شريط الأخبار

دولة الفصل العنصري الأخرى ..د.مازن النجار

10:54 - 14 تموز / أغسطس 2009

دولة الفصل العنصري الأخرى ..

د.مازن النجار

في مؤتمر دولي لبحث رؤية جديدة حول إسرائيل/فلسطين، عُقد مؤخراً في كيبتاون بجنوب أفريقيا، اقتبس روني كاسرلز، أحد الشخصيات اليهودية المناهضة لنظام الفصل العنصري هناك ووزير الزراعة والاستخبارات الأسبق بعد انهيار النظام العنصري، قول هندريك فيروُرد، مهندس نظام الفصل العنصري (أبارتهَيْد) في نوفمبر/تشرين الثاني 1961: "لقد أخذ اليهود إسرائيل من العرب، بعد أن عاش العرب هناك ألف عام. إن إسرائيل مثل جنوب أفريقيا، دولة فصل عنصري." (صحيفة راند ديلي ميل، 23. 11. 1961)

 

 قال فيروُرد هذه الكلمات آنذاك رداً على انتقاد سياسة الفصل العنصري، وخطاب هارولد مكميلان (رئيس الوزراء حكومة المحافطين البريطانية وقتها) بعنوان "رياح التغيير"، والسخط الدولي المتصاعد بسبب "مذبحة شاربفيل" بحق المواطنين الأفارقة بجنوب أفريقيا، وفي نفس الوقت يقدم الغرب دعمه غير المشروط لإسرائيل الصهيونية.

 

من المؤكد أن فيروُرد كان على حق. فكل من نظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا وإسرائيل الصهيونية كان كياناً استعمارياً استيطانياً، وقد أنشئ على أساس الاغتصاب الشرس لأرض وحقوق السكان الأصليين. وهذا موثق في حالة اسرائيل بلا أدنى خجل من زمن هرتسل إلى غَبوتنسكي، وبن غوريون، ومناحيم بيغن، وموشيه ديان إلى شارون، وآخرين.

 

كلا الدولتان (إسرائيل وجنوب أفريقيا العنصرية) تبنت ونفذت سياسة تقوم على العنصرية العرقية؛ ادعاء اليهود في إسرائيل والبيض في جنوب أفريقيا بحقهم في المواطنة حصرياً؛ واحتكار الحقوق القانونية في ملكية الأرض والعقار والأعمال التجارية ؛ والوصول الحصري للمرافق التعليمية والصحية والاجتماعية والرياضية والثقافية، والمعاشات والخدمات البلدية على حساب السكان الأصليين؛ واحتكار عضوية القوات العسكرية والأجهزة الأمنية، وامتيازات التنمية البشرية والاقتصادية على قياس خطوط التفوق العرقي. وحتى قوانين الزواج بكلا البلدين مصممة بهدف حماية النقاء العنصري. وكون الأقلية الفلسطينية داخل اسرائيل يحق لها التصويت، فذلك بالكاد يعالج الظلم الواقع عليهم بجميع المسائل الأخرى لحقوق الإنسان الأساسية. على أي حال، الفلسطينيون الذين يسمح لهم بالترشح لانتخابات الكنيست، يفعلون ذلك شريطة عدم التجرؤ على التساؤل حول وجود اسرائيل، كدولة يهودية.

 

أما من كانوا يسمون "غير البيض" بجنوب أفريقيا العنصرية، والأفارقة الأصليون، وآخرون مختلطو الأعراق أو أصولهم آسيوية، فشأنهم شأن مواطني الدرجة الثانية أو الثالثة من غير اليهود في إسرائيل ذاتها، ناهيك عن سكان المناطقة المحتلة عسكرياً، فقد خضعوا لتصنيفات وأوضاع في غاية الغموض والالتباس وكافة صور التمييز والإجحاف، كتلك القوانين التي تحظر عليهم حرية التنقل والحصول على عمل والتجارة، وتملي عليهم محال إقامتهم وغير ذلك.

 

لا بد أن هندريك فيروُد كان واعياً بتجريد إسرائيل للفلسطينيين من وطنهم وأرضهم في 1948، سنة وصول حزب نظام الفصل العنصري أيضاً إلى السلطة بجنوب أفريقيا، وتدمير قراهم والمذابح المعدة مع سبق الإصرار، والتطهير العرقي الممنهج.

