شريط الأخبار

هل بدأ التفكك يدب في أوصال حركة فتح؟ ..بلال الحسن

01:48 - 06 تشرين أول / سبتمبر 2009

هل بدأ التفكك يدب في أوصال حركة فتح؟

بلال الحسن

ـ الشرق الأوسط 6/9/2009

سمعنا جميعا بأن حركة فتح عقدت مؤتمرا لها في الضفة الغربية. وسمعنا جميعا أن حركة فتح انتخبت لجنة مركزية لها (قيادة عليا)، جل عناصرها من الضفة الغربية أو المقيمين فيها. وسمعنا جميعا أن حركة فتح انتخبت مجلسا ثوريا جل أعضائه من الضفة الغربية أو المقيمين فيها. ولكننا لم نسمع أن حركة فتح في الضفة الغربية قد أصدرت بيانا سياسيا عن أهدافها المستقبلية. ربما تكون حركة فتح قد أصدرت بيانا سياسيا، ولكننا لم نسمع به. وإذا كان البيان قد صدر فعلا، فيبدو أن حركة فتح لم تكن معنية بالترويج لبيانها السياسي، فالترويج يعني أن القيادة الجديدة تتبنى هذا البرنامج، وتعتمده، وستسعى إلى تنفيذه. ولكن الكل يعلم أن هناك نهجا جديدا في العمل السياسي بدأ يسيطر في الضفة لغربية، وخلاصته: قل ما يرضي الناس وفاوض واقبل ما هو ممكن. وما هو ممكن في مفاوضات الضفة الغربية، هو قبول ما تعرضه أميركا وما تحبذه إسرائيل.

وسمعنا جميعا أيضا بأن المجلس الوطني الفلسطيني قد عقد جلسة طارئة بمن حضر من أعضائه المقيمين في الضفة الغربية، وانتخب ستة (الحقيقة 7) أعضاء جددا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بدل الأعضاء الستة المتوفين، وأصبحنا بذلك أمام لجنة تنفيذية جديدة مكتملة النصاب عددا وفصائل ومؤيدين ومطيعين. ولكننا لم نسمع بعد ماذا ستكون سياسة هذه اللجنة التنفيذية الجديدة؟ فلا أحد صرح، ولا أحد تكلم، ولا أحد أشاد، ولا أحد انتقد أو ذم. وهذا يفيد بأن جوا من الوئام والتفاهم والتعاون المطلق يسود الآن بين الجميع في الضفة الغربية. وكل هذا يبشر بالخير، وهو يقول لنا إن الصمت أصبح هو القاعدة في العمل السياسي في الضفة الغربية.

ولكن جنبا إلى جنب مع هذه الإنجازات الصامتة، نلاحظ سلسلة من المواقف والتصريحات، تأتي هذه المرة من داخل أوساط أهل البيت. فحكم بلعاوي عضو اللجنة المركزية السابق، والذي خسر العضوية في مؤتمر فتح الأخير، والذي عرف واشتهر بانتقاداته الجريئة ضد فاروق القدومي (أبو اللطف) ومواقفه، بدل ثوبه وأخذ يهاجم الرئيس محمود عباس علنا، موجها له تهما شبيهة جدا بالتهم التي وجهها القدومي إلى عباس في مؤتمره الصحافي الشهير قبل بدء مؤتمر حركة فتح، وكشف فيها عن وثيقة كانت مخبأة لديه منذ خمس سنوات. أما حكم بلعاوي فقد كشف عن اتهام مخبأ لديه منذ عشرين عاما، فهو يعرف، ولديه الوثائق كما يقول، بأن الرئيس عباس كان متواطئا في مقتل خليل الوزير (أبو جهاد) في تونس. وأهمية هذا الموقف في رأينا المتواضع، ليست في أدلته المعتقة مثل الخمر في الجرار، بل في إشارته الدامغة إلى حالة التفكك التي بدأت تعتري جسم حركة فتح في الضفة الغربية، وهي حالة تفكك تأتي من قبل شخص قيادي كان حتى أيام قليلة مقاتلا شرسا في الجانب الآخر، وهو يتحول الآن إلى مقاتل غير شرس في الجانب المضاد.

وإذا كانت قصة حكم بلعاوي تشير إلى تفكك وتنابذ في الصف القيادي الأول، فثمة قصة أكثر ذكاء تأتي من الصف القيادي الثاني، ويمثلها نبيل عمرو، السفير في القاهرة، والمترشح الذي لم يحالفه الحظ في الوصول إلى اللجنة المركزية لحركة فتح. لقد حولت الخسارة نبيل عمرو من كادر أساسي داعم للرئيس محمود عباس، إلى ناقد سياسي حاد له. فهو يعلن استقالته من كل المناصب المسندة إليه (سفير في القاهرة ــ مسؤول إعداد قناة تلفزيونية)، ويفسر ويبرر ويعلل استقالته هذه قائلا بأن سببها الرئيسي هو اعتراضه على سياسات الرئيس محمود عباس، تجاه غزة، وتجاه حركة حماس. وهو يعتبر أن هذه السياسة فاشلة، وأنها أضعفت حجة السلطة ضد «انقلاب» حماس.. إلخ. ويشير تمرد نبيل عمرو هنا إلى تأكيد حالة التفكك داخل السلطة، إضافة إلى التفكك داخل حركة فتح.

