من واشنطن إلى الكنيست.. هل بدأت موازين السياسة تتغير لمصلحة فلسطين؟

الساعة 12:55 م|07 نوفمبر 2026

فلسطين اليوم | محمد مصطفى شاهين

 

نحن أمام مشهد انتخابي يحمل دلالات سياسية تتجاوز حدود التمثيل العددي، وتستحق قراءة متأنية في سياق التحولات التي أحدثتها حرب غزة في البيئة السياسية الغربية والإسرائيلية. ففي الولايات المتحدة، مثّل فوز عبد السيد بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، وفق النتائج المعلنة في 4 نوفمبر 2026، اختراقاً تاريخياً بوصول أول مسلم إلى هذه المؤسسة، بالتزامن مع صعود أصوات سياسية أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية. وفي المقابل، حققت القوائم العربية في انتخابات الكنيست 19 مقعداً، مقارنة بعشرة مقاعد في الانتخابات السابقة، في حين حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعداً مقابل 48 لمعسكر المعارضة الصهيونية. وهذه النتائج، وإن اختلفت طبيعة النظامين السياسيين وسياقاتهما الانتخابية، تكشف عن متغير مهم يتمثل في اتساع المساحة السياسية المتاحة للأصوات المناهضة للحرب والرافضة لاستمرار السياسات الإسرائيلية دون مساءلة. وفي ضوء ذلك، لا يبدو أن المسألة تتعلق بمجرد نجاح مرشحين أو زيادة مقاعد انتخابية، وإنما بتراجع نسبي في قدرة الخطاب التقليدي المؤيد لإسرائيل على احتكار المجال العام وتحديد حدود النقاش السياسي المشروع حول فلسطين، خصوصاً بعدما تحولت مشاهد القتل والدمار في غزة إلى عامل مؤثر في تشكيل الوعي السياسي لدى قطاعات من الناخبين، ولا سيما الشباب والتيارات التقدمية والمستقلة التي باتت تنظر إلى القضية الفلسطينية من زاوية العدالة الدولية وحقوق الإنسان ومصداقية النظام الليبرالي الغربي.

 

ولعل من المناسب أن نميز هنا بين التحول في الرأي العام والتحول في بنية صناعة القرار، فمشاهد الحرب على غزة أحدثت شرخاً واضحاً بين الخطاب الرسمي الأمريكي وبين قطاعات متزايدة من المجتمع الذي تابع على مدار سنوات الحرب صور الضحايا والدمار واستهداف المستشفيات والمدارس والبنية المدنية. ولم تعد الرواية الإسرائيلية قادرة بالفاعلية السابقة على ضبط النقاش العام أو تحييد الأسئلة المتعلقة بالقانون الدولي والمسؤولية السياسية والأخلاقية عن استمرار الحرب. وفي هذا السياق، لم يعد موقف المرشح من فلسطين تفصيلاً هامشياً في بعض الدوائر الانتخابية، بل أصبح معياراً للحكم على مصداقيته السياسية ومدى انسجام خطابه مع القيم التي يعلن الدفاع عنها. ومع ذلك، سيكون من التبسيط رد النتائج الانتخابية إلى العامل الفلسطيني وحده، إذ تتداخل معها الاعتبارات الاقتصادية وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية والاستقطاب الحزبي. لكن الأهم أن القضية الفلسطينية انتقلت من هامش النقاش الانتخابي إلى قلب بعض معادلاته، وهو تطور يفرض على المؤسسات الأمريكية إعادة النظر في افتراضها القديم بأن الدعم غير المشروط لإسرائيل لا تترتب عليه كلفة انتخابية داخلية. ومن زاوية أخرى، فإن وصول شخصيات مسلمة وعربية إلى المؤسسات التشريعية لا يستمد أهميته من هويتها الدينية أو أصولها القومية فحسب، وإنما من البرامج السياسية التي تحملها، ومدى قدرتها على تحويل الاعتراض الشعبي إلى مساءلة تشريعية ومواقف مؤسساتية.