 

في غضون سنوات قليلة من وصوله للسلطة بجنوب أفريقيا في 1948، أجرى نظام الفصل العنصري بلا رحمة تطهيراً للمدن، والبلدات المسماة "البقع السوداء" حيث يعيش ويتجاور ويدرس ويتاجر "غير البيض"؛ فقاموا بتجريف المنازل وتحميل الأسر على شاحنات عسكرية، ونقلها عنوة إلى مستوطنات بعيدة. وعلى عكس معازل السكان الأصليين، التي سرعان ما إعيد تشكيلها لتكون بانتوستانات، لم تكن هذه المستوطنات بعيدة جداً عن المناطق الصناعية، لأن الاقتصاد ازدهر بحصة من اليد العاملة السوداء الرخيصة.

 

لم يعش فيروُرد ليرى تفتيت الأراضي الفلسطينية بعد حرب 1967، وما أعقبها من إقامة بانتوسانات ضئيلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، لكنه سيكون معجباً جداً ومؤيداً لعمليات وإجراءات عزل الفلسطينيين في سجون أشبه بالغيتوهات. فهذه في المحصلة "خطة فيروُرد العظمى"، وهذا ما دفع بسهولة جيمي كارتر إلى تشخيص أوضاع الأراضي الفلسطينية المحتلة، باعتبارها أقرب إلى الفصل العنصري.

 

مثلت البانتوستانات نحو 13 بالمائة من مساحة جنوب أفريقيا العنصرية، وتشبه بشكل خارق للعادة ومثير للسخرية، قطع الأرض المنكمشة باستمرار، والتي تريد إسرائيل إيداع الفلسطينيين بها، حيث يقدر أن ما يزيد على ثلث الأراضي الفلسطينية تضم الكتل الاستيطانية غير القانونية ومنظومة الشبكة الأمنية، بطرقها المخصصة لليهود فقط. وهذا يعني أن الضفة الغربية التي كانت 22 بالمائة من فلسطين الانتدابية أصبحت 12 بالمائة فقط.

 

عندما زار روني كاسرلز بصحبة عزيز باهاد (نائب وزير خارجية جنوب أفريقيا) ياسر عرفات بمقر المقاطعة المهدوم في 2004، أشار عرفات حوله وقال "انظروا هذا ليس سوى بانتوستان!" ورد كاسرلز وباهاد بقولهم لا، وأشاروا إلى أنه حتى في جنوب أفريقيا العنصرية، لم يحدث أن قصفت الطائرات الحربية أو الدبابات بانتوستان أو حتى بلدة. ولدهشة ياسر عرفات، أخبره الضيوف أن حكومة جنوب أفريقيا العنصرية قد ضخت أموالاً طائلة وأقامت مباني إدارية تثير الإعجاب في البانتوستانات، بل وسمحت لها بشركات خطوط جوية تخدم عواصمها "الصورية" لإقناع العالم بأنها جادة فيما يسمى "التنمية المنفصلة". بل إن البانتوستانات لم تكن مسيجة أصلاً!

 

يشير كاسرلز إلى أنه ما كان يثير إعجاب هندريك ڤيرورد، مهندس ومؤسس نظام الفصل العنصري بجنوب أفريقية، إفلات إسرائيل المستمر من أي عقوبات تتعلق بممارساتها للعنف والإرهاب، ومضيها في هذا الطريق دون عوائق من حلفائها الغربيين، خاصة الولايات المتحدة وبشكل متزايد. وأثار إعجاب ڤيرورد وأضرابه أيضاً، وحاولوا محاكاتها بجنوب أفريقية، الطريقة التي سمحت بها القوى الغربية لإسرائيل الإمبريالية باستخدام قوتها العسكرية، بدون حدود أو قيود أو عقوبة أيضاً، لتوسيع أراضيها، وكبح مد القومية العربية في جوارها.

 

فبعد حرب الأيام الستة (1967)، أدلى جون ڤورستر، خليفة ڤيرورد في قيادة نظام الأپارتهَيْد، بتصريحه الشهير: "لقد هزم الإسرائيليون العرب قبل الغداء، ونحن سنأكل الدول الأفريقية في الإفطار". ألقى ڤورستر هذا التحذير الأخير في مواجهة دعم الدول الأفريقية المستقلة للكفاح المسلح المتنامي آنذاك من أجل التحرر في إقليم إفريقيا الجنوبية.

 

لكن لم تكن عقيدة إسرائيل العنصرية وحدها التي أثارت حماس قادة نظام الأپارتهَيْد، وإنما استخدام السردية التوراتية كديباجة أو أساس أيديولوجي لتبرير الرؤية والأهداف والأساليب، التي يتبناها الكيانان العنصريان.

