شريط الأخبار

من تراجع جنيف إلى مصالحة القاهرة ..د. بشير موسى نافع

10:36 - 15 تموز / أكتوبر 2009

من تراجع جنيف إلى مصالحة القاهرة ..د. بشير موسى نافع

ما كان من الممكن أن تمر كارثة تراجع السلطة الفلسطينية عن الدفع بتقرير القاضي غولدستون حول الحرب الإسرائيلية على غزة للتصويت في اللجنة الدولية لحقوق الإنسان بجنيف بدون عواقب. أولى هذه العواقب كانت بلاشك مسألة المصالحة الوطنية الفلسطينية بالقاهرة، التي حدد لها المسؤولون المصريون الأسبوع الأخير من هذا الشهر موعداً للاتفاق والتوقيع. كانت القاهرة قد تعهدت مفاوضات المصالحة الوطنية الفلسطينية منذ ما بعد سيطرة حماس على قطاع غزة في صيف 2007، وقد نجحت أخيراً، وبعد تعثر طويل ونكسات متتالية، في تمرير مسودة اتفاق، بدا وكأن الرئيس عباس وقيادة حركة حماس قد قبلوا بها مبدئياً.

وقد أسس هذا القبول المبدئي لموعد نهاية تشرين أول/اكتوبر، ضمن رؤية لعقد لقاء فلسطيني موسع، يضم الفصائل الفلسطينية كافة، للتوقيع على اتفاق يضع حداً للانقسام بين الضفة وقطاع غزة، ويطلق مرحلة جديدة من العمل الوطني الفلسطيني. الآن، أصبح من الضروري إعادة النظر في مشروع المصالحة. لماذا؟

الطلب الذي تقدمت به قيادة حماس للقاهرة لتأجيل موعد لقاء اتفاق المصالحة بات معلناً ومعروفاً؛ وهو طلب متوقع على أية حال. والاستجابة المصرية لهذا الطلب كانت متوقعة كذلك. خضوع قيادة السلطة للضغوط الأمريكية والإسرائيلية فيما يتعلق بتقرير غولدستون كان أمراً جللاً؛ ولم ينظر إلى سحب التصويت على التقرير في جنيف باعتباره خطيئة كبرى ومساً بالمصالح الوطنية الفلسطينية من قبل حركة حماس وحسب، بل ومن كافة القوى والتيارات والطيف الأوسع من الشخصيات الفلسطينية. وحتى في قيادة حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية لم يجد التراجع الفلسطيني من يدافع عنه. الرئيس عباس، شخصياً، الذي يعرف عنه احتقاره للتوجهات الشعبية، واعتداده بتصوراته للأمور، كان يعتقد على الأرجح أن قرار سحب التصويت على التقرير سيمر بلا ردود فعل تذكر، وأنه قادر على كل حال على استيعاب آثار القرار فلسطينياً إن كان ثمة من آثار. ولكن ما إن أدرك حجم الغضب الفلسطيني، وقدر انكشاف سلطته أمام هذا الغضب، حتى اختفى كلية عن الأنظار، تاركاً لحفنة قليلة من أعوانه محاولة تبرير ما حدث، والالتفاف على العاصفة. وعندما قدم تصوره للأمور، جاء خطابه في أسوا صيغة ممكنة. في مثل هذه الأجواء لم يعد من الممكن، ولا من الصحيح، ولا من العدل، توقع اجتماع القوى والتيارات الفلسطينية للمصالحة مع عباس والالتفاف حوله. هذا أمر كان لابد للقاهرة من قراءته أصلاً. ولكن الشكوك حول مصير المصالحة هي بالتأكيد أكبر حتى من السيكولوجيا السياسية المسممة التي باتت تفصل الرئيس عباس عن مجمل الحركة الوطنية الفلسطينية.

