تأزم تركي -أذربيجاني : طموحات إردوغان أم العلاقة مع "إسرائيل"؟

الساعة 08:24 ص|08 نوفمبر 2026

فلسطين اليوم

يتجه الرئيس الأذربيجاني إلهام عليف نحو التحالف مع الصهيونية العالمية ومجموعة العولمة في الولايات المتحدة، يعتقد أنها تمنحه قوة ليتصرّف كما يشاء وبحسب مصالحه تجاه إيران وروسيا ليطال الأمر علاقته مع تركيا ورئيسها رجب طيب إردوغان.

لم يذهب إلى قمة منظمة الدول التركية في أنقرة، التي اختُتمت في 30 تشرين الأول/أكتوبر، رغم الدعوة الشخصية من إردوغان. والسبب هو الانتقاد من جانب تركيا أوّلاً لحظر ارتداء الفتيات للحجاب في المدرسة، ثمّ لتطوير أذربيجان علاقاتها مع "إسرائيل".

تركت أذربيجان بنيتها التحتية الأمنية الحيوية في يد "إسرائيل"، فمنذ أكثر من عشر سنوات دخل مخزون أذربيجان كمّ من الأسلحة من "تل أبيب"  منذ عام 2015.  أسلحة متطوّرة استخدمت على نطاق واسع في الاشتباكات الحدودية عام 2016 وفي حرب كاراباخ الثانية عام 2020، منها طائرات هيرميس 900 من دون طيار التي استعملت من قبل الجيش الأذربيجاني، وصواريخ بالستية موجّهة أرض-سطح تمّ تسليمها في 2018 هذه الأسلحة الى جانب أخرى من "إسرائيل".

 69 بالمئة من واردات أسلحة أذربيجان بين عامي 2016 و2020 أتت من "إسرائيل"، هذا لا يعني أنّ الموضوع عسكري فقط إنما دخل الحيّز السياسي. تمّ وضع أسس التعاون في مجالات الاقتصاد والمالية والأمن السيبراني وأنظمة وأدوات الدفع الجديدة عام 2022. تمّ تأسيس مركز الأمن السيبراني الأذربيجاني في باكو. كما أخذت "إسرائيل" مكانها في مراقبة الشرطة والاستخبارات. تمّ الحصول على تقنيات وبرمجيات المراقبة من شركة ألوت كوميونيكيشنز وفيرنت التي تتخذ من "إسرائيل" مقراً لها. شراكة الذكاء الاصطناعي، اكتملت بتوقيع الوزراء المعنيين في 3 شباط/فبراير 2026 في القدس تحت إشراف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

عندما قال الرئيس رجب طيب إردوغان: "سندخل إسرائيل كما دخلنا كاراباخ وليبيا" قوبل بانفجار دبلوماسي يتجاوز حدود "إسرائيل" وتردّد صداه في أذربيجان. التي اعتبر بعض مسؤوليها أنّ "تركيا تسرق انتصار كاراباخ" .

تركيا وأذربيجان و"إسرائيل"

 خلاف تركيا وأذربيجان طفا على السطح هو مزيج معقّد يتقاطع فيه ملف العلاقات مع "إسرائيل" مع سعي باكو لفرض سيادتها ورفض نفوذ إردوغان الأيديولوجي. الحسابات الجيوسياسية المتباينة لكلّ منهما ظهرت بشكل علني، ترى باكو في "إسرائيل" شريكاً استراتيجياً حيوياً علاوة على ذلك، تعدّ "إسرائيل" حليفاً أساسياً لباكو في موازنة الضغوط والتهديدات الإيرانية على حدودها الجنوبية، بينما يقود الرئيس التركي رجب طيب إردوغان سياسة إقليمية تهاجم "إسرائيل" بشدّة وتفرض عليها عقوبات تجارية. هذا التباين خلق حرجاً لأنقرة، خاصة وأنّ النفط الأذربيجاني المتجه إلى "إسرائيل" يمرّ ويُشحن عبر ميناء جيهان التركي.

يتفاقم الخلاف مؤخراً بعد رفض الوفد الأذربيجاني الانسحاب أثناء كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي في الأمم المتحدة. وتعمّق الشرخ في إثر استخدام الطائرة الرسمية للرئيس الإسرائيلي الأجواء التركية عبر خطوط طيران أذربيجانية لحضور قمة إقليمية، على الرغم من الحظر التركي المفروض على الطائرات الإسرائيلية. 

ترفض باكو الصيغة التركية التي ترى أذربيجان كـ "أخ أصغر". الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف قال إنّ بلاده لا تحتاج إلى "مساعدة أو رعاية خارجية"، وشدّد على أنّ أذربيجان اشترت سلاحها بمالها من تركيا ولم تأخذه كمنحة، وهو ما اعتبره الإعلام التركي نكراناً للجميل وتمرّداً على دور أنقرة.

