شريط الأخبار

شركاء في الحياة والمصير ..علي عقلة عرسان

10:49 - 14 تموز / أغسطس 2009

شركاء في الحياة والمصير

علي عقلة عرسان

الأمراض السياسية المستعصية تخلق مناخاً تنمو فيه أمراض أخرى، ومن شأن ذلك أن يضاعف الضعف ويخلق مناخاً لا يساعد على الحياة، بَلْهَ على التقدم في معارجها واستشعار السعادة فيها. ويبدو جلياً من خلال التجربة الطويلة أن تلك الأمراض لا تعالج بغير امتلاك قوة توازن من نوع ما بين قطب مريض وآخر تنعكس عليه نتائج الأمراض وأفعال المرضى وأوضاعهم. وهذا الوضع المزمن يطرح أسئلة مقلقة، قد تشير إلى طرق منقذة، أسئلة يطرحها المعافى على المريض وأخرى يطرحها على نفسه لكي يجد مخرجاً مما وضع فيه على مدى قرون ويبدو أنه مضطر للبقاء ضحية له لم يجد مخرجاً. وعلاقتنا مع الغرب المستعمِر والعنصرية المستحكمة في شرائح بشرية صهيونية وغربية على الخصوص من جهة، وضعفنا وتفرقنا ودخولنا في صراعات هي من صنعه وفي النتيجة لمصلحته من جهة أخرى، تجعلنا رفع الصوت بأسئلة وتمنيات وتساؤلات منها:    

          هل نستطيع أن نقيم حواراً بناء جاداً وشاملاً، سياسياً وثقافياً ودينياً واجتماعياً وحتى في المدى الاقتصادي،  بين مجموعات إقليمية من الدول الآسيوية والإفريقية، طرَفه الأول عربي، ويبنى على حقائق التقارب الثقافي والجغرافي في دائرة ضيقة أولى، يليها توسيع لتلك الدائرة بعد بلوغ ذلك، لاكتشاف المشترك وتنميته وتوسيعه، بين أطراف لها مصلحة قصوى في اللقاء والحوار والتعاون، ولها في لقائها وحوارها وتعاونها، بعيداً عن دوائر الإملاء والهيمنة والسيطرة والاستعمار الجديد والاستغلال والنهب، حرية نسبية وتحرير لقرارها وإرادتها، أو سعي أولي باتجاه الحرية والتحرير، لا سيما على بعض المستويات الحياتية الحيوية: الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية؟!

وأن نقيم ذلك الحوار في إطار رؤية المنافع المتبادلة مشخصة بين الدول والشعوب، بعيداً عن عمليات المحو والإلحاق وفرض صور التبعية والابتزاز واستغلال الآخرين، كما هي حالنا الآن مع الغرب الاستعماري والتكتلات الاقتصادية والمالية التي يديرها أو يتحكَّم بها ويحكُم العالم من خلالها، ومن أبرزها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية..إلخ؟!

إن مجرد البدء  بخطوة على تلك الطريق سيجعلنا نكتشف الأفق الواسع لهذه العملية الإنسانية المشروعة في مجالات كثيرة ومتنوعة؛ وبذلك نستيقظ من كابوس يجثم على صدورنا، ونلغي أكثر من وسيط عنصري جشع، في المجال الاقتصادي على الأقل، يراكم أرباحه على حسابنا ويترك الأنيميا تستفحل في دمنا، ويسيطر على مصالحنا وصلاتنا ويتحكم بها ويوجهها حيث يريد، ويجعل بعضنا يقتل بعضاً من أجله، ويضع أموالنا تحت تصرفه، ويتاجر بنا وببضائعنا وموادنا الأولية وثرواتنا الطبيعية، ويمسك رقابنا من المخانق، ولا يسمح لنا بالتنفس إلا بالقدر الذي يبقينا أحياء ضعفاء نحتاج إليه في كل شؤون الحياة، ونقوم بخدمته بصورة مباشرة أو غير مباشرة.. ويمنُّ علينا من بعد بأن يمنحنا بعض نفايات ما نهبه منا لكي نبقى نلهث وراءه مستطيبين الذل والحاجة، ولقمة مرة مغمسة بالدم والعفن ملقاة على حافة الطريق.

