ماذا تبقى من "الترامبية" بعد الهزائم الانتخابية؟

الساعة 01:30 م|08 نوفمبر 2026

فلسطين اليوم | بثينة عليق

هل تلقّت الشعبوية اليمينية ضربة قوية بفعل سلسلة الإخفاقات الانتخابية التي أصابت رموزها في أكثر من دولة؟ يُطرح هذا السؤال بقوة في أعقاب الخسارة الكبيرة التي تعرّض لها الجمهوريون في انتخابات الكونغرس والتي أسفرت عن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ، وجاءت في ظل تراجع ملحوظ في شعبية الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فقد أظهرت استطلاعات للرأي انخفاض نسبة التأييد لأدائه إلى مستويات متدنية بلغت 33%، وهي من أدنى النسب التي سجّلها خلال رئاسته.

هذه الانتكاسة فتحت الباب أمام تساؤلات عن مستقبل الترامبية في الولايات المتحدة واحتمالات انحسار تأثيرها في العالم، بعدما شكّل وصول ترامب إلى البيت الأبيض عام 2017 قوة دفع سياسية ومعنوية للعديد من الحركات اليمينية القومية والشعبوية. فقد وجد فيه عدد من القادة والأحزاب اليمينية نموذجاً ملهماً سواء في الخطاب السياسي أم في أساليب التعبئة الجماهيرية أم في المواقف المتعلقة بعدد من القضايا الأساسية.

ولعلّ اللافت في نتائج الانتخابات الأميركية أنها تجاوزت حدود المنافسة التقليدية بين الديمقراطيين والجمهوريين لتتحول إلى تصويت على سياسات ترامب نفسه وأسلوبه في الحكم. فقد عمل الرئيس الأميركي على شخصنة المعركة الانتخابية، وجعل من حضوره السياسي محورها الأساسي، داعياً الناخبين مراراً إلى التصويت كما لو كان اسمه مدرجاً في بطاقات الاقتراع. وقد كرّر ترامب هذه الدعوة 63 مرة على الأقل قبل الانتخابات.

وبالفعل صوّت الأميركيون وكأن ترامب نفسه كان يخوض الانتخابات، لكن النتائج جاءت على عكس ما أراد. فقد عكست استياءً واسعاً من سياسات إدارته، ولا سيما في ما يتعلق بالاقتصاد وارتفاع تكاليف المعيشة والحرب مع إيران والمخاوف المرتبطة بالفساد الحكومي، فضلاً عن الجدل المتزايد بشأن العلاقة مع "إسرائيل".

لكن شخصنة ترامب للحياة السياسية لا تقتصر على الانتخابات. فمنذ دخوله إلى البيت الأبيض، عمل على تعزيز مركزية موقعه في السلطة والحزب الجمهوري إلى حد أصبح معه الولاء لشخصه الـعامل الأكثر تأثيراً في تحديد المواقع السياسية والإدارية.

هذا التضخم في «الأنا السياسية»، إذا صح التعبير، ليس سوى أحد المظاهر البارزة للشعبوية التي جسّدها ترامب إلى جانب مجموعة من السمات الأخرى التي طبعت خطابه وممارسته السياسية.

أولى هذه السمات ادعاء احتكار تمثيل الشعب. فقد دأب ترامب على تقديم نفسه بوصفه المعبّر الحقيقي عن إرادة الأميركيين ومصالحهم. مع التشكيك المتكرر في شرعية خصومه أو أهليتهم لتمثيل المواطنين. وهذه من الخصائص الأساسية للخطاب الشعبوي.

أما السمة الثانية، فتتمثل في التشكيك بالمؤسسات التقليدية وأدوارها والسعي إلى تجاوز الضوابط المؤسسية التي تحدّ من سلطة الرئيس. وقد ظهر ذلك في مواجهات ترامب المتكررة مع مؤسسات الدولة، وفي محاولاته توسيع هامش السلطة التنفيذية وإخضاع بعض مفاصل الإدارة لأولوياته السياسية.

وتبرز في هذا السياق، علاقته المتوترة بوسائل الإعلام. فقد خاض ترامب مواجهات متواصلة مع المؤسسات الإعلامية التي ينتقد أداءها مستخدماً لغة هجومية، وصلت أحياناً إلى التنمّر والتجريح الشخصي بحق إعلاميين وصحافيين. ولم يقتصر هذا السلوك على المؤسسات المعارضة له، بل شمل وسائل إعلام محافظة قريبة من الحزب الجمهوري. فبعد الهزيمة الانتخابية الأخيرة لم يتردد في تحميل قناة «فوكس نيوز» جزءاً من مسؤولية خسارة الجمهوريين.