فرضت أذربيجان قيوداً على ارتداء الحجاب في المدارس تماشياً مع طبيعة نظامها العلماني، فأثار هذا القرار انتقادات حادّة من مسؤولين ومستشارين مقرّبين من إردوغان. اعتبرت باكو هذه الانتقادات تدخّلاً في شؤونها الداخلية ومحاولة لفرض أجندة أيديولوجية إسلامية، وردّت بمنع 31 شخصية تركية (سياسيين وإعلاميين ومستشارين) من دخول أراضيها. بدأت باكو تبدي قلقاً متزايداً وتضع تحت المجهر الأنشطة الاستخباراتية التركية والمؤسسات الإغاثية والتعليمية خوفاً من استخدامها كأدوات للتغلغل السياسي. ولم يسلم هذا الملف من التصعيد عندما غاب علييف بشكل بارز عن قمة منظمة الدول التركية في أنقرة. 

تتباين الرؤى حول أرمينيا، إردوغان يسعى لتسريع التطبيع وفتح الحدود التجارية والسياسية مع أرمينيا كجزء من رؤيته لـ "الممر الأوسط" لربط تركيا بآسيا، بينما تبدي باكو تشدّداً أكبر؛ حيث ترفض تقديم تنازلات وتصرّ على إبرام اتفاقية سلام شاملة تضمن شروطها أولاً، ولا سيما فيما يخصّ السيادة الكاملة على ممر زانغيزور الحدودي من دون قيود أرمينية.

بعد انتصارها العسكري في كاراباخ، وضعت أذربيجان خطوطاً حمراً صارمة أمام ما تراه طموحات تركية لفرض الوصاية عليها. لكنّ القطيعة مستبعدة؛ فالبلدان مرتبطان بشبكة مصالح ضخمة ومعقّدة تشمل خطوط أنابيب النفط والغاز، وعقوداً دفاعية بمليارات الدولارات، مما يجبر الطرفين في النهاية على إدارة الخلاف واحتوائه تحت سقف المصلحة المشتركة. 

 ما هو موقف كلّ من موسكو وطهران تجاه هذا الخلاف 
تجد روسيا في الخلاف الحالي بين باكو وأنقرة فرصة لاستعادة نفوذها المفقود في جنوب القوقاز، والذي تراجع سابقاً لصالح النفوذ التركي بعد حرب كاراباخ.

سارعت موسكو إلى توقيع برنامج شامل لبناء وتحديث منشآت إصلاح المدرّعات التابعة للجيش الأذربيجاني. كما فُتحت النقاشات حول إمكانية تزويد باكو بمنظومات دفاع جوي متطوّرة في إشارة واضحة من باكو إلى تنويع مصادر سلاحها بعيداً عن الهيمنة التركية. اتجهت باكو لإعادة ترتيب أوراق الطاقة مع موسكو؛ حيث أعلنت شركة "سوكر" (SOCAR) الأذربيجانية عن نيّتها استئناف شراء الغاز الطبيعي من شركة "غازبروم" الروسية.

هذا التقارب يمنح روسيا متنفّساً اقتصادياً وسياسياً حيوياً لإعادة دمج ممرات الطاقة الإقليمية تحت مظلة التنسيق المشترك مع باكو. لطالما نظرت موسكو بحذر إلى "طموحات إردوغان" لتأسيس كتلة نفوذ تركي موحّدة (عبر منظمة الدول التركية) تمتد من أنقرة إلى آسيا الوسطى عبر القوقاز. غياب علييف عن قمة أنقرة الأخيرة يخدم تماماً الرؤية الروسية في إضعاف هذا القطب الإقليمي المنافس. 

أما طهران فهي تنظر إلى الخلاف بترقّب، فإضعاف المحور "التركي-الأذربيجاني" يقلّل من الضغوط على حدودها الشمالية، لكنّ وجود "إسرائيل" في قلب المعادلة يبقيها حذرة. مخاوف إيران في القوقاز كانت تتمثّل في "ممر زانغيزور" الحدودي الذي يربط تركيا بأذربيجان مباشرة عبر الأراضي الأرمينية؛ إذ ترى فيه طهران تهديداً بقطع حدودها البرية المباشرة مع أرمينيا وخنقاً لممراتها التجارية. تريد إيران فرض مسارات بديلة تمرّ عبر الأراضي الإيرانية (مثل ممر أراس) بتوافق مباشر مع باكو. 

بالرغم من التوترات العميقة السابقة والضربات المتبادلة إبّان حرب عام 2026 في المنطقة، اتخذت العلاقات الإيرانية الأذربيجانية مساراً لافتاً نحو التهدئة؛ حيث عُقدت لقاءات رفيعة المستوى جمعت الرئيسين مسعود بزشكيان وإلهام علييف. وتمّ توقيع وثائق تعاون أمني واقتصادي بين وزارتي الداخلية في البلدين لتوسيع الشراكة وجسر الهوة. 

تؤدّي "إسرائيل" دوراً تخريبياً في العلاقة بين أنقرة وباكو، ولا سيما أنّ الصراع حول سوريا في أوجه، كذلك الصراع حول الطاقة  والنفوذ في شرق المتوسط  يتخذ بعداً إقليمياً.

تأزم تركي -أذربيجاني : طموحات إردوغان أم العلاقة مع "إسرائيل"؟ بقلم / 
هدى رزق