خلال الشهور القليلة التالية لانفجار الأوضاع في قطاع غزة، كان الرئيس عباس هو الذي رفض التحرك سريعاً للتعامل مع حالة الانقسام، والعمل على إيجاد صيغة جديدة للتوافق الوطني، متهماً حماس في قطاع غزة بالانقلاب على الشرعية. ما دفع الرئيس حينها لاتخاذ هذا الموقف المتعنت وغير الحكيم جملة أسباب. من جهة، أوحت إدارة بوش للرئيس أنها بصدد التحرك لإطلاق التفاوض الفلسطيني ـ الإسرائيلي وإيجاد تسوية نهائية للصراع؛ وهو ما عزز لدى رام الله الشعور بالثقة وإمكان تحقيق اختراق تاريخي في عملية السلام، يهمش حماس وكل القوى السياسية الإسلامية والوطنية المعارضة لنهج التسوية. ومن جهة، كان الرئيس ومن حوله يعتقدون أن أهالي قطاع غزة سرعان ما سينتفضون على حكومة حماس، سواء لقسوة الحصار الذي بدأ العالم والعرب في فرضه على القطاع، أو بفعل الرغبة في الانضواء تحت سلطة رام الله.

ومن جهة ثالثة، رأى معسكر الرئيس أن الانقسام وفر له فرصة نادرة لفرض سيطرة أمنية شاملة في الضفة، وتصفية كل قواعد المعارضة للسلطة والاحتلال، إسلامية كانت أو وطنية، بما في ذلك داخل حركة فتح نفسها. الرئيس، باختصار، هو الذي رفض نهج التوصل إلى مصالحة مبكرة؛ الأمر الذي كان سيمنع تفاقم الانقسام وتحول الطارىء إلى أمر واقع ومعتاد.

بيد أن الأوضاع سرعان ما تغيرت، ووجد الرئيس الفلسطيني نفسه مجبراً على الموافقة على المساعي المصرية لتحقيق مصالحة وتوافق فلسطيني جديد. وجدت رام الله أنها تغرق في مفاوضات لم يبد لها من نهاية مع حكومة أولمرت وليفني، بينما تخلت إدارة بوش عن وعودها، وأخذت موقفاً غير مكترث من عملية التفاوض. لم يصل مسار أنابوليس إلى نتيجة ملموسة، وأخذت الخارطة السياسية الإسرائيلية في التغير. وإذ أظهر أهالي قطاع غزة صموداً نادراً في مواجهة الحصار، برزت مؤشرات مخيفة لقيادة رام الله على أن دوائر غربية متعددة باتت أكثر استعداداً لفتح قنوات اتصال مع حركة حماس. وما أن انتقلت القيادة الإسرائيلية إلى الليكود، والأمريكية إلى إدارة أوباما، حتى أدرك عباس أن عليه إعادة ترتيب أوراقه على أساس عقد مصالحة توفر له تفويضاً وطنياً، وعلى أساس إحكام قبضته على حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، في الآن نفسه. والحقيقة، أن إحكام القبضة على فتح والمنظمة قصد به ليس توفير مظلة كافية لمسار التفاوض الجديد الذي تسعى إدارة أوباما لإطلاقه وحسب، بل أيضاً تعزيز موقع سلطة رام الله، والرئيس الفلسطيني نفسه، في مواجهة حماس والقوى الفلسطينية المعارضة الأخرى كذلك. من وجهة نظر الرئيس، الحصول على التفويض الوطني بات ضرورة الضرورات، وكل شيء آخر يمكن التفاوض حوله، بل والتوقيع عليه، بغض النظر عن وجود أو عدم وجود النوايا الجادة للتنفيذ.

