شريط الأخبار

خياران يتصارعان: دولة الضفة الغربية أم وحدة القضية الفلسطينية؟ .. بلال الحسن

04:15 - 30 آب / أغسطس 2009

بقلم: بلال الحسن

أعطت التطورات الفلسطينية الأخيرة، دفعة قوية لمكانة الرئيس محمود عباس، إذ برز بصورة تفيد أنه يهيمن بفعالية على المؤسسة التنظيمية داخل حركة فتح، وعلى المؤسسة الأشمل في منظمة التحرير الفلسطينية، حتى أن البعض بدأ يشير إلى انتهاء مرحلة الرئيس الراحل ياسر عرفات، وبدء مرحلة الهيمنة للرئيس محمود عباس.

ولكن هذه الصورة هي جزء من الوضع فقط، إذ ثمة صورة أخرى موازية، تتحدث عن حالة غضب شعبية ضد كل الإجراءات التي تمت مؤخرا في الضفة الغربية. بدءا من مؤتمر حركة فتح وانتخابات (اللجنة المركزية والمجلس الثوري)، وانتهاء بالاجتماع الطارئ بمن حضر لأعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، الذي شهد انتخاب ستة أعضاء جدد في اللجنة التنفيذية للمنظمة بدل الأعضاء الستة المتوفين. إذ بقدر ما أعطت هذه الإجراءات علامة سيطرة شبه مطلقة للرئيس عباس على المؤسسات الفلسطينية القيادية، بلورت هذه الإجراءات نفسها خطة عمل فلسطينية عنوانها (الضفة الغربية)، هي التي تتركز حولها حالة الغضب الشعبية الفلسطينية.

جوهر هذا الغضب الشعبي الفلسطيني يدور حول القضايا الثلاث التالية:

القضية الأولى تتعلق بمشروع التسوية الأميركية المنتظر أن يعلن عنه الرئيس باراك أوباما خلال شهر أيلول/سبتمبر المقبل. فهو مشروع سيكون، واقعيا وعمليا، مشروعا لتسوية وضع الضفة الغربية، ويغيب عنه جوهر الموضوع الذي حمل دائما اسم تسوية القضية الفلسطينية. فالوضع القائم يفرز استثناء لأي بحث في مستقبل حقوق الفلسطينيين المقيمين داخل دولة إسرائيل (مليون ونصف المليون نسمة)، بسبب اتفاق أوسلو الذي يجعل منهم جزءا من السيادة الإسرائيلية. كما يفرز الوضع القائم استثناء لحق العودة للاجئين الفلسطينيين، ويستبدل هذا الحق بالإعلان عن أن البحث سيتركز حول التوطين والتعويض، وهو أمر يتناول مصير ستة ملايين لاجئ فلسطيني. ويفرز هذا الوضع أيضا حالة تجاهل لوضع قطاع غزة، وفلسطينيي قطاع غزة (مليون ونصف المليون فلسطيني). إذ تسير الأمور، أو هي سارت بالفعل، باتجاه عزل القطاع، وباتجاه تجاهله، وباتجاه التصرف وكأن القطاع غير ذي صلة بالمسائل التي يجري البحث فيها. ويبرز ذلك من خلال مفاوضات الحوار الفلسطيني الذي تديره القاهرة، والذي فشل في ست جولات متلاحقة، لأنه حوار محكوم بشروط اللجنة الدولية الرباعية التي إما أن تقبلها حركة حماس وإما أن تفشل المفاوضات. وقد وصل الأمر أخيرا إلى حد الإعلان عن أن مسائل الحوار المختلفة ستوضع كلها جانبا، ليتركز البحث فقط حول إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في مطلع العام المقبل، فإذا واصلت حركة حماس رفض الرضوخ لمطالب الأجندة الخارجية، سترفض أيضا الموافقة على إجراء الانتخابات في القطاع من دون اتفاق سياسي شامل، وتجري الانتخابات آنئذ في الضفة الغربية وحدها.

القضية الثانية في هذا السياق تتعلق بالإجراءات الداخلية والتنظيمية التي أقدم عليها الرئيس عباس، والتي يقال إنها أعطته قوة خاصة لم تكن له من قبل، وأبرزها مؤتمر حركة فتح. إذ يقول الغاضبون إن هذا المؤتمر حول حركة فتح من حركة تحرر وطني تعمل في إطار القضية الفلسطينية كلها، إلى حزب للسلطة يعمل في إطار الضفة الغربية. ويوضحون موقفهم هذا بالاستناد إلى نتائج انتخابات اللجنة المركزية لحركة فتح، والتي جاءت عضويتها بشكل شبه كامل لأشخاص من الضفة الغربية، باستثناء عضو واحد يقيم في لبنان. وكذلك الأمر في انتخابات المجلس الثوري، حيث جاءت عضويته ممثلة للضفة الغربية بنسبة تقارب 60 عضوا من الضفة الغربية من أصل 80 عضوا. ويمثل الأعضاء الستون هؤلاء تحالفا بين كتلتي الرئيس عباس ومحمد دحلان، وهو أمر آخر تستند إليه حالة الغضب الشعبية الفلسطينية، والتي تمتد هذه المرة إلى داخل جمهور حركة فتح نفسها.