في البحر الأحمر، على سبيل المثال لا الحصر، تجمع فريد، آسيوي إفريقي، عربي وغير عربي، مسلم وغير مسلم، غني بالثروات والمواد الأولية المتنوعة وبموارد الطاقة، ويتمتع بمواقع إستراتيجية عالية القيمة والأهمية: اقتصادياً وأمنياً وعسكرياً؛ ويجمع في حوض كبير ثقافات متنوعة وشعوباً ذات تاريخ وذات تأثير في التاريخ، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، فلمَ لا يقوم لقاء وحوار بينها على أرضية من الاحترام وتبادل المنافع وحماية الذات والمستقبل من أشكال التهديد والتعبيد؟ ولمَ لا يقوم تعاون واتفاق للبحث عن المصلحة والحرية والاستقلال التام من سيطرة القوى التي تفترس الأعماق هناك؟ ولماذا تسمح تلك الدول للغرب ووكيله العنصري الصهيوني، رأس حربته الاستعمارية في المنطقة “إسرائيل “ ـ ذلك الكيان الذي يثبت كل يوم أنه شر على المنطقة ولا يمكن إلا أن يبقى مخرباً فيها وهو الدخيل عليها، إلى أن تتحقق ظروف تسمح بإزالته والشفاء منه ـ لماذا تسمح له بإحداث الوقيعة وإشعال نار الفتنة فيما بينها، وتتركه يتسلل من بين خلافاتها إلى مواقع تمكنه من السيطرة عليها والتحكم باقتصادها ومستقبلها وسياساتها وتوجيه تلك السياسات ؟!

السعودية واليمن والأردن ومصر والسودان وإرتريا وحتى إثيوبيا، دول متشاطئة يجمعها حوض البحر الأحمر الغني بكل معاني الغنى والموبوء بخلافات وصراعات ظاهرة وباطنة، وهو حوض يمكن أن يتحرر من الفتن والفقر والجوع والمرض وسوء التغذية والاستعمار المباشر وغير المباشر الذي يمسك رغيف الخبز في بعض تلك البلدان.. وأن تقيم دولُه اعتماداً متبادلاً وثقة وتجارة رابحة فيما بينها متحررة من سيطرة الغرب.. فلماذا يكون لزاماً على بضائعها وأموالها وحاجاتها أن تمر عبر الوسيط الغربي وأن تتبارك في مصارفه وعواصمه وموانئه؟ هل لمجرد أن يأخذ العمولة وفائدة الشحن والأرباح الفاحشة، ويتحكم بالقرار عند الحاجة، ويفرق القلوب ليبقى “ بلسماً لها؟“.. ويا له من “ بلسم“ قتال، يوغل في الأعماق حتى لا يكاد يرى أو يُشْعَرَ به، ويفتك بها فتكاً ذريعاً أدمنه الناس حتى ليكاد يصبح جزءاً من تكوين المنطقة وعادات الناس فيها؟! وما ينطبق على بلدان متشاطئة في حوض البحر الأحمر ينطبق على أخرى هناك متشاطئة في حوض النيل حيث يهدد بعضها العطش، ويعيش آخرون في ما يشبه المجاعة، وتتناوش أطراف وتتقاتل من آن لآخر، وهي مقبلة على الأسوأ في هذا المجال.