 

وعلى النقيض من ذلك، لا يمكن اعتبار هذا الاختراق بداية لانهيار نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية المعروفة باسم إيباك، فهذه الجماعات تمتلك شبكات تمويل وتأثير وعلاقات مؤسساتية متراكمة، فضلاً عن قدرتها على التأثير في الحملات الانتخابية وصياغة التشريعات. غير أن ما يتغير تدريجياً هو البيئة التي تعمل داخلها، بعدما لم يعد التأييد التقليدي لإسرائيل إجماعاً محصناً من النقد داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي وتشير المعطيات إلى أن دخول أصوات جديدة إلى الكونغرس، بالتوازي مع اتساع التيار الرافض للمساعدات العسكرية غير المشروطة، يمكن أن يرفع الكلفة السياسية لاستمرار السياسات القائمة وتزداد هذه الأهمية مع وجود شخصيات تمتلك خبرة ميدانية مباشرة في غزة، مثل الطبيب آدم حموي، الذي عمل في القطاع خلال عام 2024، بما يمنح النقاش السياسي بعداً يتجاوز التقارير الدبلوماسية والروايات المتبادلة إلى المعرفة الشاهدة. فحين يتحدث طبيب عاين الواقع الإنساني وعمل داخل المنظومة الصحية المنهارة، فإنه يضع المؤسسات التشريعية أمام أسئلة يصعب اختزالها في الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية. لكن القيمة الحقيقية لهذه الخبرة لا تتحقق بمجرد التصريحات الإعلامية، وإنما عندما تتحول إلى أدوات رقابية من خلال جلسات الاستماع والتحقيقات ومراجعة المساعدات العسكرية ومساءلة المسؤولين عن استخدام الأسلحة الأمريكية.

 

أما داخل الكنيست الإسرائيلي، فإن حصول القوائم العربية على 19 مقعداً يطرح معادلة سياسية تستحق التوقف عندها، خصوصاً أن جمع هذه المقاعد مع مقاعد معسكر المعارضة البالغة 48 يرفع الحصيلة الحسابية إلى 67 مقعداً، أي أكثر من الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة والمحددة بـ61 مقعداً. غير أن الحسابات البرلمانية لا تعني بالضرورة وجود أغلبية سياسية متجانسة، فالمعارضة الصهيونية نفسها تعاني تباينات أيديولوجية عميقة، كما أن شخصيات محورية فيها، وفي مقدمتها أفيغدور ليبرمان، ترفض الاعتماد على الأحزاب العربية في تشكيل الحكومة. ومن هذا المنطلق، تبدو أمام القوائم العربية ثلاثة مسارات رئيسية، أولها دعم حكومة بديلة من خارج الائتلاف، وثانيها التفاوض على تفاهمات برلمانية تضمن مكاسب مدنية وحقوقية للمجتمع العربي، وثالثها توظيف الوزن العددي في الرقابة والتصويت على التشريعات والمبادرات الحكومية. وهنا لا بد من بيان أن القيمة السياسية لهذه المقاعد لا تقاس فقط بقدرتها على إسقاط نتنياهو، بل بقدرتها على فرض نفسها طرفاً لا يمكن تجاوزه في المعادلة البرلمانية. وفي المقابل، ستواجه هذه الأحزاب محاولات من اليمين الإسرائيلي لعزلها والطعن في شرعية تمثيلها، عبر نقل النقاش من حق المواطنين العرب في المشاركة السياسية إلى التشكيك في ولائهم ومواقفهم الوطنية. وهي استراتيجية تعكس أزمة أعمق في مفهوم المواطنة والمساواة داخل إسرائيل، وتكشف عن تناقض بين ادعاء الديمقراطية وبين محاولات إقصاء قطاع واسع من المواطنين عن التأثير في القرار السياسي.

 

وبناء على ذلك، فإن السؤال الأكثر أهمية يتعلق بقدرة هذه المكاسب الانتخابية على إنتاج قرارات ملزمة توقف الحرب أو تفرض تغييراً جوهرياً في السياسة الإسرائيلية. ففي الولايات المتحدة، لا يمتلك أعضاء الكونغرس منفردين صلاحية فرض وقف الحرب، إذ تتداخل صلاحيات الرئيس والسلطة التنفيذية ووزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي، فضلاً عن المصالح الاستراتيجية وشبكات المجمع الصناعي العسكري ومع ذلك، يمتلك الكونغرس أدوات دستورية وتشريعية مهمة لمراجعة صفقات السلاح والاعتراض عليها، وفق قانون مراقبة تصدير الأسلحة، وهو ما يجعل توسيع الجبهة التشريعية المناهضة للتسليح غير المشروط هدفاً واقعياً يمكن البناء عليه. وقد شكلت تحركات السيناتور بيرني ساندرز السابقة للاعتراض على صفقات أسلحة لإسرائيل نموذجاً لهذا المسار، رغم عدم نجاحها في وقف تلك الصفقات. وفي هذا السياق، فإن التحدي أمام النواب الجدد يتمثل في بناء تحالفات عابرة للانتماءات الدينية والعرقية، تضم التيارات التقدمية والمدافعين عن الحقوق المدنية ومناهضي الحروب والمنظمات الحقوقية والنقابات، بهدف ربط المساعدات العسكرية باحترام القانون الدولي وحماية المدنيين. أما في إسرائيل، فتظل القرارات العسكرية والأمنية مرتبطة بالحكومة والكابينت والمؤسسة الأمنية، وهو ما يعني أن زيادة التمثيل العربي لا تكفي وحدها لتغيير العقيدة الأمنية أو وقف العمليات العسكرية، لكنها تستطيع توسيع نطاق المساءلة السياسية والرقابة البرلمانية.

