبيعية"، بل سندمر لبنان ولن نخشى احتجاجات "العالم". سنقوض الـ 160 قرية شيعية التي أصبحت القواعد العسكرية الشيعية ولن نوفر البنى التحتية للدولة التي يسيطر عليها حزب الله عملياً.. توصّلنا إلى الاستنتاج بأن الشعوب مسؤولة عن زعمائها. من ناحية عملية، الفلسطينيون في غزة كلهم خالد مشعل، اللبنانيون هم كلهم نصر الله، والإيرانيون كلهم أحمدي نجاد.".

   وأريد أن أركز على بض العبارات الواردة في هذا الإعلان الخطير لأسترعي الانتباه إلى المضمون النازي الصهيوني العنصري الذي تحمله ويستوجب المساءلة والحاكمة الدولية عليه، وإلى سعة مجال التهديد وشموله وما يستند إليه واستهتاره بالحياة والمؤسسات والقوانين الدولية، وكلها في غاية الوضوح لا سيما قوله " لن نخشى احتجاجات العالم"؟!، وقد قلت في حينه: ".. ولن أذهب إلى حد استنهاض الدول والهمم على الصعيد الوطني والقومي أو الإنساني للتأمل مع هذا النمط من التفكير والتدبير، من التهديد والوعيد، من الغطرسة والاستهتار بحياة الناس وقوانين العالم ومؤسساته، ليتم الرد عليه أو الاستعداد للتصدي له، فكل تفاصيل التاريخ القريب، عربياً ودولياً، حاضرة في الذاكرة ولا تشجع على شيء إيجابي، وهي تشير إلى المواقف السياسية والعسكرية للدول العربية على الخصوص حيال الأحداث الماضية، من مذبحة مخيم جنين، إلى احتلال العراق وتدميره، إلى عدوان الثلاثة والثلاثين يوماً على لبنان.. إلى السودان.. إلى الصومال.. إلى.. إلى.. وكلها تؤكد رخاوة الموقف العربي الرسمي وهزاله، وتآكل الإرادة والحميّة بصورة عامة، وتشير إلى تواطؤ بعض الدول العربية وشراكتها للمعتدي في عدوانه وصمتها على ممارساته الوحشية، وحثه من جانب بعض الحكام والحكومات العربية في حالات على المزيد من العدوان والهمجية والتوحّش لسحق المقاومة والممانعة في أرض العرب حيثما وجدت، ولأي سبب قامت، وعلى أي ركن أخلاقي أو حقوقي استندت، بل والذهاب إلى حد استعداد حكّام وأنظمة في أرض العرب للتحالف مع عدو الأمة التاريخي " الصهيونية وإسرائيل" ضد بلدان ومقاومة وتوجهات وخيارات عربية لها ما يسوغها ولكنها لا ترضي العدو ولا الوصي الأكبر على العالم الذي تحكم بالرقاب والقرار على نحو واضح. وتكاد خريطة التوجهات السياسية العربية والخيارات الاستراتيجية القطرية الضيقة تعلن عن نفسها بصراخ حاد، وتخطّ في الفضاء العربي خطوط المواقف المتوقّعة في أية مواجهات محتملة أو أحداث قادمة تستهدف مقاومة أو فئة أو بلداً يتمسك بمبدأ، ويدافع عن حق، ويتصدى لعدوان غادر أو عنصرية مقيتة واستعمار وقح وأعوان وخدم له يأكلون بأثدائهم ويبصقون في صحون أهلهم وذويهم وأوطانهم.]].

وإذا كانت حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى المستهدَفة من العدو وحلفائه وأعوانه وأدواته على هذا الشكل وفي هذا الموقع من الاستهداف المركب والأحكام القيمية والمعيارية المقلوبة، فمعنى هذا أننا نقف أمام مفارقات عجيبة غريبة ومواقف وثقافة مريبة يُراد لها أن تقلب المفاهيم والمواقف والمعايير، فيصبح المعوج والأعرج والمتواطئ من الآراء والأحكام والمواقف والحكّام.. هو الخيار الأفضل، والمنطق السائد، وسدرة المنتهى، والمعيار الأنموذج الذي تُعرض عليه الأفعال والأقوال والتنظيمات والمواقف!؟ ويصبح من يقاوم المحتل ويتصدى للاحتلال ويتمسك بوطنه وقيمه وحقوقه ويدافع عن نفسه وهويته وثقافاته "ظلامياً مداناً ومخرباً وإرهابياً ينبغي اجتثاثه؟!.. وتلك طامة كبرى.