وفي مساحة جيوـ سياسية أخرى نجد الهند وجوارها العربي والإسلامي، بما فيه من غنى حضاري وتنوع ثقافي واجتماعي، وثروة موارد وكثرة وبشر، في خضم صراع أو تباعد، ولا نكاد نحن العرب نفيد من ذلك القرب والماضي التاريخي والجوار الجغرافي والتداخل الثقافي والحضاري.. شيئاً يذكر، وتبدو لنا نيويورك أقرب من نيو دلهي ـ كما يبدو لها الأمر كذلك ـ  على الرغم من إمكانية التواصل مع الأخيرة براً وبحراً وجواً بوقت أقصر وأمن أكثر وتوفير للمال والطاقة أكبر، الأمر الذي يعود على البشر في كل تلك البلدان بالخير والمنفعة.. فلمَ يقوم هذا الحجاب السميك بيننا ولمصلحة من؟! ولماذا تكون نيودلهي على صلة تعاون أوثق وأعمق مع " إسرائيل" من كثير من بلداننا؟ ولماذا لا يكون لنا دور في وضع حد للخلاف التاريخي بين الهند وباكستان، ولنا مع كل منهما بعد ثقافي وحضاري وعقائدي مشترك، فضلاً عن إمكانية الدخول في حوض اقتصادي وحضاري واسع واعد.. لم يكون الغرب هو وكيل الطرفين حتى في علاقاتهما بعضنا ببعض؟ أليس الغرب المستغل هو وحده المستفيد من تباعد القريبين، وتنافر المتجاورين، وغياب الحوار واللقاء والتعاون المباشر بين أطراف لو التقت في أطر إنسانية بناءة لاغتنت وأغنت وحققت الكثير من الخير لشعوبها وللبشرية كلها.. لثقافتها وللثقافة العالمية، لقيمها الروحية وللقيم الإنسانية ؟! إن ذلك لكذلك، ولا يحول بيننا وبين أن نفعل هذا الشيء الغربُ وحده ـ وله الحق في أن يدافع عن مصالحه مستفيداً من جهلنا ونومنا وتفرقنا وضعفنا ـ  بل إننا نسهِّل عليه ذلك أكثر مما يعمل له، فعلَّتنا القتَّالة في ذواتنا وفي عدم التفاتنا لأهمية أن يكتشف كل منا الآخر، وأن يتعاون كل منا مع الآخر.. لكي يظهر لنا من بعد، كم يقوينا هذا ويحررنا ويجعل الأمن يستقر في منطقتنا ويعود علينا بالفوائد الجمة!!

وما ينطبق على علاقة متميزة مع الهند يمكن أن ينطبق على الصين، العملاق الناهض، وعلى ما يقوم بين قومية الهان وقوميتي "الويغور" و" خوي" المسلمتين من صراع يستطيع العرب أن يساهموا في إخماده  بدور ينعكس إيجابياً على الأقليات المسلمة التي تعرضت مؤخراً في شنجيانغ تركستان الشرقية، لا سيما في العاصمة "أورومتشي"، للقتل والظلم والقهر، ويبدو أنها مهددة كما كانت في عقود من القرن الماضي مهددة، وقد دفعت في عهد الثورة الثقافية في الصين الشيوعية ثمناً فادحاً جداً لتمسكها بالإسلام وقيمها الثقافية والحضارية وخصوصيتها وتراثها العريق.

ومن عجب أن تغيَّب أو تغيب فكرة الالتفات نحو هذه العوالم الغنية حتى من بعض أهلها ولا يكون المدخل إليها، حتى في داخل ذواتها، إلا من قبل الغرب المستعمِر المستغِل المتغطرس!!

من المؤكد أننا لسنا ضد الغرب عندما لا يكون ضد الآخرين، ومن المؤكد أنه لا غنى لنا عنه في بعض الأمور، ولا نريد أن نقيم بيننا وبينه الحواجز والكراهية والبغضاء، ومن المؤكد أننا نرحب بالتفاعل والتعامل معه، ونحرص على أن يحترم مصالحنا وخصوصياتنا وهوياتنا القومية وقرارنا المستقل كما نفعل نحن ذلك.. وأننا لا نريد بدعوتنا إلى الالتفات نحو الشرق ـ التي تهدف إلى رؤية ما نُمنع من رؤيته بشكل أو بآخر، وما يعمَّى علينا حتى لا نراه ـ لا نريد أن نقصيه أو أن نقلل من حقيقة احتياجنا له وقدرته على تقديم شيء حيوي وضروري ومستقبلي لنا وللحضارة الإنسانية، ولكننا نريد أن نرى ما حولنا جيداً، وأن نكتشف كم هو ـ أي الغرب ـ أناني ومستبد ومتغطرس وعدواني، وكم هو متغلغل في شراييننا إلى الحد الذي يمنع دمنا من أخذ حاجته الماسة من الأوكسجين، ويمنع حواسنا من التعامل مع الحياة والأشياء.. مع الأرض والطبيعة والناس من حولنا بتلقائية وسلاسة وسلامة وحرية وموضوعية.