 

فالرواد الهولنديون (المستوطنون) الأوائل، أو ما يسمى الأفريكانرز بجنوب أفريقية، استخدموا الكتاب المقدس (العهد القديم) والبندقية شأن المستعرين في أي مكان آخر، لإقامة قلاع محصنة وحصرية في مناطق جنوب أفريقيا النائية. ومثل بني إسرائيل في العهد القديم، زعموا أنهم "شعب الله المختار"، للقيام بمهمة ترويض وتحضير البراري؛ متجاهلين إنتاجية وكدح الشعب الذي حرث التراب وتبادل المنتجات لقرون طويلة. وزعم المستوطنون أنهم وحدهم الذين جعلوا الأرض تدر لبناً وعسلاً.

 

وادعوا أن لهم مع الله عهداً بأن يسوق أعداءهم إلى قبضتهم، وأن يبارك أعمالهم. وحتى ظهور الديمقراطية بجنوب أفريقية، كانت كتب التاريخ العنصرية عموماً تقول بأن الرجل الأبيض وصل إلى جنوب أفريقية، عندما كانت "قبائل البانتو" الأفريقية القادمة من الشمال تتجول عشوائياً عبر نهر ليمبوبو، وأنهم الأفريكانرز كانوا مستوطنين رواداً في أرض خالية من السكان.

 

مثل هذه العقلية الاستيطانية العنصرية هي التي ‘عقلنت’ وبررت عمليات الإبادة الجماعية للشعوب الأصلية في الأميركتين وأسترالية ونيوزيلندا، وفي أفريقية من ناميبيا إلى الكونغو وغيرها، بيد أن صداها الأكثر وضوحاً كان في فلسطين. لكن الجانب الأكثر عاراً في هذا الدجل الاستيطاني اللاحق أن إسرائيل الصهيونية قد سمح لها الغرب بالتطلع إلى مثل هذا الهدف، حتى في القرن الحادي والعشرين.

 

ليس من الصعب بأي حال الإدراك من بعيد، كما استطاع فيرورد أيضاً إدراك، أن إسرائيل دولة فصل عنصري (نظام أپارتهَيْد). عقب حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، قام جون ڤورستر، خليفة ڤيرورد، بزيارة إسرائيل عندما استعادت مصر قناة السويس. بعد ذلك، أصبحت إسرائيل وجنوب أفريقية توأمين عسكريين، حيث قدمت پريتوريا المساعدة لإسرائيل إبان نكستها في 1973، وقامت إسرائيل بدعم نظام الأپارتهَيْد في ذروة الحظر والعقوبات عليه بالأسلحة والتكنولوجيا، من سفن الأسطول الحربية، وتطوير الطائرات المقاتلة الأسرع من الصوت، إلى بناء ستة قنابل نووية، وإنشاء صناعة سلاح مزدهرة.

 

بالنسبة لحركات التحرر في أفريقيا الجنوبية، مثلت إسرائيل وجنوب أفريقية العنصرية محوراً عنصرياً استيطانياً. يلاحظ روني كاسرلز أن ڤورستر وأمثاله كانوا متعاطفين مع النازية، ولذلك اعتقلوا خلال الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك فقد تم تكريمهم كأبطال في إسرائيل، وبالمناسبة، لم تصدر إشارة إليهم من قبل صهاينة جنوب أفريقية باعتبارهم معادين للسامية! وهذا لم يفاجئ أولئك الذين فهموا الطبيعة العنصرية الحقيقية وشخصية إسرائيل الصهيونية.

 

يعتقد كاسرلز أن من المفيد إضافة أن إسرائيل، في سلوكها وأساليبها القمعية، قد أصبحت أشبه ما تكون بنظام جنوب أفريقية العنصري في ذروته، بل وتجاوزت إسرائيل مستوى وحشيته، في هدم المنازل وإزالة المجتمعات السكانية، والاغتيالات المستهدفة، والمذابح، وسجن وتعذيب الخصوم، والعدوان على البلاد المجاورة.

 

من المؤكد أن أبناء جنوب أفريقية يستطيعون تشخيص السبب المرضي، المغذي للكراهية لدى النخبة السياسية العسكرية والجمهور عموماً في إسرائيل، مما يؤدي إلى مزيد من المواقف العنصرية المتطرفة لدى ممثليها المنتخبين، كما تدل محصلة انتخابات الكنيست الأخيرة. وليس من الصعب أيضاً لأي مُلِم بتاريخ الاستعمار أن يفهم الطريقة التي تؤكد بها الكراهية العنصرية المغروسة عمداً مبررات أبشع أعمال لاإنسانية ضد حتى المدنيين العزل، أطفالاً ونساء وشيوخاً، كما حدث مؤخراً في غزة.

 

من هذه العنصرية الجامحة تتغذى حروب الإبادة الجماعية والمحارق.

 

انشر عبر