هذا التفكك الذي نشير إليه، ليس مجرد انتقام أو اتهام من عندياتنا. فهناك شاهد آخر عليه، يعلو رأيه فوق رأينا، بحكم أهمية وحساسية منصبه. إنه حسن خريشه، النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي. فهو يحذر في تصريح علني له، من أنه إذا لم تجر الانتخابات التشريعية والرئاسية في 25 يناير (كانون الثاني) المقبل، فإن هذا يعني فقدان الشرعية لكل مكونات النظام السياسي. وبهذا تصبح المسألة أبعد وأخطر من التفكك الذي نشير إليه، فتصل إلى التحذير من فقدان الشرعية الكامل، والتي تحتاج حسب قوله إلى «توافق وطني عام».

وبما أن التوافق الوطني العام غير موجود، فإن الخوف من نتائج ذلك بدأ يعتري قيادات الصف الأول، نعني بذلك الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورئيس المجلس الوطني الفلسطيني سليم الزعنون (أبو الأديب). فقد أطلق أبو الأديب، وبعد فتواه القانونية بجواز عقد اجتماع طارئ يضم اللجنة التنفيذية ورئاسة المجلس الوطني (حسب البند ج من المادة 14 في النظام الداخلي، ولا ندري لماذا قفز فوق البند «أ» وفوق البند «ب» اللذين يدعوان لعقد المجلس الوطني) لاستكمال عضوية اللجنة التنفيذية، أطلق مبادرة جديدة من النوع نفسه لحل مشكلة قطاع غزة، ولحل مشكلة العلاقة مع حركة حماس، ونال على ذلك مباركة الرئيس عباس الذي قال له «لا حرج عليك أن تقابل من تريد».

مبادرة الزعنون تقوم على ما يلي:

1 ــ انضمام حماس والجهاد الإسلامي إلى منظمة التحرير الفلسطينية.

2 ــ تخصيص 49 مقعدا لحماس في المجلس الوطني الفلسطيني، يشبه العدد المخصص لحركة فتح حسب قوله.

ويقوم سليم الزعنون بزيارة دمشق ليناقش مبادرته مع خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، ثم يقوم بزيارة أخرى إلى غزة ليناقش المبادرة مع إسماعيل هنية.

وقد يسارع البعض إلى وصف مبادرة الزعنون بالطيبة، أو بالإيجابية، ولكن هذا لا يعفي من وصفها أيضا بالمبادرة الساذجة. فهي تتجاهل أمورا أساسية منها:

1 ــ اتفاق القاهرة الموقع عام 2005 بين فتح وحماس بحضور الفصائل الأخرى، وبحضور الرئيس أبو مازن، من أجل إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، كمدخل لإسهام حركة حماس في عضويتها.

2 ــ وتتجاهل مواضيع الحوار الجاري في فتح وحماس في القاهرة، والذي يتناول عدة موضوعات أساسية (قانون الانتخابات، حجم قوات الأمن، حكومة توافق وطني). ومبادرة الزعنون تريد القفز فوق حوار القاهرة، وأن تختصره بقبول حماس الدخول في منظمة التحرير الفلسطينية.

3 ــ يطرح الزعنون على الآخرين، وبسذاجة لا مبرر لها، أن فتح لديها في المجلس الوطني الفلسطيني 49 عضوا، ويتجاهل أن 90% من المستقلين الذين تتم تسميتهم هم أعضاء في حركة فتح أو أصدقاء لها. ويتجاهل أن 90% من ممثلي النقابات والاتحادات الفلسطينية هم من حركة فتح، وقد مضى على عضويتهم في النقابات والاتحادات ما يقارب الأربعين عاما دون تغيير أو تبديل، لا بالانتخابات ولا بالتعيين.

فهل يمكن القفز من فوق هذه القضايا الثلاث، والتي هي جوهر ما يسمى (إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية)، والذهاب فقط نحو مسألة تمثيل حركة حماس في المجلس الوطني؟

إن السذاجة في العمل السياسي تكون أحيانا ذنبا لا يغتفر.

ملاحظة خارج النص: عندما توفي الرئيس ياسر عرفات، جرى انتخاب الرئيس محمود عباس رئيسا لحركة فتح خلفا له.

وعندما اجتمع المجلس الوطني الفلسطيني في جلسته الطارئة، كان يفترض به أن ينتخب خمسة أعضاء آخرين، ويكتمل بذلك انتخاب ستة أعضاء بدل الأعضاء الستة المتوفين.. ولكن ما جرى هو انتخاب ستة وليس خمسة. أي أن مجموع المنتخبين أصبح سبعة وليس ستة.

من سيصلح هذا الخطأ؟ أم أن ارتكاب الأخطاء أصبح هو القاعدة؟


انشر عبر