إن الغرب يخدم مصالحه ويعزز نفوذه، ويكرس سيطرته، هذا شأنه وهذا دأبه وديدنه وتاريخه، وربما يبدو هذا حقاً مشروعاً له من وجهة نظره حتى لو كان على حساب الآخرين.. فالأقوى يحكم ويتحكم.. ولكن من حقنا أيضاً أن نرى وأن نمتلك القدرة على التمييز، وأن ندرك أنه يحتاج إلينا من بعض الجوانب ويمكن أن نخفف من قبضته على أعناقنا إذا ما فعلنا كذا.. ورفضنا أن فعل كذا من الأمور.. وإذا سعينا بوعي ومعرفة جد إلى التحصن من كل أشكال الغزو والابتزاز والاستغلال..  إن من حقنا أن نقول للغربي الذي استعمرنا قروناً وامتص دمنا وما زال يمطرنا بناره وسخطه وسياطه وغطرسته وألاعيبه، ويحتل أرضنا ويطلب منا أن نقتتل بالإنابة عن ودفاعاً عن احتلاله: كفى فإننا بشر، وإن من حقنا نعيش، وأن نستمتع بلحظات استقرار وأمن ودفئ واطمئنان تحت شمسنا التي تسرقها من بين جفوننا وتقيم بيننا وبينها الحُجُب.. كفى تشويهاً وعدواناً وإرهاباً باسم الإرهاب، نعم كفى إرهاباً: فكرياً وإعلامياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وكفانا رعباً وموتاً وذلاً ونهباً.. لقد شوهت أيها السيد الغربي المستعمِر المدمر حتى وجه الله في أبصارنا وبصائرنا، ولم تعوضنا عن القيم التي شوهتها والبنى التي هدمتها شيئاً يستحق الذكر، اللهم إلا إذا كان تخريب الذوق والثقافات والبنى القيمية والروحية والعلاقات الاجتماعية للأفراد والأسر والشعوب، فضلاً عن النهب والسلب وتخريب الاقتصاد، شيئاً يستحق أن تُشكر عليه وتُعطى الحق في الاستمرار بالقيام به بوصفه التقدم الذي تنادي به والحضارة التي ترى أن نرتقي إليها. إننا أيها السيد موجودون ونريد أن نرى ونفكر ونتواصل ونعتقد ونتذوق طعم الحياة كما يحلو لنا.. فهل ترتقي أيها السيد إلى مستوى أن ترى ذلك حقاً لنا بوصفنا شركاء في الشرط الإنساني والمصير الإنساني؟ إننا ندرك جيداً أنك لن تسمح لنا بأن نأخذ ما هو حق لنا، وأنك لن تسمح لنا بامتلاك القوة العلمية والمعرفية والتقنية التي تمكننا من السير في طريق التحرر من سلطتك وسطوتك وبطشك.. ولكن.. تذكر أننا بدأنا نرى وندرك أن ذلك حقنا وفي مصلحتنا، وهو أحد أهم طرقنا إلى الخلاص.؟!

من الطبيعي أن السيد لا يسمح، ولكن هل من الطبيعي أن نبقى كما يريد أن نكون؟! إن علينا أن نعمل ونقوى ونرفع صوتنا لكي نحقق بعض ما نريد، لكي نجعله يدرك أن العالم لنا وله، وأننا شركاء له في الشرط الإنساني والمصير الإنساني، وأنه من حقنا أن نصبح شركاء متساوين في عالم أوسع بكثير من نظرته الضيقة، وسلطته المطلقة، وأنانيته المفرطة، "ووحدانيته " المتفرّدة التي تغرق في صيغ نادرة من الأنانية والتورم البشري الخبيث. 

من الطبيعي أن نتطلع إلى ذلك وأن نفعل ما فيه صلاحنا ويؤمن بقاءنا ومستقبلنا ومصالحنا وأمننا وتمايزنا.. ولكن .. هل نحن فعلاً على عتبة أن نفعل ذلك ونفكر بالقيام به.. أم أننا نوغل في الخلافات والصراعات والتمزق الذاتي والتفتت والتبعية، ونزيد مشكلاتنا مشكلات وأزماتنا أزمات، ولا نهتم إلا بالقشور والتافه من الأمور، وبما يخدم السيد المستمعمِر ويقوي نفوذه.

يبدو أننا ننطلق فيما انطلقنا إليه من الحلم وربما مما هو أبعد قليلاً.. ولكن أليس من المشروع أن نحلم.. مجرد أن نحلم؟!.

انشر عبر