نحن نفهم معنى ـ ولا نتفهم قطعاً ـ أن يقف"الرئيس الفلسطيني عباس" ضد المقاومة الفلسطينية ويلاحقها بإمرة الجنرال الأميركي دايتون.. لأنه مع التصفية التامة للحق الفلسطيني في فلسطين التاريخية، ولأن عليه أن يفي بالبند الأول من خريطة الطريق الذي ينص على أولوية أن تقو السلطة بالقضاء على " الإرهاب"، أي على المقاومة الفلسطينية، لكي يجلس معها العدو الصهيوني ويعترف بها رئاسة بلدية خدمات وقوة ملاحقة لمقاومة أنفاس الشعب الفلسطيني المقاوِمة، فيما يسمى شكلاً "دولة فلسطينية"، ونعرف أنه بموجب هذه الالتزامات وسواها جيء به على إثرها مسؤولاً ليخرس كل صوت يدعم المقاومة أو يرفض الاحتلال أو لا يعترف بالكيان الصهيوني ويطبع العلاقات معه.. نعرف إن ذلك التزامه وخياره والأساس الذي جيء به إلى السلطة لينفذه. ونفهم معنى أن يدافع عن أوسلو وسقوفها المتدنية وطنياً وإنسانياً، وأن يجبر سواه على الاعتراف بها والأخذ بما نتج عنها وبني عليها.. لأنه مهندسها أو أحد أهم مهندسيها. ونفهم أن يتهم كل القوى التي تقاوم المحتل وتتمسك بالتحرير، ويتصدى لها.. لأنه يدافع عن وجوده الذي ارتبط عضوياً بالمحتل وبمن فرضه على الرئيس عرفات رئيساً للوزراء ومن ثم على الشعب الفلسطيني رئيساً له. ونفهم هجومه على معارضيه واستعدائه الصريح للعدو الإسرائيلي وحليفه الأميركي والغربي عليهم، ولعرب من العرب على فعل ذلك.. لأنه جزء من المخطط والحملة على ثقافة المقاومة، فلسطينياً وعربياً وإسلامياً، وعلى حرية الشعب الفلسطيني وإرادته وقراره المستقل وانتمائه الصريح لأمتيه، وعلى العقل العربي المدرك لمبدأ أهمية المقاومة في التحرير واسترداد الحق ودعم المفاوض.. ونعلم أن هناك من أمثاله الكثير ينتشرون في مجالات سياسة وثقافة وإعلام، ممن يقومون بهذا الدور بشراسة مطلقة ويعملون في أوساط فلسطينية وعربية وإسلامية.. وهم رموز الواقعية الانهزامية وأعلامها ومن يؤسسون لها ويرتبطون بها، ومن ثم يتذرعون بذرائعها ويتخذون منها وسيلة لإحباطنا وتيئيسنا وقتل إرادتنا وإلزامنا بالخضوع للعدو وحليفه الأميركي، والتسليم بالهزيمة وبأن الاحتلال قدرٌ، وقوة العدو وحلفائه لا يهزمها أحد وهي تستمر كذلك إلى الأبد؟! ونعلم أن أولئك يعملون على وضع كل أوراق قضايانا ومستقبلنا بأيدي الصهاينة والغربيين، وبيد الولايات المتحدة الأميركية على الخصوص، الدولة التي تمارس إرهاب الإمبراطور، وتحمي إرهاب الصهاينة، وتحتل وتقتل وتدمر وتنحاز، وتحمي الصهاينة واستيطانهم وممارساتهم وتدميرهم وسجونهم ومعتقلاتهم وسلاحهم النووي.. إلخ من دون ردع أو حساب ولا حتى غمغمة اعتراض من أحد.. نفهم كل ذلك، بمعنى أننا ندرك خلفياته ومعطياته وأهدافه، وليس بمعنى أننا نتفهَّمه أو نوافق عليه أو نقبله أو نسوغه بأي شكل من الأشكال، أو نتركه يمر من دون مقاومة..