 

وفي ضوء المعطيات السابقة، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على زيادة عدد الأصوات المؤيدة لفلسطين، وإنما على بناء منظومة ضغط سياسية وتشريعية قادرة على تحويل المواقف الأخلاقية إلى التزامات مؤسساتية. وهذا يتطلب الانتقال من الاحتجاج على السياسات الإسرائيلية إلى مساءلة الأدوات التي تمولها وتحميها وتوفر لها الغطاء السياسي والدبلوماسي، وفي مقدمتها المساعدات العسكرية وصفقات السلاح والحماية داخل المؤسسات الدولية. ومن الرؤى الشائعة كذلك أن مجرد انتقاد إسرائيل يمثل تحولاً كافياً في الموقف الغربي، لكن التجربة أثبتت أن الفجوة بين الخطاب والممارسة قد تكون واسعة، وأن إدانة الانتهاكات لا تعني بالضرورة الاستعداد لاتخاذ إجراءات تردع مرتكبيها. لذلك فإن المطلوب هو إنتاج تحالف سياسي يربط بين حقوق الفلسطينيين والمصالح الأمريكية والقيم الديمقراطية المعلنة، ويعيد طرح العلاقة مع إسرائيل باعتبارها علاقة تخضع للمراجعة والمساءلة، لا استثناءً دائماً من قواعد القانون الدولي. وبالمثل، فإن الأحزاب العربية داخل الكنيست مطالبة باستثمار قوتها العددية في بناء تحالفات موضوعية حول المساواة والحقوق المدنية ومواجهة التمييز والعنف والجريمة، دون التفريط بثوابتها الوطنية، لأن النفوذ السياسي المستدام لا تصنعه الأرقام وحدها، وإنما القدرة على تحويلها إلى مصالح وضغوط وتفاهمات يصعب تجاوزها.

 

ومن هنا يمكن القول إن ما جرى في واشنطن والكنيست يعكس بداية تحول في البيئة السياسية المحيطة بالقضية الفلسطينية، لكنه لا يرقى بعد إلى تحول مكتمل في طبيعة القرار الأمريكي أو الإسرائيلي. فنحن أمام تراجع نسبي في احتكار الرواية، واتساع في مساحة الاعتراض، وظهور قوى انتخابية وتشريعية باتت أكثر استعداداً لمساءلة السياسات الإسرائيلية، غير أن هذه المؤشرات تصطدم بمؤسسات عميقة المصالح وشبكات نفوذ قادرة على تعطيل التغيير أو احتوائه. والأهم أن الاختراق في واشنطن يختلف في طبيعته عن الاختراق داخل الكنيست؛ ففي الأولى يتعلق الأمر بإعادة تعريف حدود الدعم الأمريكي لإسرائيل وشروطه، وفي الثانية يتعلق بحق الفلسطينيين داخل الخط الأخضر في التمثيل والتأثير والمشاركة في صناعة القرار. وهذا ما يقود إلى استنتاج أساسي مفاده أن القضية الفلسطينية لم تعد تواجه إسرائيل وحدها في ميدان الصراع السياسي، بل باتت تفتح جبهة متنامية داخل المؤسسات التي اعتادت توفير الحماية السياسية والعسكرية لها. ومع ذلك، فإن تحويل هذه اللحظة إلى مكسب استراتيجي يظل مرهوناً باستدامة التحالفات وتراكم الضغط الشعبي والتشريعي، وبقدرة الفلسطينيين على توظيف هذه التحولات في خطاب سياسي وطني موحد. فالمعيار الحقيقي ليس عدد المقاعد التي حصل عليها أنصار فلسطين، وإنما مقدار ما تستطيع هذه المقاعد تغييره في السياسات والقرارات. ولسنا بالضرورة أمام نهاية مرحلة سياسية قديمة، لكننا أمام تصدع في بعض ركائزها، والسؤال الذي سيحسم طبيعة المرحلة المقبلة هو ما إذا كان هذا التصدع سيتحول إلى إعادة تشكيل فعلية لموازين القوة، أم سيبقى مجرد اختراق انتخابي في مؤسسات لا تزال قواعد القرار فيها محكومة بمصالح راسخة.