تعاملت مسودة الاتفاق التي وضعها الوسطاء المصريون، ووزعت على القوى والتنظيمات الفلسطينية، مع مسألة المصالحة والتوافق باعتبارها قضية إجرائية تستند إلى عدد من المبادىء، بينها تشكيل هيئة مؤقتة لإدارة الحكم والإعمار في قطاع غزة، إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية وتلك الخاصة بتشكيل مجلس وطني جديد لمنظمة التحرير، وإعادة بناء الأجهزة الأمنية. ولكن هذه المبادىء لا تتعلق بطبيعة الأهداف الوطنية الفلسطينية في هذه المرحلة، ولا بالكيفية التي سيتخذ بها القرار الوطني الفلسطيني. وليس ثمة شك أن تراجع جنيف قد كشف في شكل واضح أن هذه هي مشكلة المشاكل الفلسطينية، هذا هو مركز الانقسام الفلسطيني. وتدل سوابق العمل والعلاقات الفلسطينية أن الاتفاقات الإجرائية لا تمثل حلاً للاختلافات الفلسطينية الفلسطينية. وفي ضوء الانحياز المصري (والعربي، عموماً) لمعسكر الرئيس الفلسطيني، فالمتوقع أن ينتهي اتفاق المصالحة إلى مطالبة حماس والفصائل المعارضة إلى تنفيذ التزاماتها في الاتفاق، بينما ستجد سلطة رام الله من المبررات ما يكفل تهربها من التزاماتها. فمن الصعب، مثلاً، تصور إجراء إصلاحات أمنية ومؤسساتية متزامنة في الضفة والقطاع، أو الإفراج عن كل معتقلي السلطة من عناصر وكوادر حماس والجهاد؛ وليس هناك ما يكفل إجراء انتخابات حرة؛ ويكاد يكون من المستحيل تصور تخلي الرئيس عباس ومن حوله عن التحكم في قرار منظمة التحرير الفلسطينية، لا كلياً ولا جزئياً. مشروع المصالحة الفلسطينية اليوم هو مشروع لتكريس مشروعية نهج القيادة الحالية للمنظمة والسلطة.

إن كان هناك من منطق في هذه القراءة للوضع الفلسطيني ومشروع المصالحة الوطنية، فإن هناك حاجة ضرورية وسريعة لإعادة تفكير كلية وشاملة لكل من الساحة الفلسطينية والاتجاه العام الذي تسير إليه القضية الوطنية. في ضوء المعطيات الحالية، وبعد تجربة السنوات الماضية منذ إقامة سلطة الحكم الذاتي، أصبح واضحاً أن السلطة لم تتقدم شيئاً بالقضية الفلسطينية، وأن تكلفة الحفاظ عليها أضحت باهظة. باستثناء قطاع غزة، الذي أصبح فعلياً وإن لم يكن قانونياً منطقة محررة، فقد انتهت السلطة إلى لعب دور الساتر 'الوطني' للاحتلال. في ظل السلطة الفلسطينية، اتسع نطاق الاستيطان الإسرائيلي إلى درجة بات فيها من العبث التفكير بإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية؛ في ظل السلطة الفلسطينية، بات الفلسطينيون أنفسهم يلعبون دور الجلاد لإخوانهم ومواطنيهم باسم القرار الوطني والمصلحة الوطنية؛ في ظل السلطة الفلسطينية لم يحدث انقسام بشع وعميق في الجسم الوطني وحسب، بل وتحول جيل بأكمله من المناضلين الفلسطينيين إلى حكام مفسدين وضباط أمن ومرتكبين لكل أصناف جرائم التعذيب والقتل تحت التعذيب؛ وفي ظل السلطة الفلسطينية، بات ينبغي على الفلسطينيين أنفسهم لعب دور شاهد الزور لتبرئة العدو من دمائهم. السلطة الفلسطينية اليوم هي ضرر كبير على الفلسطينيين، الجدار الفاصل بين احتلال مستمر، مهيمن وتوسعي، وبين حق الشعب في النضال ضد الاحتلال. الفلسطينيون لا يريدون مثل هذه السلطة؛ وعلى السلطة أن تذهب.

بيد أنه مهما كان مصير السلطة في المدى القريب، ففي ضوء المعطيات الحالية، وبعد تجربة السنوات الماضية منذ استشهاد الرئيس عرفات، لابد من الإقرار بأن قيادة السيد محمود عباس للشأن الوطني الفلسطيني كانت سلسلة من الكوارث، سواء على مستوى السياسات التي يتبعها، على مستوى إدارته لشؤون حركة فتح ومنظمة التحرير، أو على مستوى علاقته بالقوى الفلسطينية الأخرى وبالشعب الذي يفترض أن يقوده.

مهما كان الخيار الفلسطيني فيما يتعلق بالاستراتيجيات الكبرى لإدارة الصراع في المرحلة القادمة، فعلى عباس أن يذهب؛ والرئيس، كما هو معروف، انتهت ولايته الدستورية منذ زهاء العام. بغض النظر عن جدل من هو البديل وكيف، فقد أصبح كل من سلطة الحكم الذاتي والرئيس عباس عبئاً على كاهل الوضع الوطني، عبئا ثقيل الوطأة.

 

' كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

 

 

انشر عبر