ولكننا لا نفهم أبداً لماذا يجب أن يستمر على رأس الشعب الفلسطيني وقضيته ـ وفي مواقع عربية أخرى ـ أشخاص ضده قلباً وقالباً، لا يستثيرهم الدم الفلسطيني المراق، ولا يهزهم صوت العدالة، وينسقون مع الاحتلال الصهيوني ويستطيبون ممارساته البشعة ويشاركونه عدوانه، ويدعمون جهوده الرامية إلى طمس جرائمه والتخلص من تبعاتها ومن أي عقاب، ويشجعونه على الولوغ في دم الفلسطينيين المعارضين لهم، ويرون ذلك انتصاراً لهم على من يعارضهم ويخالفهم الرأي والرؤية من أبناء شعبهم تجاه قضية عادلة وشعب مقهور طالت معاناته وكبرت تضحياته، هي قضية فلسطين وقضية شعبها البطل.. ولا نفهم بنفس القدر والدرجة معنى أن يبقى مسؤولاً عن قضية فلسطين وقضية شعبها البطل ومناضليه.. من لا يتحركون جدياً لوضع حد لمعاناة من هم في المعتقلات والسجون من أبناء شعبهم.. ومن لا يسمحون بالتحرك جدياً لمعاقبة المجرمين والقتلة الصهاينة ومن ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في العدوان الإجرامي على غزة؟ ومن ثم يتواطؤون ضد قرارات وتقارير دولية حاولت أن تنصف الضحايا الفلسطينيين، وتدين القتلة الصهاينة ولو بالكلام؟!

إن هذه الوقائع تصيب الإنسان بالذهول، وتجعله في دوامة عنيفة تأخذه رياحها في كل اتجاه، وتثقل ضميره بما لا يسمح له بالراحة أو الهدوء.. وحين يصرخ المرء أو يحتج أو يغضب يقول له قائل من لحمه ودمه: " وهل أنت ملكي أكثر من الملك؟"! يا للعجب!!.. نعم.. نعم .. نعم.. في أنا ملكي أكثر من الملك فتلك قضيتي ولست وريثاً لتقسيمات الاستعمار منذ سايكس ـ بيكو وحتى أبد الآبدين، لست خارج البيت الفلسطيني لأن عربي، ولست خارج البيت العربي بوصفي فلسطينياً.. فذاك بيت واحد لمن يعرف خطط الاستعمار وأعوانه ويدرك معنى الانتماء ودروس التاريخ وعدالة قضية فلسطين.. إنها قضيتي العادلة، قضية وطنية وقومية وإنسانية، قضية فلسطين. نعم أنا ملكي أكثر من الملك، وفلسطيني أكثر من بعض الفلسطينيين، ومتعلق بالحق والعدالة والحرية مثل أحرار كثيرين في العالم تعنيهم قضية هذا الشعب العظيم المعتدى عليه الذي يقوم من رماده بعد كل حريق، ويتعلق بالحرية، ويتعرض لأنواع من الإبادة تحت سمع العالم وبصره ولا ييأس، ويشوه نضاله بمنهجية ولا يضعف، ويقاوِم إرهاب الدولة الصهيوني بكل الوسائل، ويتصدى لأبشع أنواع العنصرية في العالم وأشدها وقاحة بشجاعة وصبر، ويجثم فوق صدره احتلال صهيوني، يفوق النازية في ممارساته، منذ نيف وستين سنة ولا يستسلم.. ويلطمه أهله بصمتهم وهزال مواقفهم وضياعهم وضعفهم، وتواطؤ بعضهم.. ولا ييأس منهم.. ويعيش على أمل ألا يتخلوا عنه، وأن تنتصر له الإنسانية التي أخذت تدرك كم هي الصهيونية عبء على العدل والحق والأمن والسلام، وعلى الحياة النظيفة والكريمة ذاتها.

دمشق في 16/10/2009

                                                               

 

انشر عبر