أما السمة الثالثة، وربما الأكثر حضوراً في خطابه فهي تبسيط القضايا المعقدة وتقديم حلول مباشرة لمشكلات تتداخل فيها عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وتاريخية.

فقد اختزل ترامب قضية الهجرة غير النظامية بما ترتبط به من ظروف اقتصادية واجتماعية وتشريعات وإجراءات قانونية، في حل مادي مباشر تمثّل في بناء جدار على الحدود مع المكسيك، تحت شعار «ابنوا الجدار».

وفي مواجهة التضخم وارتفاع الأسعار قدّم زيادة استخراج النفط والغاز باعتبارها مدخلاً أساسياً لمعالجة الأزمة، مستخدماً شعاره الشهير «احفروا، احفروا، احفروا».

أما في السياسة الخارجية فقد تجلّت النزعة التبسيطية في وعوده المتكررة بإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية خلال أربع وعشرين ساعة.

وتتمثل السمة الرابعة في استخدام الخطاب العاطفي والاستقطابي، وهو المجال الذي برع فيه ترامب من خلال استثارة مشاعر الغضب والخوف والإحباط لدى قطاعات من المجتمع الأميركي. وقد لجأ مراراً إلى تضخيم المخاطر بشأن المهاجرين وإلى خطاب أثار مخاوف من المسلمين.

والسمة الخامسة فهي التركيز على الصراع الثقافي والهوياتي، إذ أسهم الخطاب الترامبي في تعميق الانقسامات القائمة داخل المجتمع الأميركي حتى قيل إنه لا توجد قضية واحدة يتفق حولها الأميركيون.

هذه الخصائص ليست حكراً على ترامب كما أن الشعبوية لم تبدأ معه وليست ظاهرة مستحدثة في التاريخ السياسي. هي نزعة قديمة لطالما عرفتها الدول والمجتمعات.

إلا أن الشعبوية اتخذت في العصر الحديث أشكالاً أكثر تنظيماً و اكتسبت مع ترامب قوة دفع جديدة أسهمت في تعزيز التقارب بين عدد من الحركات اليمينية القومية والشعبوية في العالم ضمن ظاهرة سياسية باتت تُعرف بالترامبية.

واللافت اليوم أن الانتكاسة التي أصابت ترامب في الانتخابات الأميركية تأتي في سياق أوسع من الهزائم والتراجعات الانتخابية التي شهدتها قوى يمينية شعبوية خلال العامين الماضيين بعضها يرتبط به مباشرة وبعضها الآخر يتقاطع معه سياسياً وأيديولوجياً.

ففي هنغاريا، خسر فيكتور أوربان، أحد أبرز حلفاء ترامب الأوروبيين، انتخابات نيسان 2026، منهياً ستة عشر عاماً من حكمه.

وفي رومانيا، هُزم حزب «التحالف من أجل اتحاد الرومانيين» اليميني القومي، في الانتخابات الرئاسية في أيار 2025.

أما في البرازيل، فقد أخفق فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو وأحد أبرز وجوه المعسكر اليميني القريب من ترامب في الوصول إلى الرئاسة في تشرين الأول 2026، بعدما فاز الرئيس لولا دا سيلفا بولاية جديدة.

وفي هولندا، تراجع حزب الحرية اليميني في انتخابات تشرين الأول 2025، كما شهدت السويد تراجع تمثيل حزب «الديمقراطيين السويديين» اليميني القومي في انتخابات أيلول 2026.

صحيح أن لكل دولة ظروفها الخاصة، إلا أن التقاطعات الفكرية والعلاقة السياسية التي تربط بعض قادتها بترامب تجعل من هذه النتائج مؤشرات تستحق التوقف عندها لفهم التحولات التي يشهدها اليمين الشعبوي المعاصر، والذي يبدو بوضوح أنه دخل في مسار تراجعي كبير،

ما يطرح أسئلة جدية حول قدرة الخطاب الشعبوي على الاحتفاظ بجاذبيته وبقدرته على الإقناع والتعبئة، عندما يصطدم بغضب الناس وبالأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، التي لم ينجح الشعوبيون في تقديم حلول لها.

 

كلمات دلالية