ثم جاءت في سياق هذه القضية الدعوة المفاجئة لانعقاد المجلس الوطني الفلسطيني بمن حضر، واستكمال عضوية اللجنة التنفيذية. وقد جاء هذا الاستكمال أيضا ليؤكد وجهة تمثيل الضفة الغربية، حتى أن الرئيس عباس قال أثناء الإعداد لجلسة لانتخابات إن عضو اللجنة التنفيذية المنتخب يجب أن يكون مقيما في الضفة الغربية، ويجب أن لا يكون له عمل خارج الضفة الغربية، حتى يتمكن من حضور الاجتماعات. وهذا ما حصل بالفعل.

القضية الثالثة في السياق نفسه، تتعلق بموضوع السلطة والحكومة الفلسطينية التي يتولى شؤونها سلام فياض. إذ يقوم سلام فياض منذ مدة، بإطلاق سلسلة من التصريحات مؤداها السعي لإنشاء مؤسسات دولة في الضفة الغربية، والسعي لإعلان دولة فلسطينية في غضون عامين تكون دولة أمر واقع في الإطار الجغرافي الذي تتواجد فيه السلطة الفلسطينية، ولو تحت السيادة الإسرائيلية. وهو ما يعني أمورا عدة أبرزها: أنها دولة حدود مؤقتة (رغم ما يعلنه الرئيس عباس عن رفض دائم لهذه الفكرة)، كما أنها دولة تبنى حسب وجهة النظر المنطلقة من فكرة السلام الاقتصادي التي نادى بها توني بلير، وجوردن براون رئيس وزراء بريطانيا، وبنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل. وتكون النتيجة في النهاية إنشاء دولة الضفة الغربية.

ويشكل هذا النهج الذي يبدأ سياسيا من واشنطن على مستوى الرئاسة الأميركية، ويجد صداه في رام الله، حيث تتم تهيئة الأوضاع على مستوى حركة فتح، وعلى مستوى الحكومة، وعلى مستوى منظمة التحرير الفلسطينية، بما يمكن من العمل والسيطرة داخل إطار الضفة الغربية، يشكل هذا النهج أساس ومنبع الغضب الشعبي الفلسطيني، والذي يجد أيضا ركائز له داخل كوادر حركة فتح، وداخل جمهورها أيضا. ويقول معبرون عن حالة الغضب هذه إن القضية الفلسطينية، ممثلة بالشعب الفلسطيني وحقوقه ومطالبه الأساسية، تكاد تغيب عن هذا النهج في العمل، ويحل مكانها هدف جزئي صغير يتلخص بالضفة الغربية، فالضفة الغربية هي الدولة، ومصير اللاجئين ومستقبلهم لن يكون إلا داخل الضفة الغربية، ولن يكون لهذه الدولة صلة بفلسطينيي 1948، لأنهم من مسؤولية إسرائيل وسيادتها. كما لن يكون لهذه الدولة صلة سياسية باللاجئين الفلسطينيين الذين سيخيرون بين التوطين والتعويض. وستتواصل سياسة عزل غزة وحصارها، على أمل أن تسقط من الداخل، أو تسقط بعدوان إسرائيلي جديد، أو تسقط بواسطة الحصار، لتلتحق بعد ذلك قسرا بالتسوية التي ستتم، حيث لن يكون أمامها خيار آخر.

داخل هذه الحالة السياسية الفلسطينية الفريدة من نوعها، والتي تشهدها القضية الفلسطينية لأول مرة في تاريخها الحديث، تبرز حالة فلسطينية معارضة من نوع جديد، تقول إن الخطر أصبح يهدد القضية الفلسطينية ومصيرها. وإن الخطر أصبح يهدد مصالح ومطالب الشعب الفلسطيني التاريخية. وإن الخطر أصبح يهدد وحدة الشعب الفلسطيني التي سادت منذ منتصف الستينات وهي تتفتت الآن أمام أعيننا. ولذلك لم يعد مجديا أن تتلخص المعارضة الفلسطينية، في إعلان موقف، أو إصدار بيان، أو عقد مؤتمر احتجاجي، أو تركيز العمل على شعار واحد من الشعارات المطروحة مثل شعار حق العودة. وإن المطلوب من الآن وصاعدا معارضة من نوع جديد، تؤكد على أهمية إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أساس صورتها الأصلية، كمؤسسة ممثلة للشعب الفلسطيني كله، وتؤكد على أهمية الإعلان، وعلى أوسع نطاق ممكن، على رفض القوى الفلسطينية، سواء تلك التي تمثل القوى السياسية، أو تلك التي تمثل القوى الاجتماعية، من النقابات إلى المخيمات إلى هيئات الجاليات، للإجراءات التي يجري العمل عليها في رام الله، ومن دون نسيان دور القوى الأمنية الجديدة التي يجري بناؤها، والتي تجعل من السلطة الفلسطينية مشروع دولة بوليسية، تمارس القمع والاعتقال والتعذيب، وتفتخر أنها قضت على "ميليشيات" العمل الفدائي.

ولهذا كله.. ليس مستبعدا أن تشهد الساحة الفلسطينية، تعبيرا عن جو المعارضة الجديد هذا، في الأسابيع أو الأشهر المقبلة. وستكون المعارضة هذه المرة حاسمة وقاطعة، وربما نجد أنفسنا أمام تيارين فلسطينيين يختلفان حول الأسس والمبادئ، ولا يختلفان فقط حول أساليب العمل، أو حول نقد يتركز حول هذه القضية أو تلك.

إنها مرحلة فلسطينية جديدة. صعبة وقاسية وخطيرة. وموضوعها الأساسي الدفاع عن القضية الفلسطينية، وحمايتها، والدفاع عن وحدة الشعب الفلسطيني وقضاياه الأساسية التي لا يمكن أن تخضع للمساومة.

انشر عبر